
(الرواية – في تصوري – هي جنسٌ قصصي طويل يعبرُ عن نظرة شخص عصري والتي يجسدها بأدوات القص المختلفة).
هذا التعريفُ مفتوحٌ على تاريخِ القصة أولاً، لأنه يحددُ الرواية كجنسٍ أدبي، وليس كنوع، أي إن هذا الجنس الروائي مرتبطٌ بتاريخ النوع القصصي العام، فهو يتربطُ معه في سماتٍ معينة كخلقِ السرد، ووجود الشخصيات التي يدورُ السرد عنها، ووجود الثيمات القصصية، والأزمنة والأمكنة.
وهكذا فإن الأجناسَ القصصية عديدةٌ كالقصة القصيرة والحكاية والملحمة والسيرة الشعبية، فالأجناسُ لها تاريخ اجتماعي وتاريخ فني، ويزدهر جنسٌ أو يضمرُ حسب شروط.
وهذا التعريف مفتوح أيضاً على مختلف تطورات ورؤى الرواية، لكنه لا يتناقض مع التعريف الشهير الذي اتفق عليه فيلسوف الفئات المتوسطة الصاعدة وهو هيجل وفيلسوف العمال وهو جورج لوكاش بأن الرواية (ملحمة بورجوازية).
واتفاق هذين المفكرين الكبيرين هو بسبب لحظة تاريخية صاعدة وواعدة، كانت فيها الطبقة الوسطى في ألمانيا كياناً مُضمراً تحلمُ بإقامة دولة حرة، في حين كانت الطبقة العاملة في شرق أوروبا بالنسبة إلى لوكاش قد تسلمت زمام السلطة في بلد كبير هو روسيا، كما كان وعي لوكاش يظن، فغدت الرواية ملحمة بالنسبة إليهما من موقعين مختلفين، ويتفقُ الموقعان على جعل هذا الجنس القصصي متماثلاً في جوانب معينة مع جنس قصصي غابر هو الملحمة، رغم الفواصل الزمنية وطبيعة البنية المختلفة لكل من الملحمة المُصاغةِ شعرِاً، وفي أجواء الأسطورة، وعبر البطولةِ القبلية، عن الروايةِ التي تصاغُ نثراً، وتتوهجُ في قناديل الفكر العلمي، وببطولة الشخصيات العادية غالباً.
لكن ثمة جوانب مشتركة بينهما هي اتساع المادة القصصية المجسَّدة، وتعبيرها عن صراع اجتماعي كبير، وانتشار قيم البطولة فيها وهيمنة الجماعة.
إن هذا التعريفَ الهيجلي اللوكاشي المشتركَ يتطرقُ إليه كلُ من خاض مسألة عرض الرواية وتعريفها، حيث يستشهد (الدكتور عبدالملك مرتاض) مثلاً في كتابه (في نظرية الرواية)، (في نظرية الرواية: بحث في تقنيات السرد، د. عبدالملك مرتاض، عالم المعرفة، عدد ٢٤٠، الكويت، راجع ص ٢٨٠ من هذا الكتاب)، يقول هيجل بأن (الرواية ملحمة برجوازية) ثم يقول إن الناقد المجري لوكاش (يجاريه) في هذا التعريف، لكن عبدالملك مرتاض ينفي كل ذلك قائلاً (مع ذلك لا أرى وجهاً لهذه المقارنة ما دامت الرواية نشأتْ بعد أفولِ عهدِ الملاحم بقرون بعيدة).
ويدخل الدكتور أحمد الحسن في تفصيلات حول هذا الرأي في بحثه (مدخل إلى تاريخ الرواية) بمجلة العلوم الإنسانية فيقول إن الرواية تمثل طوراً تاريخياً من أطوار النظرية العامة للفن الملحمي، في حين يقول لوكاش إن الرواية هي النوع الأدبي الأكثر نموذجية للمجتمع البرجوازي؛ (أحمد الحسن، مدخل إلى تاريخ نظرية الرواية، مجلة العلوم الإنسانية، العدد 12، صيف٢٠٠٦).
إن التعريفَ الهيجلي اللوكاشي يفترضُ أن كلَ روائي قادر على تطوير عمله القصصي باتجاه الملحمة، حيث تقوم الرواية في اعتقادهما بتوظيف المبنى الملحمي القديم الصراعي الشامل، في البناء القصصي الحديث، وكملحمةٍ فإنها تفترضُ معسكرين متصارعين كبيرين، وفي حين كان هيجل يحدسُ بأن المعسكر الأول في الجمهور البرجوازي الصاعد مع العمال لإزالةِ عالم الإقطاع حيث الأخير هو المعسكر الثاني، فإن لوكاش ينظر إلى أن العمالَ هم المعسكر الأول في حين أن البرجوازية في المعسكر الثاني المضاد.
