الأرشيف الشهري: سبتمبر 2018

محمي: عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أفق ـــ مقالات 2003

هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور أدناه:

نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية

77

الفصــل الخامـس

البناء الفلسفي في أولاد حارتنا

رواية «أولاد حارتنا» هي رواية ذات إشكاليات كبيرة، لكونها تتحدث عن قصص الأديان السماوية في المنطقة، وهي قد جاءت ككتابة في مرحلة الرواية الاجتماعية فعكست مستواها الفكري، وما فيه من تناقضات استطاع الكاتب تجاوزها في أعمال أخرى تالية تناولت الإرثَ الروحي العظيم في المنطقة بدون التجسيد المباشر للانبياء.

يقدم لنا راوي رواية «أولاد حارتنا» افتتاحية يبررُ فيها الكتاب، فهو مسجلٌ لروايات الرواة، المتداولة في القهوة بهذه الحارة.
فهنا جسمٌ اجتماعي معاصرٌ صغيرٌ ملموس هو الحارة والقهوة والبيتُ الكبيرُ والساكن الذي فيه «الجبلاوي» والأوقاف المترتبة على تاريخ البيت.
«كلما ضاق أحدٌ بحالهِ، أو ناء بظلمٍ أو سؤ معاملة، أشار إلى البيت الكبير على رأس الحارة من ناصيتها المتصلة بالصحراء وقال في حسرة: هذا بيتُ جدنا، جميعنا من صلبه، ونحن مستحقو أوقافه، فلماذا نجوعُ ونضام ؟!»،(1).
نلاحظ هنا إن «الكلية» الوطنية غدت ذات جذور ماضوية، فكلمات مثل «الجميع»، ونحن، هي كلها تستكملُ التعبيرَ عن الضمير الوطني، وإن تجلى ذلك في تاريخ المنطقة العام، ومن هنا فهو يقولُ لاحقاً: «وحارتنا أصل مصر أم الدنيا، عاش فيها وحده وهي خلاء خرب» فتغدو الأنا الوطنية أصلاً للبشرية والوجود كذلك.
إن الراوي منذ البداية يخلقُ هذه الأزدواجية، بين البناء الاجتماعي المعاصر حيث البيت الذي تشكلَّ في الخلاء، وبين المنظومات الدينية السائدة في المنطقة.
إن البناءَ الاجتماعي المعاصر من قهوةٍ وحارةٍ وفتوات وأشياء هو علاقاتٌ اجتماعية موضوعية تعودُ إلى حقبة القرون الوسطى، حيث بعدُ لم تتفككْ بتحولات عصرية، فهي بناءٌ عبودي ــ إقطاعي لم يتحدثْ، وهذا البناءُ يفرضُ أشياءه ومواده الخاصة به. فهو الديكورُ الذي ستمثلُ فيه سيرَ أديانِ المنطقة وقد عُبِّر عنها بطريقة الحكواتي.
في حين أن المقصودَ بالروي ليس هذا البناء الاجتماعي العائد لحقبةٍ معينة، بل الوعي الديني الذي تشكل في هذا المنطقة خلال أكثر من ثلاثة آلاف سنة.
ولكن هذا الوعي الديني لا يُعرض كمقولاتٍ وآراء بل يُعرض كقصصٍ أو حكايات وهي حكايات داخل بناء مصري اجتماعي يعودُ للقرنين الماضيين.
وبهذا فإن الرواي راح يجسدُ المفاهيمَ الدينية الكبرى بأشياءٍ وعلاقات تعودُ لزمن آخر ومكان آخر، فمفهوم الإله الواحد جسده بـ«الجبلاوي»، والسماء التي تحكمُ الأرضَ جسدها بـ«الخلاء».
فالبيتُ الكبيرُ الذي يرمزُ كذلك للسماء، «على رأس الحارة، من ناصيتها المتصلة بالصحراء»، هو تلك السماء الدينية المسيطرة على الأرض الشرقية، المهيمنة على ناصيتها، والتي عبرها تتشكلُ الحقبُ والصراعات وتوزع الثرواتُ وهي التي تشكلت عموماً في الصحراء ففاضت على وادي مصر!
فيقوم الراوي ــ المؤلفُ بالتركيز في المبنى الفكري الديني بجعلهِ متشيئاً في ركائز صغيرةٍ محددةٍ هي: الجبلاوي، والبيت الكبير، والحديقة ــ الجنة، والمجلد الكبير ــ اللوح المحفوظ الخ..
