المسيحيةُ والإسلامُ تجريداً وتحليلاً

(إذا كانت العلاقة بين الإنسان والإله في المسيحية قد قامت على إرتباط وجودي(انطولوجي) فقد افصحت عن نفسها عبر ثلاثية الأب والابن والروح القدس)، طيب تزيني، من اللاهوت إلى الفلسفة، ص 70.).
تباينت مصائرُ المسيحية والإسلام في نضالهما المشترك لتكوين مجتمعات إنسانية مفارقة للزمن العبودي المرهق الطويل على شعوب المشرق خاصة، بسبب تباين ظهور كل منهما في ظروف مختلفة وبين سكان مغايرين.
عبرت مفاهيمُ الثالوث المسيحي: الأب والابن والروح القُدس، عن فاعلية رجال الدين والفئات الوسطى المناضلة، حيث مثلتها مقولة الابن، المتداخل مع الإله، الفائض على البشر والحياة، وهي المقولةُ التي عكست نضالية الرهبان ورفضهم الذوبان في الدول الشمولية، فيما سوف يظهر كذلك جماعات من رجال الدين يوظفون هذه المقولات للدولة الرومانية.
كما عبر الوعي المسيحي عن تقاليد الشمال الكنعاني العربي الزراعية، حيث التداخل بين الإله والبطل الشعبي جالب الحياة والخير والنار للناس، ولهذا حدثت سيولة إجتماعية سياسية بين الحاكم الأعلى الإله والقوى الدينية التي تجسده، ولهذا كان رفض الرهبان للسياسة العبودية السائدة، وتطلعهم لنموذج تحولي مختلف، عبر العزلة وإنتاج ثقافة جديدة.
فيما قطع المسلمون عمليةَ التداخل هذه وإنفصل الإلهُ عن الالتحام المادي بالبشر، وارتبطت الفئاتُ الوسطى المدنية والدينية بالناس وبالخيارات الدنيوية التي غدت مفتوحة لهم، ومن هنا كانت مشاركتهم في التحولات الاجتماعية والسياسية، مغايرة للرهبان، وفاعلة خلال عدة قرون، لكن إمكانيات الفئات الوسطى الدينية والمدنية العربية لانتاج حضارة راسمالية ديمقراطية كانت محدودة نظراً لاندماجها بالنظام الإقطاعي وموارده المؤسَّسة على الخراج الزراعي.
ولهذا حين عاشت المسيحية الغربية في ظل العبودية في زمن الرومان كانت في موقع مختلف عن المسلمين الذين تطوروا عنها، مؤسسين نظاماً إجتماعياً مختلفاً، ومع سقوط الوثنية والعبودية في القسم الأوربي صعد رجالُ الدين المسيحيين كحكام، واستولوا على أجزاء من الأراضي الزراعية، وكانت البابوية قمة لهذا التحول، ولكن هذا لم يجلب نهضةً بل تدهوراً لحالة الوعي والثقافة والانتاج، فغدت المسيحية الرسمية غير معبرة عن أحلام رجال الدين المسيحيين الأوائل.
تطور المسلمين النهضوي المتكون عبر إنتقال العرب من البداوة للحضارة ولنمط إنتاج متطور أدى إلى ازدهار الحضارة لديهم، وتوسع الفئات الوسطى التجارية والثقافية وهو الأمر الذي هيأ للنهضة السياسية الفكرية.
كذلك فإن المقولات الدينية الفاصلة بين صورة الإله والبشر، أدت إلى نشاط رجال الدين والعامة في مختلف صنوف الانتاج والعيش ودنيويتهم، ولم تجعل لرجال الدين مكانة مقدسة أو سلطة جاهزة مهيأة من السماء، ومن هنا كانت السلطة الأموية أقرب للحكم المدني، وهو أمرٌ مفيد على المستوى القريب حيث تطورت الأعمال والآداب والفنون، لكنها على المدى البعيد وفي مستوى الوعي، أدت إلى العداء للوعي المدني هذا، وصار التركيز على الوعي الديني وضرورة حكم القوى الدينية أو التي تمثل ما هو مقدس للدولة مطلباً يعبر عن الانهيار المتواري المتصاعد لقوى الانتاج المادية والفكرية، وازداد هذا مع الدولة العباسية التي واصلت نفس مسار الدولة الأموية المدني مع التوسع الكبير فيه دون أن تحل سلطة رجال الدين في السلطة لكن حلت الأشكال الدينية الشديدة الغيبية.
ونظراً لتدهور أعمال الزراعة وأحوال المنتجين الزراعيين وتفكك الأقاليم وعجز القوى المدنية عن التوحد وتحليل الواقع بصورة موضوعية عميقة، فإن العناصر الفكرية التحديثية والتنويرية لم تتطور وتغدو سائدة، وتصاعد الوعي الديني ذو الأشكال الخارقة، وجاءت العناصر اللاعقلانية من الفلسفة الهندية والمسيحية لتتوسع في الوعي العربي الإسلامي فيما أتسمت العناصر العقلانية المجلوبة من الفلسفة الأغريقية بالمحدودية و سيطرة التفاسير الشرقية الدينية.
إن تدهور الفئات الوسطى والعاملة وتدفق الجمهور المُنتزع من أريافه وصحاريه جعل تنامي الوعي الأسطوري الديني الذي إنتهى إلى الدروشة قمةً لهذا العصر.
وهكذا حدثت مقاربة بين الانهيار العربي والانهيار الغربي المسيحي، لكن كانت الظروف الإقطاعية في أوربا تتفكك وتنمو عناصر مدنية حديثة، فيما كان العرب يتفككون بشكل واسع وتنهار ظروفهم المادية والثقافية.
ليست المقولات التجريدية عن صور الألوهية سوى تعبير عن مسارات إجتماعية وهي تترابط مع الأنظمة والبُنى الاجتماعية، وعدم قراءتها في مساراتها يجعل اللوحة غامضة وغير مفهومة.

أضف تعليق