الأرشيف الشهري: أوت 2019

ابن خلدون: العصبيةُ والعمرانُ

ابن_خلدون_كما_رسمه_جبران_خليل_جبران

(ذلك لأن الدولة هي السوق الأعظم للعالم ومنه مادة العمران فإذا أحتجز السلطانُ الأموالَ والجبايات أو فُقدت فلم يصرفها قلّ حينئذٍ ما بأيدي الحاشية وانقطع أيضاً ما كان يصل منهم لحاشيتهم وذويهم وقلت نفاقاتهم جملة وهم معظم السواد ونفقاتهم أكثر مادة للأسواق من سواهم فيقع الكساد حينئذٍ في الأسواق وضعف الأرباح في المتاجر لقلة الأموال فيقل الخراجُ لذلك)، مقدمة ابن خلدون، جزء 2، ص 92.

يصور ابنُ خلدون هنا حركةً داخلية للسوق المركزية حيث تتحكم الأموالُ الحكومية في الاقتصاد العام، وهي حركة داخلية جزئية وكأنها هي السبب الرئيسي لبناء الاقتصاد في حين أنها هي التي تعتمدُ على مدخول الخراج، الذي عن طريق جلبه من الأرياف والبوادي والأمصار تتشكل الماليةُ العامة.

لكن تلك الحركة الجزئية وهي سيطرةُ السلطانِ على السوق والمال العام تغدو حركة مؤثرة هامة على مجمل الوضع الاقتصادي.

فعلى حسب إنفاق الدولة تتشكل الفئات الاجتماعية وتتحرك الأرزاق، ويزدهر السوق.

وهو ازدهار مؤقت قائم على مدى جلب الخراج الذي تسيطر عليه العُصبةُ القبلية، ويحدد تاريخ العُصبة وتماسكها مدى إستمرار هذه الطريقة الانتاجية التوزيعية.

فهذه العصبة القبلية أو الدينية تمكنت لقدرتها العسكرية وتماسكها العشائري من التغلغل في الأمصار وفرض سيطرتها، وتجعل من جماعتها المتوحِّدة قوى عسكرية وسياسية وإدارية وإعلامية وتضم قوى أخرى للمهمات الثانوية وهي كلها تتغذى على التماسك القَبلي وتوزيع الأموال والجبايات، وكلا الأمرين يشكلان أساسا الوجود السياسي الاقتصادي، ولكن توزيع الأموال يتم عبر خروجه من المصب السلطاني، فهو الذي يتحكم في تدفقه، كما يتحكم في تشكيل الفئات الاجتماعية المستفيدة والمتضررة.

هذا الرسم للخريطة الاجتماعيية السياسية يتشكل في فضاء العصر الإقطاعي، ويحدث تناقضاً بين التملك السلطاني والتجارة الحرة، فتغدو مؤسسات التجارة والحِرف والنقود مشكلة سياسياً، فهي ملجومة باللجام السلطاني الأعلى مُطلقةٌ حسب شده ومده، وتغدو البنية الاقتصادية مسيطر عليها غير حرة، متماسكة حسب قدرة العُصبة القبلية أو الدينية على التماسك الداخلي، وهي متماسكة حسب فيض النقد الذهبي المتدفق من الأعلى، ولهذا فإن تماسكها يؤدي لقوة السوق وازدهاره، ولهذا فإنه ثمة علاقة إجابية بين العصبة والعمران، فالحراك العربي التحولي النهضوي يعتمد على مجيء عصبة ذات مشروع إقتصادي، وتتسطيع قوتها القتالتية أن تؤسس مدنية وأسواقاً، وحين تنهار العصبة لخلافات داخلية أو لضربات خارجية فإن السوق ينهار. لكن المدينة لا تنهار حسب تاريخها، فثمة مدنٌ تاريخية لا يضعفها زوالُ حكم ما، فيما أخرى مرتبطة بذلك نظراً لضعفها العمراني وهامشيتها.

التناقض بين السياسة والاقتصاد، بين هيمنة مجموعة سياسية إدارية على السلع والحرف، يجعل التطور الاقتصادي رهن للصرف البذخي من قبل فئات الحكم وأنصارهم والمستفيدين من السوق، فالسلع المعمرة الثمينة هي التي تشترى من قبل العضبة وفئاتها، فيما يعيش الناس على المواد الاستهلاكية ولكن حسب التطور ومدى نمو الاقتصاد وزوال المركزية السياسية العليا وظهور مراكز إنتاج متعددة تغذي الأسواق.

