الأرشيف الشهري: جانفي 2022

إنتاجُ وعيٍ نفعي مُسيَّس

#اليسار_في_البحربن  #المنبر_التقدمي ⇦ (اللاتقدمي)!

كان يُفترض أن تكونَ ثقافةُ اليسارِ والقوى التحديثية ثقافةً موضوعية تدمج العقلانية بموضوعاتها وتحليلاتها، لكن هذا لا يحدث بشكل عام ومستقيم، لأن البرجوازية الصغيرة المدنية وهي تشكلُ تنظيمات شموليةً متحزبة لذاتها بشكل متعصب، سوف تؤلهُ تاريخَها ومبادئها وقياداتها وتدخلها في نطاق المقدس، ومن هنا يتوارى النقدُ والتحليل الموضوعي.

حين تتحلل البرجوازيةُ الصغيرةُ السياسية في المدن وتضعفُ مقاومتها بسبب هذا التعصب والانغلاق، سوف تورثُ خصائصَ سلبيةً للقوى البرجوازية الصغيرة الطالعة في الريف والبادية.

من الصعب وجود وعي نقدي موضوعي عند وعي يحيل التنظيمات والأفكار والشخوص والدول إلى كائناتٍ مقدسة، إن الوعي (الشيوعي) يرى الاتحادَ السوفيتي ورموزه كائنات مقدسة، في احتفالاتها وسياساتها وتاريخها وسوف يرى القومي وسوف يرى البعثي ذاتَ الخصائص في الدول والزعماء الذين يحرقُ البخور السياسي لهم.

سوف يخرجُهم من دائرةِ الواقعي، ومن إمكانيةِ وجود أخطاء عميقة ضاربة في هذا البناء كما جرى فعلاً. ولهذا سوف تكون سياستهُ اليومية قائمةً على انتصار هذا النموذج غير القابل للهزيمة، وسوف تشتغل التكتيكاتُ تبعاً لهذه القدرية الدينية، وسوف تدخلُ أنصافُ الحقائق والتاريخُ المؤدلج الرسمي وتجزئةُ التحليل واقتصارُهُ على ما ينفعُ الذات ولا يضرها، وتُخفى جوانب عن القواعد وتظهر جوانب، وتصبحُ النفعيةُ الانتهازيةُ متغلغلةً ويصبحُ الرفاقُ شلة مستفيدة بدلاً من تنظيم ثوري.

ويأتي المذهبي المرتكزُ على الدين الإسلامي بعد أن صدأت آلاتُ الأحزابِ (الثورية) القديمة، من دون أن يَعرفَ لماذا صدأتْ إلا لكونِها مخالفة للتعاليم الربانية بحسب فهمه، وليس لأنها تستندُ إلى قوى إجتماعية متذبذبة نفعية خاصةً من قبل القادة الذين كرسوها لهم، ولم تقم على التنظيمات الجماعية وديمقراطيتها ومؤتمراتها وكتبها النقدية الفاحصة، فهو سيقومُ بذات الفعل، ويطبقُ نفسَ المبادئ الداخلية الاجتماعية المريضة وليس أشكالها الخارجية السطحية.

وهذا التاريخ الذي يعتبرهُ انتصاراً غيبياً هو كارثة عليه، لأنه سوف ينسخُ أسوأَ ما فيه، بدلاً من أن يكون هو كتنظيمٍ ثمرةٍ لتاريخٍ سياسي غني ديمقراطي.

إنه سينهضُ فوق عضلات الكادحين ويطوعها من أجل صعوده، وستكون معركته من أجل انتصارِ (دولة الحق)، ويتحالفُ مع المخالفين للشريعة فقط لأنه يوظفهم لأجل مصلحته، هنا تغدو الانتهازية فاقعة، وخاصة في الدول التي ليس لها تراث حزبي سياسي عريق، ويكون الهدف علو شأن جماعته من أجل الكراسي والحصص المالية والمنافع.