وهو يجسدُ هذه الركائزَ من الإرث وتصويره، لكنه لا يسميها باسمائها الحقيقية المقدسة بل باسماء يخترعها ويحيلها إلى قصصٍ تبدو كأنها لا تمتُ إلى ذلك الأصل، لكنه يقصد أن يعنيها أيضاً عبر ذلك الديكور المحلي الذي اخترعهُ لها والتي أعطته أياه الحاراتُ المصرية في القرن التاسع عشر خاصة!
ومفهومُ الإله الواحد المجسد والمركز هنا هو خلاصة رأي المؤلف في فهم أديان المنطقة وتطورها، فهو إذ يجسد الجبلاوي كشخصيةٍ معبرةٍ عن مفهوم الإله الواحد، لا يهتم باختلافات ومفاهيم الأديان المتعددة، بل هو يستخلصُ ما هو جوهري داخل وعيه الديني، فيتناولُ الخطوطَ العريضةَ في هذه الأديان، وعلاقتها بالأرض، والمعاني الأساسية لظهورها وعلاقاتها بالسكان، لكن ليس في تاريخها الحقيقي بل في تاريخ القرن التاسع عشر المصري وقد صارت تلك الأديان «حكايات» وأمثولات وليست تاريخاً حقيقياً وليست تجسيدات حقيقية بل إشارات وعظات الخ..
وهو يحيلُ بعدئذٍ الأنبياءَ إلى «أولاد حارتنا» باعتبارهم قادة التحول في المنطقة، فيضفي عليهم هذا الدور ويصفهم بـ«الأمجاد»، أما مفهوم الإله الواحد فيشخصنه بـ«الجبلاوي».
وهذه الشخصنة للإله هي التي تحير العقول:
«عمّر فوق ما يطمع إنسان أو يتصور حتى ضرب المثل بطول عمره. وأعتزل في بيتهِ لكبرهِ منذ عهد بعيد.. وقصة اعتزاله وكبره مما يحير العقول، ولعل الخيال أو الأغراض قد اشتركت في إنشائها»،(2).
فشخصنة فكرة الإله تقودهُ إلى سلسلة من المتناقضات، إنه يحيلُ الشخص هنا إلى فكرة الإله الواحد، فيضفي إشكاليات أخرى فكرية واجتماعية على هذا المفهوم.
إن التناقض بين فكرة الإله وشخصنتها تضعُ الراوي – المؤلف في تناقضات بلا حل.
«هو صاحب أوقافها وكل قائم فوق أرضها والاحكار المحيطة بها في الخلاء».
إنه يحول فكرة الإله الواحد إلى شخصٍ يتسمُ بالضخامة والصلابة فهو يستخدمُ مصطلح الجبلاوي القادمة من جبل، مما يحيلهُ إلى مفاهيم الإلوهية القديمة، إي مفاهيم إله التجسد والمكان والمحسوس وبهذا يعودُ إلى مفاهيم ما قبل الفلسفة. وحين يتحول مفهومُ الإلهِ إلى المادةِ يعاني المفهومُ من إشكالاتها التحولية ومن حيزها الخ..
لقد عاد إلى مفاهيم ما قبل الفلسفة القديمة، فحولها إلى تجسيدات تماثل التشيؤ القديم وفهم المذاهب «الحشوية» في الفكر الإسلامي التي تضعُ الإلهَ في حيز وبإعتباره جزءً من المادة، ففكرة الإله تغدو شخصاً، والركائز الغيبية من عرش وكتاب محفوظ وجنة ونار تتحول إلى بيت الخلاء والحديقة والكتاب في الغرفة والنزول من السماوات يصيرُ طرداً من البيت الكبير الخ..
وهكذا بدلاً من أن يجردَّ ويكشف سببيات الأديان بمفاهيم راح يجسدها ويصورها كما كانت بالوعي الديني ما قبل الفلسفي وبلغة تمويهية، تحيلُ تاريخَ الأديان الغني إلى حركات في حارة تعودُ لزمنٍ مختلف. فيدخلُ قاموسَ الحارة المصرية بتواريخ الأديان المغاير، لكنه يحاولُ أن يطابقَ بين الأثنين، بين تاريخ الأديان ومسرح الحارة المصرية التاريخي الحديث.
وبطبيعة الحال هناك مشابهات وتداخلات، فجسمُ التطور الاجتماعي التقليدي كما كان يحتضرُ في القرن التاسع عشر، كانت به بعض السمات والمظاهر المشابهة للقديم، فأستل من هذه السمات جسوراً لربطها بتاريخ الأديان.