ولكن هذا التعريف المشترك هو نتاجُ مثقفين جاءا من الفئات الوسطى الصغيرة، فهما لا ينتميان إلى الطبقة التي يدعوانها لإزالة عالم قديم، كلُ من موقعهِ، في هذا المخاض الزمني القصير الذي لا يتعدى قرنًا فهيجل عاش بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، في حين عاش لوكاش بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين، المنصرمين من لحظتنا الراهنة، وبهذا فإن المدة الزمنية المحدودة تاريخياً لا تستطيع أن تشكلَ أسلوبين كبيرين للإنتاج الاجتماعى، إلا إذا كان أحدهما مخطئاً أو كلاهما، كما ستغربلُ التجربة التاريخية الحقيقية، هذه المقولة. ان الرواية باعتبارها ملحمة تحتاج إلى مثل هذا الصراع التاريخي الكبير، ولكن هذا الصراع التاريخي الملحمي صعبٌ ومتقطع، وهو أمرٌ سيتركُ بصماتهِ على تنوع الرواية، فلن تكون ملحمةٍ إلا باعتبارها ذروة التطور الروائي، ودون القمة وفي السفح العريض هناك أنواعٌ من القص والرواية غير الملحمية الكثيرة، التي تقتربُ فتتوهجُ والتي تبتعدُ فتتضاءلُ وتشحبُ نارُها. لم نجد الرواية العصرية تتوجه إلى أن تكون ملحمة إلا عند بعض الروائيين فغدت الرواية لها أبنية كثيرة مفتوحة، مختلفة، ضعيفة أو قوية حسب الانشداد نحو الصراعات الكبرى والتعبير عنها بتألق، لكن لم يستطعْ ذلك التعريف القائل إن الرواية ملحمة برجوازية أن يستوعب كل هذه التجارب المتنوعة في ذاته. إن المعنى بكون الرواية ملحمة برجوازية أنها وليدة العصر الحديث الأوروبي، أي هي القصة المطولة المحدثة في الزمن الأوروبي الجديد المنسلخ من العصور الوسطى، وقد قام هذا المجتمع بمركزة سلطته، وجعل نوعه الاجتماعي مركزياً وكلياً، بعكس المجتمع التقليدي، وهذا ما جعل النوع القصصي الطويل يتوجه للكلية ولتبلور أجزائه، وتوحيد كيانه الذي كان فضفاضاً في الملحمة القديمة وفي السيرة الشعبية، لكن هذه الكلية التي خلقته جنساً جديداً، ليست سوى الشكل العام للرواية، وهذا الشكل العام الذي وحد الموتيفات في كيانٍ واحد، ولم يعد يقبل بنية المتجاورات القصصية كما في بخلاء الجاحظ بل البنية الموحدة المتراصة الحافرة في كشف الحياة.
إذاً التعريف بأنها جنسٌ قصصي طويل متنوع يعبر عن نظرة شخص عصري، يمتلك أهمية هنا لكون المؤلف هو المحددُ للبناء الروائي، ولهذا تتباينُ الأبنية بسببِ تباين النظرات، وغالباً ما يكون الشخصُ العصري هذا هو من الفئات الوسطى الصغيرة، فهو لا ينتمي غالباً إلى البرجوازية التى يصرُ تعريف هيجل، على إدغامه فيها، ولا إلى العمال كما يصر لوكاش، وغالباً ما يكون المنتجون للأفكار والفنون هم من هذه الفئات الوسطى الصغيرة، مثل هيجل الذي كان استاذاً جامعياً لكنه يطمح إلى أن طبقة أصحاب المصانع سوف تزيل القرون الوسطى كما يَحلُم، لكن ذلك لم يحدث إلا عبر مدافع بسمارك الإقطاعي الدموي؛ أو مثل لوكاش الكاتب، الذي أقصى ما وصل إليه أنه صار وزيراً في حكومة دكها جيشُ (الطبقة العاملة) السوفيتية، أو جيش البيروقراطية الروسية بالأحرى، في المجر سنة ١٩٥٦.
وهكذا فإن الأفرادَ المثقفين الطالعين من الفئات الوسطى أو من البرجوازية الصغيرة هم الذين ينظرون ويكتبون الرواية.
