بؤرةُ الوهمِ قديماً وحديثاً

بؤرةُ الوهمِ قديماً

تمثل بؤرة الوهم الإيديولوجية ملتقى الآمال الشعبية والطليعية بتوقع التحولات الإيجابية في المجتمع. وفي حقبة ظهور الإسلام كانت الفترة واعدةً مفصلية للتقدم الوحدة والسعادة للناس أجمعين.
إن الدين حين يكون دولةً سياسية تبدو ممثلة للأمة، وهو أمرٌ تحقق في البداية التأسيسية، لكن عبر إجراءات سياسية كانتخاب الحاكم وجعل المُلكية العامة قائدة لكن هذه الإجراءات لم تُقبل كجوهر للدولة، وهو أمر سوف يكرسه الوعي الديني السائد.
إن صيغةَ الدولة الدينية تغلبت على صيغة الدولة المدنية غير الدينية، وضمت الدولة الدينية كل الموروث في ذات الحقبة ورغم أن الجوهر السياسي لها كان معروفاً وسائداً في وعي الأولين، إلا أن التطورات الاجتماعية والسياسية والثقافية طمست ذلك وصارت الدولة الدينية ذات أسس كثيرة خاصة مسائل الإيمان والكفر والأركان الخمسة وجوانب الفقه المختلفة.
لقد تمت تنحية طابع الدولة السياسي الأولي لصالح دولة دينية تُحسم المواقف فيها قضايا الإيمان. صار ذلك هو السياج الذي يؤطر الدولة والمنتمين لها.
إن دولة الديانة المعمّمة المجردة تغلبت على دولة المواطنة اللادينية. فأي دخول قولي في دولة الديانة للحصول على الجنسية فيها، ولهذا أصبحت قضية الإيمان والكفر حاسمة.
إن ذلك سوف يشكل بؤرةَ الوهم الرئيسية عبر قرون، فعبر الوعي السائد سوف يكون ذلك قياماً لجنة أرضية، فما دام الناس ذوي إيمان فالوعد بالتقدم والسعادة والخير للجميع سوف يتحقق كما بشر سائد الدينِ بذلك.
لكن ذلك لم يتحقق. لقد حدثت منجزاتٌ ضخمة؛ توحيد القبائل وقيام دولة كبيرة، وتبدلت وسائل العيش المحدودة للصحراء العربية، وازدهرت مدنٌ جديدة، وإنفتحت آفاقُ البلدان للقبائل المحصورة في الجزيرة العربية.
لقد صُطدم الوعي السائد لدى المثقفين الدينيين من هذا التناقض، فرغم دخول الناس في الدين جماعات وشعوباً إلا أن الكوارث قد تتالت، فقام حكمٌ عضوضٌ، وتفاقمت الصراعات على الحكم ونشبت حروبٌ ضارية وضُربت مكة والكعبة فيها، وتحولت الفتوحات إلى حروب غنائم أثرتْ السلطات وكبار التجار وملاك العبيد منها، وتدنت مكانة النساء والفقراء وشعوب البلدان المتفوحة إلى آخر هذه الظاهرات التي بدت مروعة.
لكن هذه الظاهرات لم تكن بلا أسباب وبلا مقدمات، فقد إضطربت مُلكية الدولة في عهد الخليفة الراشد الثالث، وتفجرت الصراعاتُ على السلطة فيما عُرف بالفتنة الكبرى، وقفز إليها من جنّد أكبر عددٍ من الجند الجزيلة رواتبهم، وتوارى من ضحى وصعد من نافق وأرتشى.
حدث تناقضٌ هائلٌ بين الآمال والواقع، فوقع الوعي الديني في إضطراب مماثل. وإذا كانت النصوصية وعرض البارز من الممارسة الفقهية هو دور الأئمة الأولين مع رفض ممارسة إستبداد الحكام، فقد كان هؤلاء نادرون وإختصاصيون ومن غير الممكن أن تكون ثقافتهم جماهيرية مؤثرة في نفي التناقض بين الحلم والواقع، ولهذا فقد ظهر نمطٌ من الوعي الديني سياسي ومعارض بشكل أكبر.
إن هذا الوعي السياسي واصل طابع الدولة الدينية، فرغم إنه نشأ في الأقاليم المضطهَّدة وبين العامة والمثقفين إلا أنه عبر عن الدولة الشمولية كذلك.
إنه لم يدرس طبيعة التناقض السياسي الاجتماعي بين الحكم الأولي والتالي، وبدأ يقرأ الوضع السياسي من خلال المقولات الدينية، مقولات الإيمان والكفر، لا مقولات المواطنة.
فالدولة راحت تميز الناسَ من خلال هاتين المقولتين، وغدت المعارضة تقوم بذلك أيضاً، وصارت الدولة والمعارضة تشتركان في رؤية واحدة، ولهذا غدت الفرق دينيةً ذات تفاسير مختلفة.
وإذا تجمعت بؤر التيارات في مسألة (مرتكب الكبيرة أهو مؤمن أم كافر؟) فإن ذلك يعني بدايات نسف الدولة الواحدة. فمرتكب الكبيرة لدى لدى فرق الخوارج وبعض الإماميين هو كافر، وهذا الحكم أستمر حتى ظهور فرقة المعتزلة التي قالت هو(في منزلة بين منزلتين)، وإذا كانت المسألة تعني الحكام وكبار المنتفعين بالثروة العامة ومبددينها، فإن ذلك يعني أما العمل داخل المجتمع لتطوير ظروفه، واما تشكيل نظام آخر يهدم النظام الحالي.
لقد ألتقت الفِرقُ في بؤرة وهم إيديولوجية واحدة مثل مظلة النظام الفكرية السياسية، فعبر مسألة ضميرية يتم ليس نفي حرية المواطن بل زعزعة كيان المجتمع. فإذا توجهت الفرق المتشددة لتشكيل دول أخرى، فإن المعتزلة وقعت في شباك الوعي الديني الاستبدادي، عبر إنتاج ثقافة فرقة دينية جديدة، وفيما المكفرون يهدمون الدولة من الخارج فالمعتزلة تهدمها من الداخل، بدلاً من إنتاج ثقافة المواطنة النقدية.