لكن تجسيده لفكرة الإله عبر شخصنته كـ«فتوة» يتضاد مع اتساعها وتاريخها الغني ومع تطور الحركة الفكرية الحديثة التحويلية، وهذا أيضاً ما يُطرح كذلك على شخوص أبطال الحارة هذه وهم رموز الأنبياء العظام.

يبدو إن مصادر نجيب محفوظ في التأريخ الفني للأديان تعتمدُ بشكلٍ كبير على العهدين القديم والجديد، فالتوراة حين تجسدُ تاريخَ الدين اليهودي تربطه بفهمها للإله كشخصٍ مجسد، وعالمُ الغيب تحليهُ إلى ما يشبه الحديقة السرمدية الكاملة بالجمال والسعادة، وتــُظهر خلق الإنسان كعملية صنع فخاري، وتــُحيل مفهوم الشيطان كذلك إلى كائنٍ ناري، يتمردُ على الإله الخ..
ولهذا حين يظهرُ الجبلاوي في أولِ مشهدٍ من جزءِ أدهم، يظهرُ بنفسِ التشكيل التوراتي القصصي التجسيدي لمفهوم الإله، فهو شخص داخل حيز:
«ضجت الحديقة بالحياة والغناء على حين ساد الصمت بالبهو. وخيل إلى الأخوة إن فتوة الخلاء قد نسيهم، وهو يبدو بطولهِ وعرضهِ خلقاً فوق الآدميين كأنما من كوكبٍ هبط»،(3).
إن التماثلات بين الجنة التوراتية كحديقةٍ غناء، يحافظُ عليها الساردُ وينقلُ حيثياتها، لكنه ينتقلُ فجأة إلى تعبير «فتوة الخلاء»، فيأخذُ من قاموس الحارة المصرية مفهوم الفتوة كترميزٍ للسلطة الكونية، ويضيفُ إليه تعبيرَ «الخلاء»، وهو تعبيرٌ يراوحُ بين الكونِ والبرية، فالخلاءُ يصلحُ أن يكونَ تعبيراً عن الفضاء، وعن الصحراء معاً، لكن تعبير الفتوة لم يُستخدم إلا لكي يتماشى مع كون الحارة المصرية هي المسرح الذي يجري عليه التمثيل الرمزي لتطور الأديان. وليس للتحقير والتقليل.
ويدعوه التجسيد الذي انساقَ إليه أن يُضخِّم من هذه السلطة الكونية وقد تمظهرتْ كائناً بشرياً:
«وما يقلقهم إلا أنه جبار في البيت كما هو جبارٌ في الخلاء وإنهم حياله لا شيء»، (4).
هكذا يبدأ التناوسُ والتراوحُ والتداخل بين المصدر التوراتي والمصدر الشعبي المصري، فالإلهُ في التوراة يقول للملائكة بأنه سوف يخلقُ كائناً خاصاً، لكن الرواية المصرية تجعلُ الجبلاوي يتحدثُ عن «الوقف».
«أرى من المستحسن أن يقوم غيري بإدارة الوقف»،(5).
والوقف هو تعبيرٌ وعلاقة اجتماعية إسلامية، أي أمر يعودُ إلى التاريخ المصري الإسلامي، فتم إدخالهُ في التاريخ الديني القديم كتعبيرٍ عن الأملاك العامة، وعن مصير الأرض والبشرية عموماً، وهو موتيفٌ قصدَ منه الراوي أن يتجنبَ مسألة الخلق الإلهي لآدم، فقفز إلى قضيةٍ اجتماعية ستكونُ هي القضية المركزية للرواية ككل، وهي مسألة المصالح العامة للجمهور، فأخرجَ الصراعَ من الغيبي إلى الصراع الاجتماعي، كفعله في الرواية عموماً.
ولهذا قفز إلى الصراع بين أدهم وأدريس، بين آدم وأبليس، حين جعل الجبلاوي يقررُ أن أدهم هو من سيقومُ بإدارة الوقف، وبهذا فقد أعطى الإنسان مسألة إدارة مصيره حسب الرواية المحفوظية، وليس الشيطان أدريس الذي سيغدو تجسيداً للشر داخل التاريخ البشري.