وهم الذين أتاح لهم عنصرُ الثقافة وعنصرُ الموقع الاجتماعي المتدني، فرصة تملك أدوات المعرفة فتوجهوا للصراع ضد المحيط المقزم لهم، أو الذي لا يعترف بدورهم الخلاق.
إن أغلبية منتجي الفلسفة والشعر والقص في العصور القديمة والحديثة هم من هذه الفئات الوسطى، وحين يعبر اثنان منها هيجل – لوكاش عن الرواية باعتبارها ملحمة، فهذا يأتي من موقع التحاقهما بطبقة كبرى جديدة، لها مشروعها الحضاري الكوني، وتغدو الرواية الملحمة هي لحظة البطولة في هذا المشروع، لكن تأتي لحظات أخرى مغايرة طويلة، فلا تغدو الرواية ملحمة بل مشروعات قصصية متنوعة بل تعبر أحياناً عن الانهيار واليأس والتقزم كما فعل كافكا.
هكذا راحت الرواية تأخذ تنويعات قصصية متعددة في عالم الغرب الهيجلي، متخلية عن طابع الملحمة، فتشارلس ديكنز الأقرب للعمال راح يروي لا عن ملحمية الثورة بل عن نتائج التعاون واللقاء بين الطبقتين الكبيريين المتصارعتين، ووجد هذا الموقع في الطفولة المتشردة فرأى أزدهار الطفولة في عطف الطبقة الغنية عليها، وبؤسها في استغلالها لها وتعاملها السيء معها.
فغدت رواياته ساخرة، مكثفة، تتركز في بطل فردي وتنشد الإصلاح الجزئي، وتوارت الجماهير وأناشيد الثورات.
لكن هناك عوالم روائية اخاذة في أعمال بلزاك وأميل زولا وفلوبير وغيرهم ، وقد توجه بلزاك مثلاً إلى ما أسماه (الكوميديا الإنسانية) وفي هذا الرفض الضمني لتعبير ملحمة توجهَ إلى نقد النماذج الاجتماعية الشائعة، وتعريتها، ورغم الضخامة في الكوميديا هذه، لكنها تفترضُ تعرية جزئية، وتتركز في شخوص فردية، وعوالم خاصة منغلقة.
وفي عالم الشرق اللوكاشي، حيث قيل ان الطبقة العاملة انتصرت، الذي استند إلى ملحمة تولستوي كان الإرث البطولي مشجعاً، وكانت ملحمة الحرب والسلام، روايةٍ ضخمة لم تنشأ في العهد الجديد، ولم تكن تتعاطف مع النظام القديم كذلك، وقد شكلها تولستوي حين كان الصراع الوطني محتدماً ضد الغزو الفرنسي، لكن تولستوي حين التفت إلى مجتمعه الداخلي تحليلاً ونقداً تركَ طابعَ الملحمة، وتوجه للرواية العائلية في (آنا كارنينا) و(البعث)، وهما روايتان تعالجان الإصلاح الأخلاقي في الأسرة أو في المجتمع، ففي الرواية الأخيرة (البعث) يقوم الإقطاعي بثورة فردية يتخلى فيها عن أملاكه، وهو أمر قاد إلى الرواية الأخلاقية العائلية ذات التحليل النفسي الفكري في دائرة صراعية ضيقة وتقلصت الملحمة.
ووجدت إمكانيات أخرى للملحمة في أعمال مكسيم جوركي وشولوخوف، لكن الأول أخذ يتراجع عن منحى رواية (الأم) فتغدو أعماله في عهد الثورة متقطعة، ومركزة على شخصيات فردية، وتلاشت الدراما القوية من مسرحياته التي كتبها بعد الثورة، وأدت رحلاته المستمرة عن بلده إلى انقطاعه عن حرارة التجربة. وإذا كان شولوخوف قد شكل ملحمة عن الصراع في عهد الثورة بين البيض والحمر ، فما لبث أن صمتَ. وهكذا نحن لم نر نمواً للرواية الملحمة كما افترض لوكاش، لأسبابِ تتعلقُ بأن الفئات الوسطى التي استلمت هيكلَ الدولة الهائل أخذت بخنقُ الطبقة العاملة التي كانت تعبرُ عنها فيما مضى، وشحبت الروايةُ بسبب هذا الجليد، وحين خف الجليد تنفست الرواية بعض الشيء عند (جنكيز أيتماتوف) الذي حول الرواية إلى قصيدة شعرية نقدية، لكنها مركزة على البطل الفرد، والظواهر الاستثنائية كما في (وداعاً يا غولساري) الذي كان البطل فيها حصاناً لم تنصفهُ الاشتراكية.