بؤرةُ الوهمِ حديثاً

إذا كان لكل عصرٍ عربي بؤرة وهمه، وقد تجلت بؤرةُ الوهمِ هذه في العصر الوسيط عبر محاولاتِ إنتاجِ مجتمعٍ مثالي ديني تحكمه خلافةٌ دينيةٌ فردية خيرة، لكن كانت الإمبراطورية العربية الدينية في الواقع الحقيقي تتفتت إلى قطعٍ سياسية محترقة متعادية، فالخلافة الخيرة وهم بعد إنهيار أسسها بظهور أسروية إستغلالية وشمولية سياسية، وكانت مساندة بعض المثقفين لها وهمٌ آخر، فلم يعمل هؤلاء على دولة مدنية غير دينية، الخلافة فيها منتخبة، والمُلكية العامة (فيء المسلمين) تُدار بشكل ديمقراطي، والمواطنة تحكم القانون.
تظهر بؤرة الوهم الرئيسية من فرض موديل مستورد أيديولوجي يتسرب من أفواه المتعلمين لقلوب العاملين، فموديل العصر الوسيط القادم من العصر المؤسس السابق، صار شكلانياً بلا مضنونه الحقيقي بعد أن أختفت أسسه وقواعده المادية والسياسية.
في العصر الحديث بدأت بؤرةُ الوهم من إستيراد النموذج الغربي وتركيبه على دول دينية إستبدادية إقطاعية. فبدلاً من الرجوع للوراء وفهم البنية المتكونة في الزمن الوسيط حدثت قفزة للإمام وجاءت لحظتا الموديل الغربي: لحظة الليبرالية ومحاولة صنع نظام ديمقراطي على الأسس الغربية، لكن لم تلتصق العربة العربية الخربة بالنموذج الذي يحتاج لتغيير أسس الدولة الدينية المحافظة المنفصلة عن الأغلبية الشعبية. النموذج الغربي يحتاج كذلك لجمهورٍ غيرِ دكتاتوري، وهو غيرُ موجود. إذن حل التوجه للنموذج الغربي الذي رحل إلى الشرق بدون ديمقراطيته وبشعاراته (الثورية) التحولية، أي النموذج (الاشتراكي).
أزاحت الاشتراكيةُ الليبراليةَ ولكن لم تختلف بؤرة الوهم هنا، فقد وُضعت الشعارات فوق نفس المبنى القديم، وتقوم التحولات الجديدة (الوطنية، الاشتراكية، القومية) بضرب العناصر الديمقراطية الجنينية في البُنى العربية حيث غدت مجموعةً من الأنظمة المختلفة التطور، وتتحول الدولُ والمجموعاتُ السياسية إلى قوى شمولية مسيطرة على نفس ما يَقبضُ عليه الخلفاء الأمويون والعباسيون والعثمانيون، دول دينية يُسيطرُ فيها على المال العام والنساء والرقيق إذا كان لا زال موجوداً.
عناصر الثقافة الغربية إنتشرت ولكن قُمعت وتمتْ أدلجتُها حسب الأنظمة والقوى السياسية الذكورية المحافظة، وحتى الباحثين دخلوا تحت المظلة السياسية الشمولية، فباحثٌ كبيرٌ مثل (هادي العلوي) قدم إسهامات كبيرة في تحليل الإسلام والتراث يعتبرُ النظامُ الماوي الصيني تجربة إشتراكية للقفز من الإقطاع إلى الرأسمالية، في حين أنه نظام رأسمالية دولة عسكرية تنتشر فيه رأسماليةٌ فاسدة حكومية، ولهذا