التراث السلبي للجماعات (العلمانية) من انتهازية وشمولية وتحايل على التحليلات السياسية الموضوعية وجعلها لخدمة الذات ومصالحها، تغدو في الطبقات السفلى للخطاب السياسي الطائفي (النبيل)، غائرةً وجزءًا من مرض الطبقة المتذبذبة الانتهازية، وفي المطبخ تُعدُ الأكلات المسمومة للشعب، وتُتبل بالجمل العظيمة والكلمات الفخمة التي تذهب لرموز المقدس وتضعها في أعلى الدوائر، تسحرُ الجمهورَ وتُدخلُ السمومَ في عظامهِ السياسية لكي يقوم بالأفعال المغايرة لأخلاقية الدين، ليتصور أنها جزء من الدين فيحصل على أجري الدنيا والآخرة!

الموضوعية والحقيقة تتطلبان الدفاع عن مصالح الشعب من خلال الأدوات المتاحة السلمية العقلانية ويتم تصاعدها عبر التاريخ وإمكانيات الشعب الموحد لا الطائفة، فيجري نقد الواقع والتحالف مع القوى الأخرى المشاركة في ذات الأهداف بحسب طابع وظروف البلد المعني، وقراءة درجة تطوره، ويُصنع الممكن المعقول المفيد للأغلبية من السكان، ولا يجري اللجوء إلى وسائل العنف والكذب والتهويل والخداع.

حين تريد أن يكتبوا نقداً ضد دولة متفاقمة الخطر العسكري على المنطقة يسكتون، فقط لأنهم يشاركون الطرفَ الديني نفس التوقير لهذه الدولة، من دون أن يروا الأخطار المحدقة الهائلة من طرقها في السياسة على الحياة والتطور في المنطقة.

هنا مثال ملموس على كيفية التحايل وعدم النقد الموضوعي والوصول بهذا النقد إلى آفاق من التطور الديمقراطي الحقيقي، لأنك بالسكوت عن دولة خطرة على البشر تؤدلج رأيك ولا تطوره، ويعكس ذلك طرق الحربائية السياسية وقتلها للتحليل الموضوعي.

عدم نقد القوى العليا في المراحل السابقة والأنظمة الشمولية السابقة أهل لموت التحديثية التابعة لها، فتدهورت الرؤى العقلانية الموضوعية النقدية، فتماشت مع صعود قوى شمولية جديدة، لكنها للأسف أكثر تخلفاً بكثير من تلك القوى السابقة. 

الوعي والمادة

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

وقد بدأ العرب يقاربون الحضارة الحديثة منذ أن تفتحت عيون المثقفين في النهضة الحديثة، ومن ثم راحوا يراكمون وعياً جديداً مختلفاً عن (المادة) منذ الأنظمة الملكية الليبرالية فالأنظمة العسكرية الوطنية والثقافة التنويرية العلمانية وراح يتصاعد بتقطع وضعف دون أن قطع بجذورهم الإسلامية والقديمة والإنسانية.

وهذا التصاعد والتقطع والاستمرارية تعبر كلها عن حصيلة الصناعة والعلوم والحرية وعن جذور ضعيفة في حفر الأرض المادية.

لقد كان الحصول على معنى المادة ومعنى العلم وكشف سببيات الوجود لتلك القبائل التي خرجت من الجزيرة العربية أمراً صعباً محفوفاً بالمخاطر ولجماعاتٍ أميةٍ محدودة الأرث العلمي، والتي إنتجت منها فئات وسطى حرفية وثقافية في ظل الإمبراطورية وراحت تتساءلُ عن معنى الوجود وكيفية فهمه وكيف السيطرة عليه؟

إن الشعوبَ لا تفهم الطبيعةَ والمجتمعَ بشكلٍ مجرد سحري غيبي تلقائي عجائبي بشكلٍ أساسي، وإن كانت هذه هي المراحلُ الدنيا لتشكلِ العقول، لكنها تتجاوزها، لأنها ذات مستويات دنيا، ولاعتمادها على الحدس وهو أدنى أشكالِ الفكر وعلى التجارب البسيطة غير المعللة وغير المجربة تجريباً حديثاً.