لكن نمط العُصبة لا بد أن يخلق إقتصاداً مركزياً إدارياً ملجوماً، لا يتيح تعدد المراكز الانتاجية، وتنوع القوى الاجتماعية السياسية. بل وهو يخلق مركزية إدارية حادة في الخريطة الاجتماعية، بحيث يغدو الجيش هو الأداة الأساسية لها.

هذا لا يجعل كل التجار مشاركين في منافع السوق، فهناك تجار يعيشون على حركة السوق العادية، وآخرون على حركة السوق السياسية. فالعلاقات مع العصبة تؤدي لازدهار أعمالهم، فيما آخرون يخسرون نظراً لفقدانها.

وتحدد العلاقات الاجتماعية التاريخية هذه التحولات، فالسببيات الميكانيكية غير موجودة فثمة مدن لها تاريخ إنتاجي حر جزئي قوي، كما في تونس والقاهرة واليمن، وتمكنت رغم تغير الدول من البقاء، لكنها تظل على هامش الاقتصاد الاقطاعي، لا تستطيع تغييره ولا تنهار من تحولاته.

وإذ يتمكن النظامُ التقليدي من لجم حركة الرساميل وعدم جعلها تخترق بنيته وتحويله لاقتصاد حر، فهو يجمدها تاريخياً، وإنتاجياً وعلمياً، فكافة الظاهرات المصاحبة من علوم وفلسفات وتطورات إنتاجية وإقتصادية ترتبط بكيس الانفاق الحكومي.

وإذا كان ذلك يرتبط في الاقتصاد الزراعي القديم على الأرض وإنتاجها وأحجام القوى العاملة ومدى الخراج المُنتزع من حاجاتها، فإنه يعيش حالات تذبذب حسب ظروف المناخ وهروب القوى العاملة وأسعار المحاصيل، ويعيش حالات إنهيار مع تفاقم القوى السكانية وإشتداد الفقر وتكدس المال العام في جهات معينة، وهذه الظروف القديمة قد تنقل للعالم الحديث مع عدم تغير الأساس الاقتصادي الاجتماعي للدول، وإستمرارها في إقتصاد العصبة والعمران.

 يؤدي حكمُ العُصبة القبلية أو الدينية إلى إنهيار واسع في العلاقات البضاعية، فبدلاً من أن تتصاعد العلاقات السلعية نحو تكون الرساميل وتبدل قوى الانتاج يحدث العكس وتتدهور العلاقات الاقتصادية الاجتماعية بشكل شامل.

(فهو يقول- أي ابن خلدون- إن الناس ذوي المكان الاجتماعي الرفيع(الجاه) هم الأغنياء ويصبحون أغنى لأنهم قادرون على أن يحصلوا على خدمات الآخرين دون مقابل)، ابن خلدون وتاريخيته، عزيز العظمة، دار الطليعة، ص 147.

يتحول مركزُ السلطنةِ إلى أداةِ تحللٍ للعلاقات البضاعية، فرغم أنه يقومُ بنشرِ المعاملات التجارية والمالية وإفادة فئات عدةٍ لكن ذلك يتم حسب تبعيتها السياسية له، وهدرها للأموال العامة التي لا تتوجه للمشروعات كإصلاح  السدود التي تغدو حيوية لمجمل البناء الاقتصادي وقتذاك، بل تتوجه الأموال للبذخ ومظهريات السلطان وتنحرفُ تدريجياً حتى عن الأسواق العامة وفائدتها.

التناقض بين العلاقات السياسية السائدة والعلاقات البضاعية الرأسمالية لا يُلحظُ إلا بشكلٍ تاريخي مديد، وحين تتضاءل الأموالُ العامة الموجهة لقوى الانتاج الزراعية لا يعد بالامكان ظهور السلع الكمالية، ثم تتأثر السلع الاستهلاكية الشعبية.

عدم تحول أشكال الوعي إلى سلع كالكتاب والشعر والقصة والفلسفة يصيبها بالعطب كذلك، رغم مكانتها الأدبية الرفيعة. إن التكسب بالثقافة يدمرها في حين إن تنامي السوق يغذيها.

(ترتفع الأسعارُ بفضل ما يفرضه الحكامُ من ضرائب، لأن الصناع والمنتجين الزراعيين يضيفون هذه الضرائب على حساب المستهلك)، المقدمة.