فإن أدوات الباحثين تنفصمُ مثل عقولهم، كما كان الباحث مهدي عامل التقدمي يستورد أدوات بحث منهجية أوربية متطورة هي البنيوية الماركسية، حيث تُحلل المجتمعات حسب بُناها وصراع طبقاتِها في مراحلها التاريخية، لكن بؤرة الوهم الاشتراكية المصنوعة روسياً تعرقلُ نمو الأدوات المنهجية البنيوية، فالعناصرُ الشموليةُ الشرقية المسيطرة تزيح أدوات التحليل الموضوعية ويمكن للقوى الدينية أن تحقق الحريةَ والاشتراكية بفعل النمو الحتمي للتطور في الشرق وقطع التبعية وكون صراع الطبقات فيه لا يُحل إلا بالاشتراكية. بدلاً من هذا الخيال الاستبدادي المتراجع للوراء كانت الأولوية هي في نقد هذا النموذج الديني السياسي الشمولي والحفر في تأسيس الدولة المدنية غير الدينية والمهمات التي توقفت بدءً من الزمن الأموي.
لهذا فإن بُنى التخلف المحافظة العائدة للعصور الوسطى التي لا تُغير تعودُ لتأكيد نفسها بعد كل مرحلة تقفز عن المهمات الحقيقية. فتظهر الدولُ الدينية الطائفية من تحت الأنقاض التحديثية مطالبة بالعودة أكثر للوراء، لكن الأصوات المعارضة التحديثية صارت أكثر الآن وبدأت جملة من الأوهام تتبدد، وغدت الدولة المدنية غير الدينية وعودة الفيء لأصحابه عبر مُلكيات عامة مراقبة، وبداية الرؤى الموضوعية بأن لكل بلد خصائصه وظروفه السياسية والاجتماعية ويحتاج لقراءة تحدد كيفية الخروج من الدولة الدينية وملحقاتها من أحزاب دينية وصراعاتها، وكيف يكون التطور الاقتصادي الاجتماعي الخاص بهذا البلد أو المنطقة، وأن النموذج المستورد من الضروري أن ينكسر لنماذج نابعة من ظروف البلد المعني وأتفقاعت قواه التحديثية الديمقراطية، هي نفسها ظروف العرب والمسلمين التي لم تُغير في شروطها وظروفها السابقة، أي بناء الدولة المدنية وإدارة الثروة العامة بشكل ديمقراطي، وحماية التراث الديني من الاستغلال السياسي، وهي جملة من الشروط المتضافرة مع بعضها البعض التي تنبع من خصائص التطور العربي الإسلامي الإنساني، ولكنها تحتاج لقوى سياسية متشربة بتراثها وزمنها الحديث وتوجه بؤرتها نحو حل مشكلات الناس.
لقد تغلغل الخرابُ في الشعوب والتيارات السياسية والدول فغدت طائفية، وتحللت من بناها الوطنية وأتجهت للحروب، والقوى التي كانت أساس الوعي الطليعي غدت خربةً منقسمة متشرذمةً وهي المعضلة التي لا تجد حلا سوى في تعرية ثقافة الشمولية الدينية ونتائجها عبر التاريخ وإنتاج النظم والقوى المدنية الوطنية.


عبدالله خليفة – بؤرةُ الوهمِ قديماً (ahewar.org)

عبدالله خليفة – بؤرةُ الوهمِ حديثاً (ahewar.org)

أضف تعليق