وهكذا فإن الروايةَ – الملحمة تغدو قمة صعبة الارتقاء بسببِ أنها كشفٌ عميق لصراعات المجتمع وبشكل ساخن، وهي أمورٌ غير مقبولة من أنظمة القمع السياسي الشرقي، ولا أمل بانتشارها وبيعها في مجتمعات القمع التجاري الغربي.
وفي العالم العربي جاءت الرواية لعالم مغاير، عالم تقليدي، ليس هو عالم الطبقتين المتصارعتين الكبريين كما في الغرب والشرق، فهي تستعيدُ حلم هيجل في أقصى درجة له، وحتى هذا يغدو صعباً لأن الفئات الوسطى تصارعُ قوى تقليدية عريقة، في حين إن الرواية هنا تصارع ميراثاً قصصياً كبيراً هو ميراث ما قبل الرواية، وهكذا خاضت الرواية صراعاً ضد المقامة في مصر، وعاشت صراعاً داخلها بين قص ما قبل الرواية وبنية الرواية، كما لدى نجيب محفوظ في روايته (زقاق المدق) فقد كانت لديه ثيمة صراعية متبلورة حول شخصيتي حميدة وعباس، أي حول هاتين الشخصيتين المختلفتين المتصارعتين، وهذا الصراع شكل معماراً روائياً محورياً، لكن هذا المعمار اصطدم بمعمار آخر هو معمار تسجيل ما يدور في شتى أنحاء زقاق المدق، وهذه التسجيلية جعلت الروائي يدخلُ قصصاً قصيرة شتى مقطوعة الصلة بالمعمار الرئيسي الذي كونَ هيكلَ الرواية، فهذه القصصُ القصيرة حول الخاطبة وحول زيطة صانع العاهات، والمعلم كرشة الخ، هذه كلها تفاصيل جانبية لم تُقد إلى الحفر في الهيكل الأساسي وهو الزقاق المتصارع مع الخارج المستغل، وهو كما عبر الروائي مع الاستعمار. ثم راح محفوظ ينتقل للرواية الملحمة في الثلاثية التي ظلت صراع الوطن الملتحم ضد الخارج، وهو أكبر نفس ملحمي لديه، ثم حين صار الوطن نظاماًعسكرياً، مضت روايته في نوع روائي مختلف، هو ما يمكن أن نسميه القصيدة الروائية كما في (الشحاذ) حيث الحفر الداخلي |لمتوهج ذات مركزية تنفصل عن الواقع وتبتعد عن تشريح صرعاته الكبيرة.
ولنقل هنا إن الرواية الحديثة في العالم العربي تصارع ماضيها السردي الفضفاض القديم, وهو الماضي القصصي المتوجه لعرض الأحداث المشوقة والمغامرات من دون حفر عميق في الأحداث وفي الزمان والمكان, وهذا ما تندرج تحته معظم القصص البوليسية ورواية المغامرات, وهذا يحدث لدينا في الكثير من النماذج القصصية في الخليج والجزيرة العربية التي تضع لافتة الرواية على أغلفتها, كما تفعل الكاتبة الكويتية (خولة القزويني) في روايتها (هيفاء تعترف لكم) حيث النسيج يتشكل بإرادة المؤلفة المطلقة وحيث لا خصوصية للشخصيات والأحداث.
وهذا النوع من قصص المغامرات يتوحد بالإنشائيات وبالتسجيل لمظاهر الحياة الاجتماعية الغابرة كما تفعل (فوزية الشويش) في روايتها (النواخذة) حيث تحشد احتفالات الغوص على اللؤلؤ وغيرها في لوحات لا صلة لها بالمعمار الروائي.
وكما يفعل الإماراتي راشد عبدالله في روايته (شاهندة) التي هي عبارة عن مجموعة من المغامرات في البر والبحر عن فتاة فقيرة تصل للغنى.
نستطيع القول إن قص ما قبل الرواية هذا يستعين بأدوات القصة من دون أن يشكل رواية بسبب ان الثيمات التي يوظفها لا تلتحم ببعضها بعضا, ولا تغوص إلى جذور الحياة, ويغدو العمل القصصي مفككاً.
إن الجنس الروائي يصطدم بالماضي القصصي هنا وخاصة في الأقطار ذات المستوى المتدني من التطور الاجتماعي, ويتوجه القراءُ الشبابُ لقصصِ التسلية هذه ويكتبون على نمطها, ونجد ذلك بتوسع كما يحدث الآن في السعودية.