مع تدهور العلاقات البضاعية التاريخي تتدهور قوى الانتاج، وهذا يحدث في العصرين الوسيط الماضي والعربي الراهن، فالانتاجُ الزراعي يُصاب بأزمات مستمرة، وتتصحر الحقول، وترتفع أسعار المواد الأولية الغذائية، فيما تكون البدائلُ الانتاجية مصانع مواد أولية تابعة للعُصبة القبلية أو الدينية أو العسكرية أو الحزبية حسب التطور التاريخي، فتغدو مستبدلةً عن قوى الانتاج الزراعية والحِرفية المتدهورة، ويصيبها ما أصاب العلاقات البضاعية في الزمن العربي الوسيط.

ينعكس التدهور التاريخي على العلاقات السياسية المهيمنة التي تتعرض للتدهور هي الأخرى، فتتشكل جماعاتٌ تخرقُ خرائطَ البلدان، والأمثلة في عصر ابن خلدون هي المدن- الدول القصيرة العمر، فيما تعبر الحركات الدينية والأنظمة الشمولية عن ذات النموذج في العصر الراهن.

التحلل السياسي يقود كذلك إلى تدهور الخدمات وإنتشار الأوبئة وتصاعد الفقر وغير هذا من الظاهرات المختلفة.

إضمحلالُ الدول لا يتم بمعارك حاسمة بل عبر تدهور تدريجي تستغله القوى الصاعدة الهامشية بتثبيت أقدامها في المناطق الضعيفة التطور فتتحلل الدول.

لم تقم الدولُ والجماعات العربية والدول الاستعمارية الحاكمة في زمن ما قبل الاستقلال بتغيير علاقات الانتاج الإقطاعية الموروثة بل غيرت بعض الجوانب في قوى الانتاج والأشكال الحادة من تلك العلاقات الانتاجية كبقايا الرق والسخرة.

إستمرار العلاقات الاقطاعية أعاد البناءات القديمة فغدت العصبةُ القرابية أو السياسية أو الدينية أو العسكرية هي التي توزع الدخول، على الفئات المقربة منها، وتتم تبعية السوق لآليات عملها، الأمر الذي يعيدُ هيمنةَ السياسي البيروقراطي المضاد لتطور التسليع ويؤدي لتوقف تطور العلاقات الرأسمالية التحولية.

رغم أن العصر الحديث عرف توسعاً كبيراً للعلاقات البضاعية، وتغلغلت أشكالها المتجددة في البُنى العربية حسب تطورها التاريخي إلا أن العلاقات ما قبل الرأسمالية حدتْ ومنعتْ تطورها نحو الاكتمال البنيوي. أي أن تقوم بالقطع مع بُنى الاقطاع الموروثة.

هذا يُرى على مدى القرن العشرين حيث ضُربت العلاقات المالية الصناعية الواعدة ثم تفاقمت الأنظمة العسكرية والدينية في عمليات تآكل ضارية للتطورات الاقتصادية الحرة، ثم توسعت الأزمة في القرن الواحد والعشرين وظهر الوقوف على مفترق الطرق العالمية وتدهور الأوضاع وعجز الحلول عن فهم البُنى وسيرورات التاريخ.

العُصبة السياسية القرابية العسكرية وغيرها تجعل الانتاج تابع للقرابة أو الهيمنة الحزبية بشكل مضاد لقوانين التطور السلعي، مما يؤدي إلى تدهور مصادر الانتاج كما لاحظنا في خراج الزراعة في العصر الوسيط وخَراج المؤسسات الصناعية والمعملية في العصر الراهن، وهذا يصيب كافة العلاقات الاقتصادية بالتدهور والأزمات والشلل.

حين بدأت الدول العربية تتململ من سيطرات القوى التقليدية الكبرى خاصة السلطنة العثمانية جاءت القوى الغربية مدعيةً الحداثة وإنتاج عصر جديد.

لم تكن لبريطانيا عَصبية أو هيمنة تقليدية في المركز لكنها في سيطرتها على بعض الدول العربية كرست تلك الهيمنة عبر التعاون معها وتصعيدها.

إنها تستنهض وتعمم القوى التقليدية، لهذا فإن علاقات الانتاج الإقطاعية سيُعاد تشكيلها مع تصعيد العلاقات البضاعية الرأسمالية في جوانب معينة.

إن التكوينين التقليدي والحديث المزيف سيُربطان في بنية إجتماعية واحدة، تخضع لتطورها التاريخي، وصراعات القوى الاجتماعية داخلها وحولها.