وهنا تغدو الأنسنة مغايرة للتاريخ الديني التقليدي، فأدريس الذي يغدو بشرياً متصَّوراً يغدو جزءً من التاريخ البشري وليس من التاريخ الغيبي، فهو يسكرُ ويتشاجرُ بذاته، مع قيامهِ بمهمات أبليس الأخرى مثل التفريق بين الناس وزرع الشر والشكوك وجر أدهم إلى طريق الغواية والضلال. لكن الراوي يتخلصُ منه لأن غيبيته ستكونُ مثقلة على مسار الرواية الاجتماعي، فيموت خالقاً سلالة بشرية شريرة، فكأن الشر يظهر من جهة أخرى ذا أصل غيبي كالخير، ولكن الشر يظهر بصورة نادرة كجانب غيبي، ففي صفحة 403 فقط يتذكر الراوي الأصل الأدريسي أو الأبليسي للشر: «يا سلالة الخيانة ويا لصوص البشر. منذ أطلق ادريس ضحكته الباردة وانتم تتوارثون الجريمة وتغرقون الحارة في بحر الظلمات».
إن اعتبار الخير أو الشر من مصدر غيبي يتبدى كذلك في هشاشة علاقة الوعي أو العواطف بالبناء الاجتماعي، الذي يتكون بلا قوانين أو سببات مستقلة.
ويخلق محفوظ تضادات بين أدهم وأدريس بتشكيلات بشرية اجتماعية بدلاً من التضادات العنصرية، كعنصري النار والطين، بذكر إن أدهم جاءَ من أم سوداء عادية، بخلاف أم أدريس البيضاء، وهو استغلال موتيفات اجتماعية حديثة بدلاً من موتيفات القدامى ذات المصدر التقني.
ثم تجري الرواية المحفوظية على غرار الرواية التوراتية، فأدهم يعيشُ حراً سعيداً في الجنة، فتظهرُ زوجته المقبلة ويحاولُ الراوي عقدَ صلة بين الرواية التوراتية وبين روايته حول هذه المرأة الزوجة:
«بدا الظل الجديد كأنما يخرجُ من موضع ضلوعه. والتفت فرأى فتاة سمراء.. »،(6).
أن بقية «الأخوة» يبقون بغير ذرية في حين أن أدهم هو الخالق للذرية مع أدريس، وذلك لأن الأخوة مصابون بالعقم!
هكذا يقومُ الراوي بمتابعة الرواية التوراتية حرفياً في مواضع عامة مجسداً إياها على ذلك المسرح، ويختلفُ معها حين تتقاطعُ مع روايته، لكنه لا يستطيع الضبط الكامل بين الرواية التوراتية وبين الرواية الترميزية الخاصة التي يخلقها.
فأدهم يقومُ بالعمل حتى وهو في الجنة مسئولاً عن الوقف وهو جانبٌ يعبرُ عن اختلاف كبير بينه وبين الرواية الأصلية، فآدم فيها لم يكن يعملُ فجاء العملُ بعد نفيه من الجنة، فهو ضريبة لعنة، جاءت بعد الأكل من الشجرة المحرمة، في حين أن العملَ في رواية محفوظ كان قبل وبعد الطرد، لأن البيت الكبير الذي زعم إنه يمثل السماء، لم يستطع أن يكون كذلك، فهو ذو علاقة بالأرض لأنه جزءٌ من الأرض وجزءٌ من العمل، فراح المؤلفُ يقطعُ علاقته الضرورية والحتمية بما حوله وبجذوره، لكي يلائم ذلك الرمز.
من هنا يغدو الخروج من البيت الكبير غير السقوط من الجنة حسب الرواية التوارتية، فالخروج من البيت الكبير هو خروج من عمل سهل وإداري إلى عمل يدوي، ومن منزل مرفه إلى الخلاء، فلا يغدو كالسقوط المصَّور دينياً.
كذلك فإن خروجَ أدهم ليس كسقوط آدم، حيث يخرج أدهم والوجود البشري كثيف حوله، فلا يغدو هو أبو البشر، كما أن الأرض المسكونة العامرة تجعلُ من وجوده المقطوع بلا دلالات المعاناة الابتدائية المصَّورة عبر التوراة. فكان بإمكانهِ أن يستعينَ بما هو موجودٌ من منازل وأشياء وسلعٍ، في حين كانت الأرضُ مجردة خالية أمام آدم. فلا تغدو معاناة أدهم التي يصورها محفوظ بعد ذلك مُبرَّرة فنياً، فهنا تعجزُ الرواية المحفوظية عن مجاراة الأصل، لكونها قامت بنسخٍ فوتغرافي للأصل، قاطعة بعض الجوانب، واضعة إياها على خلفية ليست من صلبها.
فأميمة تستخدمُ الداية أثناء الولادة، وأدهم يستخدم عربة لكي يعمل، ويتعامل مع سوق جاهزة عامرة بالسلع، وهو أمرٌ يعبر عن تاريخ بشري طويل ومثقل بالانجازات الحضارية، لكن الرواية الأصلية ترفضُ وجودَ إنجازات سابقة، وتجعل أدم وحواء يواجهان الطبيعة البكر، فليس ثمة حديد ولا عربات ولا أسواق، ومن هنا تغدو معاناتهما مبرَّرة، أما معاناة بطلي محفوظ فغير مبررة.