لكن هذه الأشكال الدنيا ملاصقة كثيراً للعرب والمسلمين لأنهم في المستويات الدنيا من الإنتاجين الصناعي والعلمي، ومن هنا فالأشكال الأخرى من السحر والدين غير العقلاني تبقى مترافقةً مع هذا التطور ذي المستوى المنخفض.

ومن هنا كانت الجهود الجبارة للعلماء العرب والمسلمين في إنتزاع أسرار الطبيعة والمجتمع، وهم في بدايات الحضارة، وهو أمر مهدهُ علماءُ اللغةِ والكلامِ ثم الفلاسفة، الذين وضعوا جميعاً القواعدَ الأولى لبناءِ العقلية العربية الموضوعية النقدية، التي تراكمُ لبناتِ المعرفةِ الموثَّقة، والتي تكشفُ خلايا المادةِ وعملياتِ التغلغلِ فيها بشتى أشكالِ تمظهراتها، سواءً كانت جسم إنسان أو حيوان أو أشياء مادية بمختلف حالاتها، أو كانت كوكباً أم نجماً.

ولا تنفصلُ العلومُ الإنسانيةُ هنا عن العلوم الطبيعية، بل كانت هي مقدمتها، فتطورُ علومِ النحو والصرف والبيان ودراسة جذور اللغة وحياة العرب الاجتماعية، قادَ إلى وضعِ لغةٍ كبيرة ذات إمكانيات تعبيرية وإشتقاقية حيوية تحت تصرف علماء الطبيعة والرياضيات والطب والفلك والكيمياء وغيرهم.

فتغيرت الرياضيات بداية من تغيير الأرقام إلى جعل الصفر فيها وجعلها بالتالي سهلة ولا نهائية الحساب، لأن المادة لانهائية، وعبر الجبر تم إظهار الكم المجهول من الكم المعلوم، فغدت الرياضيات أداةً أخرى، وتطورت الهندسة الأقليدية، خاصة عبر التلاقح مع الثقافة اليونانية، ثم بدأت الكيمياء والفيزياء بالتطور مع تطور الحرف والصناعات.

لكن هل تنفصل العلوم هنا عن الشعوذة خاصة مع هذه النشأة الأولى الضعيفة؟

(أخذ جابرٌ «بن حيان» مادة الكيمياء – كما هو معلومٌ – من مدرسةِ الإسكندرية التي كانت تقولُ بإمكانيةِ انقلابِ العناصر وتحولها بعضها إلى بعض، وأخذ مع هذه الكيمياء فيضاً من الفلسفة الهيلينية والآدابَ السحريةَ والتصوف والروحية الإيرانية)، (الجامع في تاريخ العلوم عند العرب، الدكتور محمد عبدالرحمن مرحبا، منشورات عويدات ط2، 1988، ص 315).

إن إمكانياتِ الوصولِ إلى الأبعادِ المتعددة للمادةِ مسألةٌ مرهونةٌ بقوى الإنتاجِ السائدة في المجتمع وتجلياتها في البحثِ العلمي خاصةً مدى تقدم الحرف ومن ثم وجود معامل الإختبار، وظهور وتعمق تخصصات العلماء، وتنوع أدوات السبر والصهر والتحليل المختلفة.

ولهذا فإن حدوثَ جدلٍ عميقٍ بين الصناعة والعلوم لم يحدث:

(مزجَ العلماء العرب والمسلمون الذهبَ بالفضة، وإستخدموا القصديرَ لمنع التأكسد والصدأ في الأواني النحاسية، وإستخدموا خبرتَهم الكيمائية في صناعةِ العطور ومواد التجميل وصناعة الأقمشة والشموع..) الخ، الموسوعة العربية العالمية، ص 460.

