المذهبيون وخيار الحكمة

 إن خيارات التطرف كثيرة أكثر من خيارات الإعتدال وبُعد النظر، لأنها تستند على سؤ المعيشة المنتشر بين العامة، وعلى مغامرات السياسيين الفرديين المتضخمين، لكن رجال الدين المعتدلين والسياسيين المحنكين يقدرون على خيارات أفضل مهما كانت الأمواج عاتية والبحار الاجتماعية مضطربة.

في العراق انضم الشيعة العرب لخيار الاعتدال ولعدم تحكم المركز الإيراني في مصيرهم، ولوضع حد لتحكم المركز الأمريكي في مستقبلهم، وهي خطوة تاريخية كبيرة، وإن لم تكن واضحة كلياً لكنها تؤكد حضور المرجعيات المذهبية والسياسية الحكيمة والبعيدة النظر هناك.

ولكن المرجعيات المذهبية المنفتحة والتقدمية والقومية تحتاج إلى نظرات أبعد في فهم ركائز الدول وهي الدين والحداثة والقومية.

فليست لديهم الفكرة العلمانية الوطنية الإسلامية. وهذا النقص تعبيرٌ عن عدم فهم مستويات العراق التاريخية؛ كونه وطناً واحداً، ذا مرجعيات دينية ومذهبية وقومية مختلفة، ويسودهُ الإسلام غيرُ المهيمن سياسة حاكمة. بل هو الإسلام الحضاري الديمقراطي الذي يتشكل من ديمقراطية الحياة ومن التعاون بين المذاهب والمرجعيات الحديثة.

ليست الإتفاقية الأمنية سوى شكل لهذه الصراعات، وإذا كانت القوى الوطنية التقدمية والقومية والدينية لها تحفظات على هذه الأتفاقية لكنها كانت الخيار الأفضل لكي يستقر المجتمع العراقي ويتوحد وتنمو مؤسساته السياسية الحديثة إلى حين زوال الاحتلال، ودون جيش مسيطر يحرقُ العراقُ نفسَهُ وجيرانه.

ومع حكم أوباما فإن العراقيين يجب أن ينظروا في مستقبل هذه الاتفاقية بتمعن كبير من هذه الحدة العاطفية الموجودة الآن.

وهذا يعود كذلك لحكمة المرجعية الشيعية والمرجعيات السياسية فيه، وهي بُعد نظر السيد السيستاني، فهنا نجد هذا الرجل الكبير لا يحرض على العنف ولا على الأقتتال والصراعات بين الأخوة المسلمين، بل على توحدهم، فهذا التوحد الوطني الذي يصر عليه هو المخرج لو كان السياسيون والمتطرفون الدينيون يعقلون.

وهو هنا يعود لدور رجال الدين الكبار في تاريخ الإسلام الذين رفضوا الانخراط في النزاعات الطائفية، ورفضوا هذا التوظيف الضيق في السياسة، وقد عُرضتْ الخلافة على الإمام جعفر بن محمد(الصادق) مؤسس الجعفرية، فرفضها، وتوجه لعلوم الفقه والكيمياء!

وقد بقيت هذه العلوم وذاب المتقاتلون على كراسي الحكم!

وكنا ننتظر من أهل السنة وهم أهل الاعتدال والعقلانية مقاربة لهذه النظرات بدلاً من تأجيج الصراعات وتفجير الحياة بالعنف.

لكن الاعتدال وبُعد الوحدة الوطنية العراقية ينمو بينهم، وهم يرفضون التوجيهات الإيرانية والسورية الحكوميتين الداعية لهم لتفجير العراق.

تتشكل التفجيرات الدموية الرهيبة الفاشية في أجساد المارة وأهل الأسواق الذين لا يحملون بندقية ويتاجرون في الطماطم والخبز، وترتعد القاعدة وأجهزة الاستخبارات المناطقية الجبانة عن مواجهة الجيش الأمريكي فتقوم بهذه الأعمال لسحق الوحدة الوطنية العراقية المتنامية.

لكن ليس ثمة قلوب في هذه المدرعات البشرية، ولا بد من هزيمتها السياسية والفكرية بين السنة والشيعة وهم أغلبية العراقيين.