إن نقل محفوظ الحكاية من عصر إلى عصر، هو نقلٌ لا تاريخي، أي هو أدلجة فنية.
هذا ما يجري لقصة قدري وهمام «قابيل وهابيل» فهما يظهران بسرعةٍ بعد الخروج من البيت الكبير، ويظهران بتكوينين متضادين، دون وجود أي جذور لهما، سوى نفسيات متبلورة على الخير أو الشر، مع أدهم أو مع أبليس، وهذا تكوين غير جدلي سيكون من أساسيات منهجه.
لكنه باختزاله وسرده الممتع يدخل جوانب حسية مشهدية وحوارات درامية مصعدة للأحداث.
وكما قلنا فعدم تبلور وغنى قابيل وهابيل المحفوظيين، تعود إلى كونهما تخطيطات مجردة كصدى للأصل، في حين كانت شخصيتا قابيل وهابيل تعبران عن الصراع العميق والواسع بين الرعاة والمزارعين، فليسا هما مجرد شخصين.

إن نجيب محفوظ في تصويره للشخصيات والأحداث التاريخية يعتمد على ما يراه في الحارة المصرية، فيضفي هذا التصوير الذي يعيشه أجواءَ حية على القصة الدينية لكنه يسلبها أجواءها القديمة الحقيقية.
«وكان طابع حارتنا ــ كحالها اليوم ــ الزحام والضجيج. الأطفالُ الحفاة أشباه العرايا يلعبون في كل ركن، ويملأون الجو بصراخهم والأرض بقاذوراتهم. وتكتظ مداخل البيوت بالنساء، هذه تخرط الملوخية، وتلك تقشر البصل..».
إن هذه الحيوية المستمدة من المشاهد اليومية للحارة، تعقبها عملياتُ تغلغلٍ في الحدث ــ البؤرة، وإضفاء لغة سردية دقيقة وسريعة وجميلة داخل هذه التغلغلات في الحدث ــ البؤرة، مع جعل المشهديات محسوسة بربطها بالزمان والمكان.
«ولم تفلح زفرات الخريف الرطيبة في تلطيف هذا الجو المشحون بالنوايا الدموية فهتف زقلط…»،(7).
وإذا كان لم يوجدْ جسمٌ للحارة في زمن أدهم فإن هذا الجسمَ تواجد الآن مع القسم المعنون بـ«جبل»، وهكذا فقد كانت البشرية موجودة في خلفية مسرح أدهم، رغم أن أسرة أدهم هي البشرية الحقيقية حسب الرواية، والآن تصبح الحارة هي الممثلة للمنطقة العربية فعلاً وتغدو الحارة كذلك هي نسل أدهم وهو أمر متضاد.
وهذه العملية التخطيطية الترميزية تتوالى الآن بخطوط مقاربة للأصل التوراتي، وهو ما يمثل من جهة أخرى تضاداً مع تاريخ الحارة المصرية الموغلة في القدم والتي هي أعطت اليهودَ تاريخـَهم الديني بشكل أولي واساسي.
فقد صار «اليهود» هم أول من بدأ التاريخ الديني حسب رواية «أولاد حارتنا»،(8) ويتم ذلك في المسرح الديكوري للحارة، وقد صارت فيها قهوات وأحياء، معبرة عن شعوب وقبائل بشكل اختزالي وامض. فحي «آل حمدان» يرمز لليهود العائشين في مصر، ولكنهم يظهرون بشكلٍ مطلق، وكتاريخ للوعي المشخصن في الزعيم والنبي موسى الذي يظهر باسم «جبل». ولعل الاسم ناتج من علاقة النبي موسى بالجبل السيناوي الذي دار حوله سفر الخروج.
إن البشرية أصبح لها تاريخ سابق، والحارة هي هذا التاريخ وهي كذلك تاريخ المنطقة العربية عامة والمصرية خاصة، ولكن الطابع الاختزالي يحيلُ التاريخَ إلى وقف وفتوات وعامة وتقلب للزمن والأحوال.
فكيف ظهرت الانقسامات الاجتماعية وغدا هناك صراع؟
«ولما اغلق الأب بابه واعتزل الدنيا احتذى الناظر مثاله الطيب حيناً، ثم لعب الطمع بقلبه فنزع إلى الأستئثار بالريع. بدأ بالمغالطة في الحساب والتقتير في الأرزاق ثم قبض يده قبضاً مطمئناً إلى حماية فتوة الحارة الذي اشتراه»،(9).
