يقول البعض بأن هذه الأشكالَ والتجاربَ الفنية والأدبية العظيمة باقيةٌ إلى الأبد، وليس تلك الأشكال والتجارب الدنيا، فهي إلى زوال.
وهذه الأنظمةُ أبديةٌ وتلك ليست أبدية.
ولكن منذ قرون وهناك أقوالٌ تتحدثُ عن زوال الأدب الأغريقي الذي ظهر قبل ميلاد المسيح بقرون وملئته عوالم السحر، ومع هذا فهو مستمر ويشكلُ متعاً وذائقة، وكذلك الأدب الجاهلي، وكانوا يقولون بأن هذا الأدبَ إلى زوال لأنه مصاحبٌ للوثنية ومع هذا يستمر.
الحديث عن زوالِ تجارب دخلتْ عالمَ الأدب والفنون، حديث يتصور بإمكانية وضع خطوط مطلقة بين الرؤى والأنواع الأدبية والفنية والفلسفات السياسية والدينية.
لكن حتى الفنون التهريجية والروايات البوليسية والأغاني الماجنة ما زالت تعيش، وستبقى.
نعم العالم يرتقي لكن بصعوبات شتى ويظل نسبياً.
وتغدو تطبيق هذه التصورات في عالم السياسة والفكر والمعتقدات محفوفاً بالمخاطر، وتغدو الآراء المثالية صعبة التطبيق، ولهذا من الصعب تصديق تصورات مثل الديمقراطية الخالصة النقية المعلبة في زجاجات، لأن الديمقراطيةَ ترتبطُ دائماً بالدكتاتورية، فالديمقراطيةُ الخالصةُ خيالٌ مثالي، إنها تتطور ضد الديمقراطية لكن هل سوف تخلص منها نهائياً؟
هذا مرتبطٌ بتاريخ البشرية ككل، وقد قيل بأنه حالما تزول الدكتاتورية تزول الديمقراطية معها. لأننا حينذاك لسنا بحاجة لأجهزة القهر والضبط، ولكن متى سوف يحدث ذلك ومتى ستخلو المجتمعات من الإختلاف؟
لا أحد يعلم.
إن التناقضَ هو أساسُ حياة البشر، وبدون تناقض يزول البشر.
ولهذا فإن أفكار الجنان تبقى مفتوحة كذلك للتناقضات.
يقولون بوجودِ الإنسان اللاحيواني، ولكن الإنسانَ مركبٌ من إنسان وحيوان. فأين هذا الإنسان الذي يخلو من بعضِ مادةِ الحيوان؟
والآخرة حين تنقسم إلى جنة ونار تغدو تناقضاً حاداً، أي ليس فيها تناقضٌ جدلي يمشي على مواد البشر، فلا يمكن أن لا يفكر أهلُ الجنانِ بعذاب أهل النيران، ولا يمكن أن يصبرَ أهلُ النار على عذاباتهم إلى الأبد؟ لا بد أن ثمة علاقة.
وربما تحدث صراعاتٌ وتداخلات ويتشكلُ تاريخ.
وقد تصور شاعر عراقي قصةً خياليةً تمردية لأهل النار!
وهل يمكن أن تكونَ هناك شيوعية ويتوقفَ التاريخ؟ كيف سيتشكل كلُ هؤلاء البشرِ في نمطٍ واحد؟ ألن تحدث سرقات؟ ألن يرتد كثيرون للملكية الخاصة؟ هل سوف تزول الأنانية بشكل مطلق؟ هل يمكن ذلك؟
تاريخٌ بلا تناقض يغدو ناقصاً أو خيالياً، تاريخٌ بلا مستويات متعددة يغدو سطحياً، وبشر بلا صراعات وتناقضات بشر يعيشون في عالم غير واقعي.
ومن هنا فإن الثقافةَ الرفيعةَ لا يمكن أن تكونَ وحدها في الميدان، فليس الأديب صاحب البيان العظيم وحده الموجود في العالم، كما أن الممثل الهزلي سيكونُ مع الممثلِ منتج الأفلام والمسرحيات الواقعية والشعرية.
قالوا بأن الممثلَ الكوميدي الذي تحبهُ العامةُ (الجاهلة) سوف يزول لكنه لم يزل، ويظهر عامةٌ آخرون يحبونه، ويبقى وربما زاد جمهوره عن السابق، فيما تلقص أو زاد جمهور الممثل المثقف.
هناك مستويات من الواقع والبشر والثقافة والسياسة مرتبطة بتناقضاتٍ ومستوياتٍ بشرية لا تُحل ولا تُصهر في نسخةٍ واحدة، أو تُوضع في ثلاجة فكرية وسياسية وتبقى هناك.
بدون التنوع والتناقض والصيرورة ولا نهائية التاريخ البشري وغموضه المستمر ومفآجاته التي لا تنضب تزولُ الحياة.
قالوا بأن الرأسماليةَ الغربيةَ هي خاتمةُ المطاف للتطور التحديثي في العالم.
الآن لدينا رأسماليات آسيوية ذات تطورات أكثر خصوبة من الرأسماليات الغربية، ولم تشكلْ حروباً، ولم تعش على نهب الشعوب، لديها عناصر إنسانية أكبر، وسيكون لذلك تأثيره في التحولات القادمة وفي ديمقراطيتها التي لا تخلو من دكتاتوريات.
ولهذا فإن نماذجَ الإشتراكية لن تنضب من التاريخ، ستتكرر وتتعدل، وتتداخل مع الأشكال الأخرى.
سابقاً قالوا أن الالكترون هو نهاية المادة لكن ظهر أن المادةَ لا نهاية لها، مثل الكون الذي نراه كوناً واحداً، والقادمون سيرونه أكواناً.
ولهذا فإن إعتقالَ الوعي في الزنزانات السياسية والثقافية المؤدلجة يجعلهُ محنطاً جامداً، يدهوره ويدهور علاقاته بالبشر مصدر طاقاته وتحولاته، وتغدو القدرات السياسية قصيرة، والآفاق مغلقة، فيما العالم لا ينفد من التطورات.