في العراق الذي هو مثال واضح قوي على هذه العملية المركبة المتناقضة تحول المندوب السامي لسلطة مطلقة يهيمن على ما يصدر من تشريعات ويكون المَلكية التابعة، والوزارة والمؤسسة البرلمانية الذيلية له.

لقد قيل بأن العهد الجديد يهدف للخروج من هيمنة عثمانية(إقطاعية شديدة الاستبداد والتخلف والتعصب القومي والديني والطائفي، وفي مجتمع ما يزال يرزح تحت سيادة العلاقات البدوية الأبوية والإقطاعية البالية)،(فهد والحركة الوطنية العراقية: كاظم حبيب وزهدي الداوودااي، ص26، دار الكنوز).

ليست العلاقات الإقطاعية بقايا بل هي نمط إنتاج، هي علاقات مسيسة مشكلة للبنية الاجتماعية، ولهذا حين يغدو المندوب السامي مكان الخليفة العثماني أو الوالي، فإنه يواصل إنتاج البنية في ظل ظروف مختلفة.

تباين النمط مع العلاقات البضاعية الرأسمالية هو تباين غير تناحري، فالنمطُ يهيمن على تلك العلاقات بأشكالها الجديدة ويخضعها لقوانين تطوره.

ولهذا تحدث ظاهرات متناسقة، فالجيش البريطاني يهيمن ويضعف التطور العسكري الوطني، وتغدو له إمتيازات مثل القرون الوسطى، ولهذا تغدو مفردات مثل(البرلمان) والصحافة الحديثة والأحزاب على غير مسمياتها الحقيقية، ويصير النفط كثروة حديثة مثل الخراج، فهيمنة الشركات البريطانية تزحزحُ الشركات الألمانية مثلما توقف سكة الحديد وتندفع الحكومة الأمريكية هجوماً على سيطرة الأنكليز على النفط حتى تُستبدل بالشركات الألمانية.

الفوائض النقدية النفطية تتجه للغرب وتُوسع السوق العراقية الداخلية للمنتجات البريطانية، وتُرفع فئاتُ التجار المستوردة لها، وتغدو هذه الفئات هي المالكة للصحافة والممثلة في البرلمان.

فيما تُحارب المحاولات الصناعية الحرة إلا في أثناء الحرب العالمية الثانية حين تدعو الحاجة لها، وحين يتصاعد النضال من أجل التصنيع والتحرر الوطني.

كما أن الارتباط بالمركز البريطاني والمركز الأمريكي يؤدي لجلب ظاهرات مشكلات الرأسمالية وهي في بلدانها، حيث تؤدي أزمة 1929 إلى مشكلات إقتصادية وطنية كبيرة.

وفيما تنهب شركات النفط جسم الثروة الوطنية الرئيسية وتمنع حدوث التراكم الرأسمالي الوطني الانتاجي، توسع الاستهلاك البذخي، وتصعد فئات زعماء القبائل ورجال الدين، نظراً لقيامها بهدم البنية التحديثية في مجالات العلاقات الاجتماعية وأنماط الوعي، وإضعاف أشكال الفكر والفلسفة العقلانية.

تقوم السلطة المسيطرة بإعادة العلاقات الانتاجية العامة السياسية، فتخلق الكابحَ الكلي الذي يؤدي على مدى عقود التاريخ القادمة لتحجيم حتى العلاقات الرأسمالية التي تشكلت.

وهذا الكابح يتجسد في بروز قوى العشائر والقوى الدينية وصعودها في ظل سيطرة دولة حداثية كبرى، فهذه القوى التقليدية المُعطى لها فرص الانتشار وإعادة تجديد خلاياها القديمة تتوسع في المدن وتتغلغل في المؤسسات السياسية والفكرية والاجتماعية، ثم تصعد قياداتها بعد عقود كما تتوج الأمر في السيطرة الأمريكية التالية.

إن الأشكال الوطنية والنهضوية تقاوم، فتظهر برامج حكومية لتطور الصناعات ودعمها، رغم هشاشة ما يُخصص لها من أموال على مدى عقود، وأغلبها في الصناعات الخفيفة، كما أن الحكومات التالية والجمهورية تتوسع في الصناعات لكنها لا تحدث هدماً لعلاقات الانتاج البنيوية.

هكذا عمدت العصبية البريطانية وقد لبست لبوس الشرق التقليدي في إنتاج عمران ملتبس متناقض، يزدهر أغلبه في بلدها، عبر إستنزاف المواد الخام النفطية والزراعية، بينما يموج بالتناقض والحصار في البنية الوطنية المحلية، وهي بنية مماثلة للدول العربية الأخرى حسب مستويات تطورها، ولن يحدث فيها تبدل كياني ساحق.