لنلاحظ هنا كيف أن منهجيات البحث العقلي كانت محدودة وكذلك فإن توجه الطبقات الحاكمة للاستئثارِ بجانبٍ كبيرٍ من الفيضِ الإقتصادي، وجهَ الصناعات نحو الصناعات الاستهلاكية التابعة للقصور وكبارالتجار، مثلما أن الحركة الفلسفية لم تقمْ بتحليلات عميقة للمواد الطبيعية والاجتماعية.

إن المادة هنا باعتبارها مواداً وكواكب ونجوماً، أي مادةً كونيةً، لم تتغلغلْ الأبحاثُ فيها، فجثمت أشكالُ الوعي العربي العلمية على سطوح المواد والعمليات، وهي الموادُ المقاربةُ للاستهلاكِ أو للصحةِ الجسدية البسيطة، أو للتنجيم، وهو الثقبُ الأسودُ الذي إنهالتْ فيهِ موادُ الخرافةِ الواسعة وبلعتْ العقولَ والحضارة العربية.

وحتى شبكة العلوم الطبيعية كانت خاضعةً لأهدافِ الطبقاتِ العليا، فالطبُ والتنجيمُ والصيدلةُ يتمُ الصرفُ عليها، في حين لا تحظى علومٌ أخرى بمثل ذلك.

إن أشكال الوعي من دين وفلسفة وعلوم لم تستطع أن تصل إلى المادة إلا بمستويات محدودة وعجزتْ عن كشفِ تنوعاتِها والوصولِ إلى مكوناتِها الأصغر، وفي مختلفِ تجليات المادة الحية والجامدة على السواء، كما لم تصلْ – تلك الأشكال- إلى فهم عمليات المادة الأكثر تطوراً وهي الحياة الاجتماعية البشرية ونتاجها الأعمق وهو الظاهرات الفكرية.

ومن هنا فقدتْ مفاتيحَ إستمرار النهضة والتقدم وتوقفت وتخلفت.

إن أحجامَ إكتشاف المادة في الحضارتين الكبريين الإغريقية والعربية والحضارات الأخرى كذلك مثل الصينية والهندية، لم تصل إلا لكشف سطوح المادة، لكن في الحضارة الغربية التي تصاعدت منذ القرن الخامس عشر بدأت ظروف جديدة تتشكل، فقد أزيلت الدولة الكلية الإستبدادية وأُبعدت أحجارُ سيطرتِها وهي الأديان الكاتمة على حريات العقول وإنفتح المجال للتجريب العلمي الحر.

لكن ذلك إستغرق زمناً طويلاً وبتفاعل البُنى الاقتصادية والفكرية لكل المجموع النهضوي الغربي، بحيث تمَ تجاوزُ الحرفةَ، بظهورِ الصناعتين اليدوية فالآلية، والأخيرة هي الذروة ولأول مرة في التاريخ، وبهذا فإن المادة بمختلف تجلياتها الكونية والأرضية وُضعت تحت أصابع وعيون البشر لتفحصها، بشكلٍ تاريخي متدرجٍ يعكسُ تطورَ الصاعاتِ والملاحةِ وسيطرتهم على الأشياء والمنتجات والخريطة الأرضية.

إن الأجسامَ الفضائية كالكواكب والنجوم أُعيد النظر إليها، ورئُيتْ حركةُ الأجسام الكوكبية بشكلٍ صحيح، فبدأت المناظير تتجه إلى المواد الأصغر فالأصغر، دون أن يتوقف تحليل المواد الكبرى.

 وهذه المراحلُ الأولى من الإكتشافاتِ الجغرافية والصناعة أعطتْ إقتراباً من الأجسامِ الفلكية الكبرى وساهمَ ذلك في إستعادةِ وحدةِ الكرة الأرضية، وبتواضعِ الأرض في المجموعة الشمسية لكنها صارت أقوى، ودخلتْ في تشكيلةٍ تاريخية جديدة هي الرأسمالية جعلتْ المادةَ البضائعية هي محور الاقتصاد والمعامل.

