♀
لعل المسلمين لا يحتاجون إلى مثل حروب أوروبا في انتقالها من سيطرة الكنيسة إلى النظام البرلماني المكتمل،لأنه لو حدث فسوف يحتاجون إلى ثلاثة قرون من الحروب الأهلية لكي يحدث الإصلاح الديني الممهد للإصلاح السياسي وللتحديث.
فالمسلمون لم يعرفوا حكم الكنيسة، والآن فقط النظام الإيراني تورط في مسألة الحكم الديني ومن قبله النظام الطالباني البائد، ومن الحكمة عدم الانجرار في هذا السبيل المكلف والمحفوف بالمخاطر، وعدم تشجيع الجماعات والرموز الدينية على خوض هذا السبيل، أسوةٍ بالنتائج السلبية لحكم الكنيسة البابوية، والتي لم تنفك أنيابها عن الدول والشعوب إلا بثورات دينية وشعبية كثيرة وبحروب طاحنة بدءاً من البروتستانتية والكالفينية حتى الثورة الفرنسية التي أباحت قتل رجال الدين فقط لأنهم رجال دين!
ولحسن الحظ فإن رجال الدين المسلمين في تاريخنا لم يتورطوا في هذا النهج، فلم تظهر حكومات دينية، بل كانت الحكومات السياسية – الدينية تستعين برجال الدين الموالين لكي يؤيدوا سياساتها، ولهذا فإن هؤلاء فقط يتحملون المسئولية الشخصية والجماعية.
ولهذا فإن معضلة المسلمين الدكتاتورية تكمن في البيوت أكثر منها في نظام الدول حسب مسئولية الوعي الديني، فالدكتاتورية السياسية الحكومية مرفوضة لديهم عموماً، وإذا حدثت مغالاة في العقد الأخير لكن هذه المغالاة انقلبت وصار الجمهور يتحسس خطورة الحكم الديني المطلق، بل إن بعض كبار الرموز الدينية راح يطرح التوجيه الفكري والأخلاقي لرجال الدين للسلطة كحل أكثر مستقبلية من التدخل المباشر فيها، وهو حل أكثر تحدياً للقوى العلمانية.
وتوجه رجال الدين لنقد السلطات السياسية الدكتاتورية أفضل بكثير من أن يكونوا جزءاً منها، أو على رأسها كما حدث للبابوية وكما يحدث في النظام الأيراني الآن؛ ومن هنا تغدو السلطة الدكتاتورية داخل المنازل، هي التحدي الكبير الذي يواجه المسلمين.
ولتغيير العلاقة المنزلية بمختلف مستوياتها يحتاج الأمر إلى تطور اقتصادي وتطور ثقافي طويلين، فالإدارات الحكومية تريد تغيير العلاقات الأسرية بقرارات بيروقراطية، وهي تريد صياغة بعض أشكال المساواة بين الرجال والنساء، المجحفة بحق النساء عموماً، دون أن تشكل علاقات موضوعية اقتصادية واجتماعية وثقافية تؤسس لتلك المساواة المعلقة في الفراغ، فمن دون عمل واسع للنساء وأجور متساوية وتوسع للحضانات الجيدة والرخيصة وإزالة لهيمنة العمالة النسائية والذكورية الأجنبية، تغدو تلك المساواة وغيرها من الجوانب الإصلاحية مجرد إجراءات قسرية لا تستطيع أن تتجذر في أرض الواقع.
ومن هنا يتطلب ذلك فقها مواكباً للإصلاح السياسي يجمع بين تطور الحريات وتطور الأخلاق؛ بين خلق ثورة عمل وفكر لدى النساء وبين تغيير بعض الأحكام المتشددة بشأن الزواج والأسرة عموماً .
إن الفقه المحافظ يتصور أن أي حريات للنساء معناها خراب الأسر والأخلاق؛ ولكن أي تخلف وجهل وتبعية للنساء سيكون لها أثر أسوأ على الأخلاق من الخروج للأعمال الصناعية الكبرى، لأن الفضائل تأتي بمواجهة الشرور وتكوين دخل جيد وبحالة من الاستقلال، وليس الانكفاء في الشرانق.
إن الفقه الإسلامي المعاصر بجمعه بين التحديث المستمر وتغيير طابع العائلة المنغلقة والمتخلفة والكثيرة العدد والأمية والمليئة بالعاطلين، إلى أسرة إسلامية صغيرة ومثقفة وعاملة ومتحررة، يمكن أن يواجه كافة التحديات التي تواجه العالم العربي أو الإسلامي، في عصر شديد التطور والصعوبات .
والعائلة المتطورة ذاتها هي السند لتغيير الأنظمة السياسية الاستبدادية.
عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الفقه والدكتاتورية المنزلية