لهذا كله تزداد العودة للوراء لأن العلاقات البضاعية لا تصل لذروتها عبر سيادة رأس المال الصناعي مع كل نتائجها التحديثية، فتغدو المراوحة التاريخية، حتى يضعف الجسم الوطني من الضربات ويتدرج في الانهيار.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: العصبيةُ والعمرانُ

الوعي التاريخي عند ابن خلدون

2019-08-11

 في التمهيد الأولى لكتابه «كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، يدعو ابن خلدون لتجاوز النظرة السردية للتاريخ العربي الإسلامي نحو نظرة تحليلية تعليلية له، فيقول: إن التاريخ: «إن هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمّى فيها الأقوال، وتُضرب الأمثال، وتطرف الأندية إذا غصها الاحتفال.. الخ».

 ولكن هذا الظاهر السردي وراءه شيءٌ آخر:

 «وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع، وأسبابها عميق»، إن هاتين الطريقتين تعمران عن نمو النظر التاريخي في الكتابة العربية، ولهما تاريخهما الخاص المرتبط بسيرورة الوعي والتطور الاجتماعي، ولكن ابن خلدون لا يقرأ تاريخ هذه الكتابة التاريخية على نحو تاريخي، بل على نحو ذاتى فهناك الفحول الذين كتبوا تاريخ العرب والإسلام وهناك المندسون:

 «وأن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها، وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها، وخلطها المتطفلون بدسائس من الماطل وهموا فيها أو ابتدعوها، وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها»..

 يظهر الصنف الأول من الكتابة التاريخية أنه كتابة سردية خبرية بلا تحقيق وتتقيح، ثم ظهرت كتابة أخرى كتبها نفرٌ محدود مثل ابن إسحاق والطبري وابن الكلبي ومحمد بن عمر الواقدي وسيف بن عمر الأسدى والمسعودي وغيرهم كما يقول، ثم لا يقوم ابن خلدون بتتبع الكتابتين وسببيتيهما بل يتطرق إلى حكم عام تجاه أولئك المؤرخين:

 «إلا أن الكافة اختصتهم بقبول أخبارهم، واقتفاء سننهم في التصنيف وإتباع آثارهم» وبهذا فإن ابن خلدون لم يقم بغربلة هاتين المدرستين، وتحولت المدرسة الأخيرة إلى كل عام، لم يُدرس للوصول إلى كيفية كتابة التاريخي بشكلٍ موضوعي.

 وعبر هذه القفزات بين شكلين من الوعي التاريخي ومن ثم عبر تعمعم الشكل الأخير الذي يقول عنه إنه الخلاصة، يتناول بلمحات خاطفة الشكل الأخير من السرد التاريخي محدداً مداه، بأنه قام بتناول عموم الدولتين في صدر الإسلام، أو قام بتجاوز ذلك وتناول ما قبل وما بعد الإسلام، فيأخذ السرد التأريخي المذكور هنا المدى الزمني وليس بنيته الداخلية التحليلية والتفسيرية المفترضة. ثم هناك المثال الثالث وهو حين يقوم مؤرخون بالكتابة عن تواريخ بلدانهم، وكل هذه التواريخ في الكم الزمني والجغرافي، وليس في الوعي السردي التحليلي للتاريخ الذي كان يفترض من ابن خلدون كشفه وتحديد هياكله.

 ثم يطرح ابن خلدون في ومضات متقطعة أسباب ضعف ذلك الوعي بالتاريخ، أى حين يدخل فى النسيج الفكري المنهجي المطلوب فيصف عمل المؤرخين بأنهم:

 «يجلبون الأخبار عن الدول، وحكايات الوقائع في العصور الأول، صوراً تجردت عن موادها، وصفحات انتضيت من أغمادها.. إنما هي حوادث لم تعلم أصولها، وأنواعٌ لم تعبر أجناسها ولا تحققت فصولها»، فيتركز نقد ابن خلدون هنا حول الوقائع التي سردها بمترادفات عدة، فهذه الوقائع المسرودة لم تكن تمتاز بالدقة من قبل الساردين.