أعطت هذه المرحلة تغلغلات كبيرة في المواد الصناعية، فتمكن تشارلس داروين من فهم سببيات تطور الأحياء، وكشف كارل ماركس مادة البضاعة وتناقضاتها الاجتماعية، وهو مستوى لا يعود للبيولوجيا بل للعلوم الإنسانية، وتغلغل فرويد في فهم مادة العقل وطبقاته في الوعي واللاوعي إضافة لعلماء آخرين كشفوا جوانب أخرى من هذه المادة المُـفَّكرة، وهذه كانت ذروة العلوم في القرن التاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين.

في القرن العشرين تعرت المادة تعرية واسعة جداً، إتسع الكون إتساعاً عظيماً، ورُئي كمجراتٍ تشكلتْ في الانفجار العظيم، وهو الكون المرئي التاريخي لنا، أي كوننا، لأنه من الممكن أن تكون هناك أكوان أخرى، وكذلك فإن مادة هذا الكون دُرست وحُللت.

(المادة في الفيزياء الكلاسيكية هي كل ما له كتلة وحجم ويشغل حيزاً من الفراغ)، الموسوعة. لكن هذا هو الشكل الكلاسيكي للمادة فقد تداخلت المادة والطاقة، صارتا نوعاً واحد بوجهين.

وكما أن المادة لانهائية في الكبر فهي لا نهائية في الصغر، والحديث عن  وجود حدود لها هو مجرد ظن:

(تتكون المادة من جسيماتٍ بالغة الصغر تسمى الجزيئات، وهي عبارة عن تجمعات لجسيمات أصغر هي الذرات. وتلك بدورها تتكون من جسيمات أصغر. ويُعتقد حالياً أن المادة تتكون من أجسام صغيرة جداً لا تتجزأ، حيث أنها لا تتكون من جسيمات أصغر بل هي أصغر شيء. وتـُسمى هذه الجسيمات بـ”الجسيمات الأولية”، ومع هذا فليس من المُثبت بعد أنها فعلاً أصغر الأجسام المكوّنة للمادة.)، الموسوعة.

كشفتْ المادةُ عن كونِها حركةً صراعية، فأجزاء الذرة الداخلية متضادة، دائبة الحركة، والمادة الطبيعية الكونية في صراع دائم بين مكوناتها وفي العلاقات بينها، وهي في حالة سيولة دائمة من الحركة.

 المادة هي جزء من كوننا، ولا يُمكن إطلاق هذا المطلح على ما وراءه. ويُعتقد حالياً أن المادة تـُشكل 27% من كلتة الكون، 4% فقط هي المادة الطبيعية، والتي تنقسم إلى نوعين رئيسيّين: مادة مضيئة وغير مضيئة، وتــُشكل الأولى 0.4% من كتلة الكون، في حين أن الثانية تـُشكل 3.6% من كتله. أما الـ 23% الأخرى فهي المادة المظلمة، والـ73% الباقية هي الطاقة المعتمة.

ليست قدرات العلوم الغربية وإمكانيات الثورة التقنية التي عصفت بالقرن العشرين هي مجرد أهرامات من الأفكار المجردة بل هي تحولات كبيرة في العلاقات الدولية قادت إلى إنقلاب أوضاع الدول وتأكيد الغرب لقيادته للمسيرة العالمية تبعاً لمصالحه ومن خلال موقعه المتميز، وبالعصف بنظم ما قبل الرأسمالية والرأسماليات الحكومية الشرقية.

لقد برز صراع العلوم والثورة المعلوماتية والتقنيات الغربية في مواجهة وأمية العالم الثالث وتخلفه الثقافي ومحدوديته العلمية وتبلور في كونهِ صراعَ أساليب إنتاج وثروات تنتقل من جهة الشرق لجهة الغرب، فقد بلغ نسبة إنتاج العالم النامي 7% من الإنتاج الصناعي العالم، وبلغ حجم ديونه 2 تريليون دولار، رغم ضم هذا العالم النامي 70% من سكان العالم.

إن مجموع الأرباح التي حولتها الاستثمارات الغربية لبلادها قد بلغ 139,7 بليون دولار  خلال عقد 1970 – 1980.