عبر تعبير «الوقف» يغيبُ الإنتاجُ، فالوقفُ رمزٌ للأملاك الموقوفة لعمل الخير، لكنه لا يظهر مصدره وتاريخه، بل يبدو كثروةٍ مقطوعةٍ عن جذورها، وكشيء مُعطى مسبقاً. من هنا فهذا التعبير المتجوهر خارج عن صراعات التشكيلات الاقتصادية، وبالتالي لا تظهرُ قوى اجتماعية متصارعة حسب تطور الإنتاج، لكن يظهر التاريخُ كصراعٍ بين الكل الاجتماعي وبين «الناظر» و«الفتوات» وهم أجسام اجتماعية هشة وبلا جذور.
يغدو الناظر والفتوات الجسم الاجتماعي الأعلى، المستغل للوقف، وتظهر عملية النزاع حين تتغير رغبات الناظر، وهذا أمرٌ سنجدهُ يتكررُ ليس مع جبل بل مع رفاعة الذي يرمز لزمن المسيح عليه السلام، وقاسم الذي يرمز للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فالاسماءُ تتغير ويتبدل النظارُ ولكن علاقة استغلال الوقف هي الباقية، ويتبدل الفتوات ولكن الفتونة تبقى مستمرة، ومقطوعة حين يثور أهلُ الحي المظلوم، فيحصلون على شيءٍ من الوقف، لينهض بعد ذلك حيٌ آخر لم يعط شيئاً من الوقف.
وهذا يتفق مع شيءٍ موضوعي من تاريخ المشرق هو سيطرةُ الدولِ على الثروة، فتقطعُ سيطرتــَها الثورةُ، لكن الثورة تأتي بدولٍ أخرى توزعُ الأموالَ العامة بشكلٍ جيد حيناً ثم تظهرُ طبقة تسيطر على الدول أداة الإنتاج الرئيسية وتوزعها عليها.
لكن الحكي في الرواية يحيلُ الطبقة المسيطرة إلى مجموعة أفراد فوقية بدون جذور، ولهذا فهي سرعان ما يــُـقضى عليها، لأنها أقرب أن تكونَ إدارةً بلا انغراس في الحارة.
ولكن هذا التمثلَ للتاريخ هو تمثلٌ اختزالي تجريدي أكثر منه تمثلاً واقعياً موضوعياً، فعلائقُ القبائل اليهودية المهاجرة إلى مصر ثم ذهابها إلى فلسطين وطرد أهلها، عملية أكثر تعقيداً من حركة شخص اسمه جبل وهروبه بسبب قتله لأحد أفراد الفتوة وتعلمه فنون السحر وكيفية إخراج الثعابين ثم عودته إلى الحارة وصراعه مع ناظر الوقف وعصابته وانتصاره بهجوم الأهالي بالطوب والعصي.
إن هذا الاختزال يضفرهُ محفوظ بلوحات شيقة وتحولات درامية في الشخوص محاولاً التقارب مع الأصل، لكن القبائل اليهودية لم تكن ذات جذر في الحارة المصرية، وبقاؤها في الحارة نفسها، يشيرُ إلى أن الحارة لم تعد هي مصر كما قال لنا الراوي في البداية، بل هي ترميزٌ لتطور الوعي الديني.
إن هذه الاختزالات والتناقضات تشير إلى فقر المنهج الفني التجريدي الاختزالي في كشف الحالة الواقعية المركبة، ومن هنا كذلك حين يتحول المسيح عليه السلام إلى حاوٍ آخر يخرج العفاريت من الأجساد، بهدف ملء الأرواح بالقيم الإيجابية، فتصبح المسألة شبه كاريكاتيرية.
إن مستوى قراءة محفوظ للأديان في تلك الفترة الخمسينية أو الستينية تنعكسُ على كيفية نظرهِ إلى الأنبياء، فنجد إن رفاعة تنعكس عليه رؤية إسلامية ــ كاثولكية فهو بلا ولادة عجائبية بل نتاج طبيعي لأبيه النجار وله سيرة إنسانية طبيعية بلا خوارق، لكنه من جهة أخرى بعيد عن الممارسة الجنسية الطبيعية، فيظهر بشكل زهدي منقطع كلياً عن الطبيعة.