إن السرد التقليدي غير العميق للتاريخ يتركز حول الدول وقيامها واضمحلالها الخ..، وهو مرفوض لدى ابن خلدون فيغدو التاريخ عنده هو بحث في تاريخية الدول، ويُظهر أن الطريقتين السابقتين قبله في التأريخ هما طريقة واحدة، دون أن نرى أنها بنية منهجية مختلفة عن السابقة، فهي طريقةُ سردٍ غير دقيق للدول، حيث أن السابقين عموماً لم يجمعوا بين السرد السياسي وجانب آخر عظيم الأهمية حيث اكتشفه هو ورعاه وهو:

 «وأبديت فيه لأولية الدول والعمران عللاً وأسباباً»، «وشرحت فيه من أحوال العمران والتمدن وما يعرض في الاجتماع الإنساني من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها، ويعرفك كيف دخل أهل الدول من أبوابها».

 إن ابن خلدون يقوم بالسرد السياسي والاجتماعي مترابطين متداخلين، حيث كانت الطريقة فيما قبله هى فك الاتصال بينهما، حيث تبدو الدول لديه هى المظهر التاريخى الأولي، فهي أساس الحركة التاريخية، وهي لها أسباب اجتماعية، أما السرد التاريخي قبله فلم يكن كذلك حسب رأيه.

 تترافق وخيوط المنهجية الوامضة الأولى تحديد لفصول الكتاب واختصاصه بتاريخ المغرب الذي تتواشج فيه تواريخ أمم أخرى ولهذا فإنه يختص بقراءة تاريخ الشعبين اللذين شكلا هذا التاريخ، «وهم العرب والبربر إذ هما الجيلان اللذان عُرف بالمغرب ماواهما، وطال عنى الأحقاب مثواهما»، وإذا كان مشتملاً على أخبار العرب والبربر، فإن الكتاب كُتب والعرب أهل حكم سابق لا راهن:

 «لفناء العرب ودولتهم بها وخروجهم عن ملكة أهل العصبيات».

 لا نستطيع أن نفهم التقلبات لابن خلدون دون أن نعرف جذور الهوية الفكرية له، فهو حين يتحدث عن الفضاء الاسلامي العام ستكون مواقفه متقاربة مع السلطة المركزية الإسلامية، ولكن حين تظهر الانقسامات في العالم الاسلامي، ويتشكل الجناح المستقل الذي شكلته القبائلُ البربرية (الأمازيغية) في شمال أفريقيا والأندلس فإن ابن خلدون سيعود إلى جذوره، وإلى انتمائه الثقافى.

 وللتدليل على الموقف المناطقي الأمازيغي هناك متن الكتاب الأساسي الذي يعالج تاريخ المغرب من خلال وجهة نظر تقليدية تراجع فيها المؤلفُ عن منهجيته، والأهم هنا أن نلاحظ الكثير من المقاطع في المقدمة نفسها. فكل الظاهرات التاريخية السياسية التي شكلها البربر وساهموا فيها بشكل هام ، هي ظواهر إيجابية عظيمة في نظر ابن خلدون ، والأمر يبدأ من أهمية الدولة الفاطمية حتى إلى الأكلات المغاربية.

 ويتصاعد الوعى بدور البربر وأهميته التاريخية حين يناقش في الوقائع التالية مسألة مؤسس الدولة الإدريسية ومؤسس الدولة الموحدية والدون الفاطمية وغيرهما.

 يقيمُ ابن خلدون تراتبية خاص للحدث التاريخي ويتجلى ذلك أولاً في قيام العصبيات بدور المحرك التاريخي الأساسي، وثانياً يقوم هذا المحركُ بإنتاج مختلف أنواع السلطات، وثالثاً يتشكلُ من هذه السلطات البناء الاجتماعي العام والثقافة.

 إننا هنا أمام نظرة لفهم التاريخ البدوي، أي كيف يقوم الرعاةُ بصناعة التاريخ. أي أن التاريخ هنا لا يغدو تاريخ الإنسانية، بل هو تاريخ العرب والبربر أو غيرهم من القبائل التي انضمت للعملية التاريخية ، كجماعاتٍ رعويةٍ أنشأتْ تاريخها عبر التكوين العشائري.

 إن النظرة الخلدونية هنا هي تسجيلُ ما حدث ويحدث حينئذٍ من حراك اجتماعي مرئي للمؤرخ، فيغدو حراكُ القبائل في تصوره هو التاريخ والعمران ومشكل الدول والمعاش.