وهؤلاء ليسوا متعطشين لسفك الدماء بل للمحاكمات والإجراءات القضائية النزيهة، وللعنف المدافع عن سلامة الوطن ووحدته كذلك، فلا أحد يريد عنفية أخرى مماثلة، عنفية أناس تدنوا عن مستوى البشرية، ولكن من رفع قوى المقاومة العراقية الوطنية للتصدي للمتدخلين والفاشيين!

ليس للمذهبيين سوى خيار الأنتماء الوطني في كل بلد والعودة لمرجعياته السياسية.

ومن هنا على رجال الشرطة والقضاء لدينا عدم الرد المماثل لجماعات الأرهاب والعنف والدم، فنحن نكسب المعركة ضد الأرهابيين والمتطرفين الدينيين بالحكمة والقانون وهي حبالها طويلة لكنها مثمرة، وإذا تمت ممارسة نفس أساليب الأرهابيين تكون القضية قد ضاعت!

ويدرك الكثيرُ من الشيعة بأن الخيارَ الإيراني المتشدد وتفجير المنطقة ليس في صالحهم، وكذلك فإن ظهور مركز عالمي قيادي للشيعة في العراق، يتوجه للاعتدال والعقلانية السياسية والديمقراطية والعروبة، هو عودة للجذور النضالية في هذا المذهب الإسلامي الكبير.

إن علامة التطور في أي مذهب إسلامي هو التوحد مع أخوته في العقيدة مع إحترام الاختلافات السياسية والاجتماعية التي تتشكل من خلال نظرات سياسية غير مؤدلجة طائفياً.

الوحدة بين المذاهب الإسلامية للنضال الوطني الديمقراطي المشترك هو خطوة باتجاه الحداثة والعلمانية والجذور الإسلامية الموحَّدة.

هو خطوة يتجسدُ فيها إن كل وطن عربي يعتمد على قواه الداخلية، ويرفض أي فورمة خارجية جاهزة لتوظيف المذاهب لصالحها إنطلاقاً من مركز يهمه الصراع ضد هذا البلد أو ذاك، لكن ما هي مصلحة البلد الذي يُجرب ويُحرق في ذلك؟!

ولماذا يخربون تجربة بلدهم؟

وقد ضحينا كفاية في معركتي السويس و النكسة وغيرهما فهل يجب أن نكون كبش الفداء دائماً؟

أبحثوا لكم عن شعوب أخرى تضحون بها!

ولماذا لا يحولون بلدانهم إلى محرقة للأمبريالية كما يقولون ويورطون شعوباً صغيرة مثل الشعب اللبناني والعراقي والفلسطيني والبحريني في ذلك؟؟!

إيران بلد شاسع وسوريا كبيرة فلتجري المعارك داخلهما لهزيمة وسحق أمريكا!

وكان الشعب العراقي كبيراً في وحدته وعدده ومركزية بلاده حتى فتتها الحكمُ الشمولي السابق فصارت المختبر الأكبر لحرق ذاته وليس للصراع المزعوم ضد الأمبريالية!

وكان الشعبُ الفلسطيني كبيراً موحَّداً حتى أخترقته حماس – إيران – سوريا!

عندهم شعوبٌ كبيرة يعجزون عن توريطها، فيندفعون للشعوب الصغيرة يجرون عليها تجاربهم الكيميائية السامة!

تشكيل وحدات وطنية غير مخترقة من الدول صاحبة شبكات العملاء و(المناضلين) أمر عسير.

بل هو أمرٌ بالغ الصعوبة وعودة للينابيع العربية الإسلامية الديمقراطية، وأمامه الكثير من السدود سواءً من مراكز قديمة لم تعد قادرة في اللحظة الحالية على التطور، ومن أنظمة مغايرة فيها الكثير من سؤ المعاملة ومن عدم المساواة بين المواطنين الشيعة والسنة والمسيحيين والإسماعليين وغيرهم، لكن إذا تكاثرت الإرادات الخيرة وتوحدت وتركت كسلها السياسي وطورت نشاطها العقلاني النقدي، فإنها تستطيع أن تصد قوى الطائفية والشرور الواسعة الحيلة والخبث، التي تعد للناس مذابح رهيبة كما في العراق.

أضف تعليق