وحتى معجزاته تتحول إلى عمل اجتماعي معرفي فهو يقوم بإخراج العفاريت من الأرواح، لكن باعتبار العفاريت قوى عصبية مرضية وعادات اجتماعية متكلسة، فهنا يضفي محفوظ على رفاعة وكل الأنبياء في الحقيقة طابعاً فكرياً اجتماعياً موضوعياً، فهم بالحقيقة بدون خوارق، وحتى الجانب الخارق الرمزي المتمثل بالعلاقة بالبيت الكبير الرامز للسماء، يغدو اجتماعياً، لكون البيت جزء من الأرض كما يبدو من مسار الرواية والأحداث، فلم يستطع أن يخلق منه قيمة غيبية ماورائية، ولهذا حين يأتي عرفة بعد ذلك ممثلاً للعلم الذي يكتسحُ هذا البناء الغيبي المفترض، يغدو ذلك متناقضاً، لأن البناء الذي صوره محفوظ كان بناءاً غير غيبي، فمالداعي للثورة عليه من قبل عرفة ــ العلم؟
هنا نجد أنفسنا أمام البناء الاجتماعي المصَّور بشكل اجتماعي عادي بدون خوارق، فهي أحياء تطالب بالوقف المستولى عليه من قبل الناظر والفتوات، وتغدو الرواية فصولاً لشخصيات متعددة تطالب وتحقق هذه العملية، بصور إنسانية اجتماعية واضحة وغير غيبية، إلا من علاقات وامضة بالجبلاوي، فتغدو الرواية تقارير عن الاجتماعي السطحي والمحدود، وليس غوصاً في هذه البنى الدينية المعقدة والمركبة، فهي أرشيف حكائي مُبسّط للدوران حول الاجتماعي ذاك.
كما أن الاجتماعي السطحي هذا مكرر بشكل مستمر، فالشخصيات المحورية تتكرر عملياتها السياسية التحولية، مع تباين أدوات بسيطة، فجبل يعتمد على القوة ورفاعة يعتمد على الحب، وقاسم يعتمد على القوة، وداخل أجسام هذه القصص هناك لمسات شخصية متنوعة مستقاة من تاريخ الأنبياء، وهذه اللمسات جوهرية غالباً من حياتهم الشخصية الحقيقية.
لكن ضخامة هذه المادة وتكرارها وتوجهها نحو الاجتماعي المحدود والمغامرات العسكرية حيث معارك الفتوات، لم يجعل منها تاريخاً للأديان في المنطقة كما أراد المؤلف، فهي تغيب عن جوهر هذه العمليات الفكرية الكبرى، عن كونها ثورات روحية وفكرية، فتغدو تسطيحاً لها.
والتسطيح يبدو كذلك من جانب تصوير هذه الرموز المقدسة فوق مسرح ذي ديكورات مبتذلة للحارة المصرية، حيث غرز الحشاشين والأغاني والنكات الخ.. وهذه جوانب كلها غيبت الطابع الفكري العميق للرواية، وحولتها إلى ما يشبه الفيلم الميلودرامي المطول.
إن المؤلف يشير إلى تباين مستويات التطور بكلمات مبسطة كأن يصف العرب بما أطلق عليهم بأنهم حي «الجرابيع» وهو اصطلاح لتحديد البداوة، لكن هذا الاصطلاح لم يستطع أن ينفذ إلى الدين ويكشف دوره فيه.
وهكذا فإن هذه التبسيطية الروائية التجريدية سوف تعطينا لوحة كاريكاتيرية عن الأديان وليس الأديان نفسها.

يمثل عرفة حسب تلك التخطيطية الروائية مسألة العلم والمعرفة، وهو يأتي إلى الحارة متجهاً إلى حي رفاعة، الذي يعبر حسب رموز الرواية عن العالم المسيحي الغربي، رغم إنه في المشرق العربي!
«فاشارت المرأة إلى ربع في حي رفاعة وقالت ــ هناك بدروم، خلا مذ ماتت ساكنته حرقاً يرحمها الله! »، (10).
إن سكن عرفة في الحي المسيحي المرمز يدل على أن الراوي يدرك كون الثورة العلمية والصناعية تمت في أوربا، ثم يجسدُ عرفة وأخاه حنش بشكل تخطيطي كالسابق، فهو له علاقة بالتجريب والاكتشاف الصناعي ويسميه السحر، وبدأ يمارسُ أعماله هذه المركزة على صنعِ قنابل زجاجية، فتغدو بمثابةَ نفيٍّ للعصي التي يستخدمها الفتوات، فيتركز التحديث والانقلاب الصناعي في مسألة القوة العسكرية، وهكذا فإن العملية الاختزالية تتواصل في رمزية عرفة.