 ومن هنا فهي تتطابق مع الفعل السياسي الرعوي السائد، أي أنها تقرأ ما فعله الرعاةُ، وكيف كونوا الأبنية الاجتماعية والثقافية، أي أنها تقرأ ما شكله المسيطرون، وليس ما شكله المسيطر عليهم، أي أن نقرأ تاريخ القبائل السائدة واضمحلالها، لا تاريخ الفلاحين الباقين عبر العصور، وكيف تمت السيطرة عليهم واستغلالهم ولكنهم لم يذوبوا.

 فهي ترى العالم التاريخي من جانب المُشكلين والقاهرين للبُنى لا من جانب المقهورين. ومن هنا فهي ستعممُ قالبَ العصبيةِ ولا تقوم بتحليل عناصره الداخلية المتضادة.

 فالعصبية القبلية كمحركٍ تاريخي أولي مطلق، سيكونٌ متجوهراً، أي خارج التناقض، والقبيلةُ حين تقوم بتشكيل التاريخ عبر السيطرة على المدن، لا يكون فيها تناقض داخلى، أي لا توجد بها مستويات اجتماعية متناقضة؛ فهي تتحركُ وتحكلمُ وكأنها جوهر مطلق، ثم يأتي التغيير والتفسخ ليس من داخلها بل من خارجها، عبر قيامها بالسيطرة على الدولة فتتآكلُ تلك العصبية بالغنى والبذخ والترهل فتأتي قبيلة أخرى وهكذا، يغدو التاريخ العربي والإسلامي وكأنه إعادة إنتاج مستمرة لهذه القبلية بمراحلها.

 ومن هنا يغدو تاريخ القبائل حسب رؤية ابن خلدون، رغم أنه يمرُ بالتاريخ، كأنه خارج التاريخ كذلك.

 أي أن تشكيل قبيلة قريش وعصبيتها هي نفسها عصبية قبيلة أخرى، لا أن يكون تاريخ قبيلة قريش مرتبط ببنية اجتماعية معينة، هي بنية عشائرية ما قبل العبودية – والإقطاع، هي غير قبيلة أخرى كونت سلطتها في زمن تشكل أسلوب الإنتاج الإقطاعي، أي أن المدى النهضوي الاجتماعي لقبيلة كهذه هو غير المدى النهضوي لقبيلة في ظرف موضوعي آخر، ولكن هذا لا يغدو مهماً في هذه الرؤية فالمهم هو طابع هذه العصبية المتجددة بغض النظر عن المراحل والتشكيلات التاريخية.

 هذا من جانب المسيطرين أما المسيطرُ عليهم، فإنهم يبدون خارج هذا التاريخ، لكون الفلاحين انصهروا قبلياً وفقدوا العصبية القبلية ، ولكنهم كانوا قبائل لهم عصبية سابقة، وهم ينتجون حراكاً اجتماعياً مختلفاً، وهكذا فإن التاريخ يغدو أكثر تعقيداً وتركيباً ؛ من كونه نتاج العصبية القبلية السائدة فقط.

إن الحراكَ التاريخي لدى ابن خلدون سيكونُ بفعل العصبيات الرعوية السائدة، ولكن حين تكونُ في فترة نهضةٍ ومدٍ حضاري، وعندما ستتفسخُ، وتتحلل من الداخل، فستكونَ خارجَ رؤيته، التي راح فيها الحماسُ للسلطة ولاستمرار والعمران يتداخلان فيها بصورةٍ مركبة، فتغدو العصبيةُ الفاعلةَ هي الأثيرةُ عنده، ولكن حين تضمحلُ فإنه سيخرجها من عالمه.

 وهذا يتطابقُ مع تطور القبائل البربرية في القبول بالإسلام ثم في صناعة شكلها الحضاري الخاص منه. فالإسلامُ العامُ يغدو قائماً على هذه العصبية، والموجاتُ التالية التي فيها قومهُ موجةٌ مهمةٌ من موجاتها، تغدو هي المرئية التاريخية في تسجيله وبصره.

 أما الموجات غير العصبية، غير الرعوية، الغائرة و|لموثرة، فإنها تصير غير مُسجلةٍ وغير مفحوصةٍ تاريخياً.

 تغدو الحضارةُ اذاً هي حضارةُ الرعاة في زمن عصبيتهم، أي في زمن تماسكهم القبلي، ولكن بعد ذلك حين يتحللون اجتماعياً فهم يدخلون دور الانطفاء والذل، ولهذا كذلك فإنه لا توجد حضارة في وعي ابن خلدون خارج التوهج البدوي هذا، فبعده انطفاء وموات.