فليست الثورة العلمية والتقنية هي مجرد أفكار مجردة، وليست هيمنة العلوم على المواد، هي أشكال ثقافية، بل سيطرة على المواد الخام، والاستثمارات والثروة المعرفية الجديدة.

إن عجز العالم النامي، ومنه العالم العربي، هو في أبنيته الاجتماعية – الثقافية المتخلفة، فعقلنة العالم وقراءاته السببية والقانونية، تترافق مع تغيير العلاقات بين الثقافة والتربية والتعليم وبين الإنتاج، مع تغيير الهياكل الاجتماعية الذكورية، مع تغيير الهياكل الحكومية البيروقراطية، مع الإنتقال للديمقراطية.

إن الثورة العلمية والتقنية الغربية تتغلغل كذلك في تغيير المواد التي ينتجها العالم النامي كذلك، فهي تطيح باقتصاده التقليدي كذلك:

(ومن الأمثلة على الصناعات التي قامت على الهندسة الوراثية (التكنولوجية الحيوية) والتي تم بها ايجاد منتجات تحل محل الإنتاج الزراعي في العالم المتخلف التوصل الى انتاج النيلة (منتج صناعي يُستخدم في الصباغة) التي تنتجها الهند، وإنتاج خيوط مخلقة لتحل محل السيزاك والمطاط، وإنتاج حبوب الفانيليا بدلا من الطبيعية التي تنتجها مدغشقر وإنتاج حوالى ثلاثين بديلاً للصمغ العربي الذي ينتجه السودان)،تاج السر.

إذا قرأنا هذه التحولات العاصفة الغربية وإنعكاساتها على المستوى الفكري، وربطنا بين إنهيار العقلانية العربية بعد ابن رشد، وعجز القوى الفكرية المختلفة عن العودة حتى إلى هذه العقلانية الفلسفية الدينية المثالية، فسوف نرى إنهيار المجتمعات العربية وعجزها عن الارتفاع لتحديات العلوم الغربية وثورتها المشار إليها، فغياب العقلانية الفلسفية يشير إلى عجوزات مختلفة؛ عدم القدرة على نشر التصنيع وخلق قوى عاملة متقدمة ماهرة تقنياً، وضعف وعي النساء وحضورهن التقني والعلمي، وهيمنة الثقافة السحرية على الوعي العام الخ.

أي أن الحضور العربي الراهن هو بسبب إنتاج المواد الخام الثمينة وأهمها البترول، الذي يجعل العديد من الدول العربية لا تعلن أفلاسها وإنهيارها الاقتصادي، ولما سببه البترول من حراك إقتصادي شمل دولاً عربية عديدة كذلك.

وقيام الاقتصاديات والأبنية الاجتماعية العربية على إقتصاد نفطي يؤكد غياب العرب عن ثقافة العالم المعاصر العلمية، وتشكل هذا العالم على الوعي غير العلمي.

فليس الوعي بالمادة كرؤية فلسفية مسألة تجريدية، بل تتعلق بصميم التطور البشري، فحين يرفض أبوحامد الغزالي السببية في زمن الثقافة العباسية، ولا تدخل هذه كرؤية شاملة في مختلف تجليات الظاهرات الطبيعية والاجتماعية، وأن لا تزال هذه الرؤية سائدة في الثقافة العامة، فهذا يظهر الفرق بين ثقافة غربية أحتوت عالم المواد وصنعتها كذلك وبين ثقافة لا تزال تعيش على الحرف وإنتاج المواد الخام.

لقد غدت هذه الثقافة الغربية التقنية تدخل إلى نسيج المواد وتغير تركيبها الطبيعي، وقد أمكنها صناعة الخلية الحية والقيام بالاستنساخ.

التضحوي والاستغلالي

#المنبر_التقدمي ⇦ (اللاتقدمي)!