قرأت عملاً قصصياً أخيرإً بعنوان (مفارق العتمة) لمحمد عبدالله المزيني (مفارق العتمة، محمد عبدالله المزيني, المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2004 ).
حيث يسجل الراوي حياته الشخصية بشكل تسجيلي يومي, وعبر نثر غير يخلو من الصراع, وفي الثلث الأخير من الرواية يهتم بمحور جيد وهو عرض نماذج من مجموعة دينية متشددة, لكنه لم يستطع تنمية هذا الخيط الصراعي منذ البداية متغلغلاً بعمق فيها.
لكن لدينا في منطقة الخليج والجزيرة نماذج واعدة مهمة, كتجربة أحمد ابودهمان (الحزام) وتجربة (عبده خال) في (الموت يمر من هنا ), وكذلك تجارب غيرهم مثل يوسف المحيميد وعواض العصيمي من السعودية, وجوخة الحارثي من عمان, وفريد رمضان وجمال الخياط من البحرين, وقد تمكنت هذه التجارب من الدخول إلى مبنى الرواية بسبب تجذرها في حياة مناطقها بشكل تحليل اجتماعي, وهي تشكل بدايات الرواية الواقعية النقدية, ذات المبنى المتوحد والكاشف لمقاطع جزئية من الواقع. نستطيع أن نقول إن رواية الحزام هي ملحمة معكوسة, فالقبيلة الشخصية البطلة في هذا العمل لا تتصارع إلا مع الطبيعة, ولهذا تضفي الرواية ملامح الوحدة المطلقة على القبيلة, حيث إن كل شخصياتها الفقيرة من نور وحيث لا صراع بين تكويناتها, فيضفي الساردُ وحدة شعرية رومانسية عليها فتتوجه البنية نحو القصة أكثر من نزوعها للملحمة.
إن الحفر في الرواية ذاتها يتطلب انشدادها للملحمة, أو البقاء قريباً منها, لكن المشكلة المتوترة هي في الانهيار وتحلل السمات الروائية إذا لم يحدث الحفر في الصراعات الاجتماعية , إسماعيل فهد إسماعيل روائي كبير, وظلت حفرياته في التجربة العراقية هي أساس منجزه الإبداعي, القائم على التصادم بين الشخوص من القوى المتصارعة, كما في روايته (المستنقعات الضوئية), لكن الوصول للرواية الملحمة كما هو طموحه عانى من توجه مادة الرواية لديه نحو البلدان العربية, ثم تقلقلت كثيراً في تجربة الغزو التي أنتجت رواية من سبعة أجزاء باسم (إحداثيات زمن العزلة), وهذه السباعية هي من حيث الضخامة تشبه الملحمة, لكنها أقل من رواية, بسبب اعتمادها على التسجيل الواسع, وتحول الروائي المؤلف إلى محور بطولى كلي, وغياب التحليل الموضوعي للأحداث. الروائي هنا لم يراكم ميراثاً نقدياً روائياً في نقد المجتمع الكويتي فجاءت السباعية من دون جذور, في حين أن إنجازات الروائي تمثلت في العديد من رواياته القصيرة الأخيرة الجميلة. لكن ما يوتر وينفي الطابع الروائي الملحمي كذلك تجارب أخرى تنسفُ البناءَ الروائي المتبلور من جانبين نقيضين, فهناك قص ما قبل الرواية وهو قص مطول يعتمد على المغامرات والإثارة والجريمة كما أشرنا, وهو النوع الذي توسع وصار المنتشر جماهيرياً وهو يبالغ في الوضوح والسهولة ويمتاز بالضحالة, وهناك كذلك الجانب الأقصى وهو (الرواية المضادة), لأن أي تكوين يستدعي ما قبل البنية ويستدعي تحطيم هذه البنية كما يجري الأمر في الطبيعة بين المادة والمادة المضادة.
فالرواية المضادة تريد الإطاحة بالعناصر التكوينية البنيوية للرواية من سرد وشخوص ووحدة الأمكنة عبر استخدام أساليب التفكيك والتشظي, اتجاهاً نحو بنية مُفترضة أرقى, بإعطاءِ عناصر الشكلِ أهمية مطلقة, مما يؤدي إلى العكس من ذلك أي إلى انهيار الشكل الروائي ذاته. ولهذا تغدو هذه التجارب استثنائية, نادرة. (…)