 ومن هنا كذلك فلا وجود لديه لأمم تسود فيها الزراعة وتقوم عصبيتها على المحراث، أي لن يستطيع أن يرى فعل الأقوام غير الرعوية، أي أن يرى فعل الأقوام الحضرية في مقاومة الرعاة، وفي إنتاج حضارتها.

 هكذا يغدو التاريخُ الناهض هو من صنع العصبية القبلية وانطفاء التاريخ من انطفائها، ومن هنا لا يرى ابن خلدون الحراك التاريخي بأنه من صنع الجماعات الاجتماعية المتعددة التي تتضمن القبائل وكذلك الطبقات والأمم.

 وبالتالي كان يصعب عليه أن يرى اللوحات المتداخلة بين الرعاة والفلاحين، بين العصبيات القبلية والقوى المنتجة، وكيف أن الفرس كانت عصبيتهم «القومية»، أو كفاحهم القومي، يتراءى داخل الثقافة العربية الإسلاميه؛ حيث راحوا يشقون لأنفسهم طريقاً خاصاً مغايراً داخلها ، مثلما أن البربر راحوا يشقون طريقاً خاصاً، ولكن من خلال السائد فيها، في حين شكل الفرس تلك «القومية» ضد السائد المهيمن داخلها.

 وهكذا فإنه لن يرى التعقيدات في اللوحات المشكلة والإنتاج الثقافي المتكون في تلك المقاومة وموجاته المتعددة وكيف أنه راح يعيدُ تشكيلَ تلك الأمة بطريقة مختلفة.

 إذن تعودُ جذورُ الرؤيةِ الخلدونية غير الدقيقة إلى فهمه لمسألة «العصبية»، فهو كما قلنا لن يرى القبيلة ذات تكوين اجتماعي متناقض، في مستوياتها الاجتماعية خاصةً، وكيف تنقسم إلى شيوخ وفقراء يشكلون قطبي القبيلة، ويقوم الشيوخ بالمحافظة على هياكل القبيلة التراتبية وثقافتها البدوية حين الانتقال إلى حكم المدينة، وهذه العملية تخضع للهياكل الاجتماعية العامة ومستوى التطور وجذور الأقوام المتصارعة الخ..

 إن وحدة القبيلة تتشكل في ظروف الصحراء ولكن هذه الوحدة تتفكك مع تبدل ظروف الحياة، فتتصاعد الانقساماتُ الاجتماعية داخل القبيلة، والتطورُ يتعلق هنا بكيفية نمو العملية السياسية والاجتماعية، فالعصبية القبلية تشكل قوة مسيطرة مستبدة على السلطة، وإذا كانت تقوم بإنجازات نهضوية في البداية فإن التحكم في السلطة والثروة يقودان إلى كوارث ومشكلات تالية..

 إن ما يراه ابن خلدون كسبب للتقدم هو أيضا سبب للتخلف والتفكك، وقيام حركات تاريخية مختلفة حسب طابع الأقوام والشعوب والصراع الاجتماعي الدائر فى قلبها.

 وهو صراع قد يبدأ داخل رحم القبيلة ذات العصبية، ورؤية ابن خلدون لا تتبع هذه الصراعات الداخلية والانقسامات المتوارية داخل القبيلة، لكونه يرى القبيلة كجوهر مطلق، ورغم أنه يمشي في التاريخ، وتتم عملية رصد ظواهر عديدة منه بشكل موضوعي، إلا أن رؤيته كجوهر مفلق تمنع رؤية الاحتمالات المتعددة والطبقات المختلفة للتاريخ المتكونة من خلال ذلك.

 وهذا ما حدث لقبيلة قريش حيث كان الصراع بين بني هاشم وبني أمية مبكراً فيها، وهو ما جعل التاريخ ينمو عبر الصراع بين هذين الفرعي القبليين، والاجتماعيين السياسيين المختلفين، لكن شجرة الصراع القبلي المتنامية ارتفعت عبر تغيرات اجتماعية كبرى.

 إن الوحدة القبلية لا تنفي الصراع فيها، ولهذا فإن الصراع القبلي كشكل للصراع الاجتماعي، وكتعبير عن مستوياته داخل أسلوب الإنتاج، لن يظهر كحزئيةٍ من قوانين أعم، أي كتعبير عن قوانين الصراع الاجتماعي في ظل بنية اجتماعية معينة.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏: الوعي التاريخي عند ابن خلدون

http://archive.alsharekh.org/newPreview.aspx?PID=3089237&ISSUEID=18630&AID=421562