كتب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة

البشر نمطان إما إنسان يضحي وإما إنسان يستغل. تجد النمطين في الحزب الواحد وفي الطائفة وفي العائلة الواحدة وربما في مراحل وتقلبات الإنسان الواحد!
وفى التيارات السياسية المعاصرة فإن الكثيرين يرتفعون على أكتاف التضحية وعمل الآخرين لكي يحصلوا على مكانة اجتماعية مريحة، فيتحدثون عن شعارات عامة وجمل مطاطة، لكي يواصلوا استغلال ماضيهم، أو جماعتهم السياسية التي ارتقوا على سلالمها نحو الثروة والمناصب والشهرة!
وهم في هذه الحالة لا يتحدثون عن أوضاع الاستغلال الراهنة، وحينئذٍ فإن المضحي في عقولهم تكون شعلته قد انطفأت وظهر المستريح والمتمدد فوق الامتيازات ومكاسب النضال!
في كل جماعة سياسية، في كل عائلة، في كل دولة، في كل شركة، يكون هناك دائماً من يستغل مسار الجماعة، ويستطيع أن يجامل ويداهن ويكذب من أجل أن يرتفع، ولتذهب الجماعة والعائلة إلى الدمار والمهم أن تبقى مصالحه وأرباحه وارتفاعاته فوق الظهور والجهد!
وقد استطاع الاستغلاليون دائماً أن يرتفعوا فانتصر معاوية على علي بن أبي طالب وأنتصر يزيد على الحسين، وانتصر بنو العباس والإفلاس والغنى والجور والفجور على الشهداء والمعتزلة والصوفية، وانتصرت الإمبريالية على حركات التحرر الوطني وعلى أنظمة رأسمالية الدولة المسماة اشتراكية، وانتصر البيض على الحمر، وتغلب الرأسمال على قوى العمل، لأن الفقراء والمضحين والتقدميين والديمقراطيين دائماً مفككين، لا تستطيع شعاراتهم وكلماتهم النضالية أن توحد الجمهور وتفعل كل طاقاته وجماعاته!
وسيواصل الاستغلاليون انتصاراتهم في المدى القريب، لأن لهم في كل حزب وفريق ودولة ودكان أعوان، وفي كل إنسان لهم مكان، لأن لحظات الخور والضعف والانتهازية والنجومية، كثيرة في كل نفس، ولكن في كل مكان وفي كل عائلة وقبيلة وحزب وطائفة، ثمة أناس شرفاء مضحون مناضلون، حتى لو على قلامه ظفر من شيء!
وهذا النضال والتضحية قد يكون من خلال دين أو مذهب أو فكرة جديدة أو حتى في صدق فردي وإيمان ذاتي بالخير وبالقانون، فطرائق التضحية و«الحق» متعددة ومصالح الناس من الممكن أن تتحقق بطرق مختلفة، ولكن هؤلاء المضحين مشتتون متنباذون، لأنهم لا يدركون جوهر القضية، وعمق ترابطهم، ويركزون على الأشكال التي تتجلى لهم فيها الحقيقة، فقد تتجلى بشكل ديني أو تحديثي، أو فردى، وكلٌ يراها من خلال تقاليده ومستوى معرفته.
لكنهم في المحصلة لا يتحدون في حين أن قوى الاستغلال تنمو وتتطور بقدرتها على تفكيك قوى النضال والخير والتقدم، وتقوم بدق الأسافين بحيث تتمكن هي من السيطرة على المختلفين المتنابذين، وهكذا تمكن الأشرار والمستغلون عبر التاريخ من الاستفادة من تشتت قوى المعارضة والمقاومة، وكرسوا أنظمتهم وسيطرتهم.
هذا يتطلب قادة على مستوى تاريخي، يرتفعون عن السفاسف وعن الوقوع في المصائد التي تنصبها قوى الاستغلال، ويرون ما يفيد الناس ويطور من أوضاعهم، ويوحد صفوفهم، مهما كانت الكلمة التي يطلقها هذا الحزب أو ذاك، فالمهم هي الدعوة لا الداعي، وكلمة الحقيقة من أي لسان قيلت!