وهو يساير خطوات الأنبياء برفض الفقر وتحكم الناظر والفتوات ويريد الازدهار والغنى للناس، لكنه انتهازيٌ وتقنيٌ منسلخٌ عن الإرث الديني، فهو يقول عن أهالي الحارة الجبلاوية:
«كل واحد يفاخر برجله بغباء وعمى، يفاخرون برجال لم يبق منهم إلا أسماؤهم، ولا يحاولون قط أن يجاوزوا الفخر الكاذب بخطوة واحدة! أولاد كلب جبناء.»،(11).
إن وعي عرفة ولغته التعبيرية توضح إن هذا العلم التقني ليس هو طريقة وعي علمي، فتغدو الأديان كما صورها الراوي ــ المؤلف، تخطيطات اجتماعية غير ذات جذور عميقة في الوعي والسلوك والاقتصاد، فهي ليست بنية لديه، وهكذا عبر عدة زجاجات حارقة تستبدلُ النبوتَ، ويمكن إقامة تحول وأزدهار، وهي لغة تتماشى مع وعي سلامة موسى بإمكانية إزالة الأديان عبر العلم والتقنية.
بطبيعة هذا الوعي الفني لا يمكن تشكيل بنية معمقة، فـتــُستعاد البنية السابقة بطرقها الترميزية التجريدية وذلك بتشكيل المرأة كرمز للأرض، فعرفة يحب عواطف التي يقتلُ أحدُ الفتوات أباها، وهي تقبلُ بالزواج من عرفة ثم تعارضه حين يكون مجرد أداة في آلة الناظر الاستغلالي، وحين يخونها ويخون مثله.
كما تــُستعاد أيضاً صراعات الفتوات كرمز لصراع الأديان، وترتفع ممارسة عرفة التقنية بحيث يتمكن من صنع زجاجات كثيرة مدمرة، ولكن هذه التقنية تقع تحكم الناظر الذي يرمز هنا لتحكم الدول الغربية في العلم وتوظيفه لاستغلالها وهيمنتها، فتحول من رمز للإقطاع للرأسمالية!
ويتم انتقال عرفة للعيش قرب منزل الناظر، وتتم إبادة الفتوات ويتم أسر العلم، ويعيش عرفة التناقض بين انتمائه للناس وبين السيطرة عليه من قبل الناظر، فيخون الأخير ويعود للجمهور لكنه يــُـقتل ويذوبُ حنش أخوه في هذا الجمهور وعداً وأملاً بأن العلم سوف يتجاوز الأديان ويعود منتصراً ملغياً التخلف والظلم.
«المهم إن الناس عرفوا الرجل، وما كان ينشدهُ من وراء سحره للحارة من حياة عجيبة كالأحلام الساحرة. ووقعت الحقيقة من انفسهم موقع العجب فاكبروا ذكراه ورفعوا اسمه حتى فوق جبل ورفاعة وقاسم»،(12).
بطبيعة الحال إن هذا الرفع لم يتم بل أن الأديان استعادت نفوذها بشكل أكبر في المشرق خاصة، وهذا الحلم التفاؤلي مرتبط بالنزعة العلمية التقنية التي كانت مدرسة سلامة موسى ولويس عوض تعتقد بانتصارها الوشيك، لكن محفوظ حاول أن يخلق وحدة بين الأديان والمدرسة العلمية التقنية تلك، والتي كانت ضعيفة في دراسة الــُبنى الاجتاعية العربية الإسلامية.
لقد تجاوز محفوظ تلك المدرسة بمحاولةِ تغلغلهِ في الإرثِ الديني وإقامة صلة معه، لكن من خلال منهج عدم التغلغل في جذور الأديان، ومن خلال رؤية تضاد شبه مطلق بين الأديان والعلم، وليس بإقامة صلة بين الوعي الديني الديمقراطي والوعي العلمي الديمقراطي، فهما وجهان لعملة واحدة، بشكلٍ تاريخي نسبي.
أما الوعي الديني الدكتاتوري والوعي العلمي الدكتاتوري فكل منهما يمثل إجتثاثاً للآخر بدون إمكانية لتحقيق الاجتثاث، لكن في بداية النهضة العربية الحديثة كان الوعي النخبوي العلموي يعيشُ على تلك التناقضات المطلقة بدون وعي جدلي يتعمقُ البنى والتداخلات بينها.
ولهذا فرواية «أولاد حارتنا» تمثل هذه العلموية التي تشربت روحاً ديمقراطية شعبية، فكشفت طبيعة الأديان كثورات، بعملية تحليلية فنية اختزالية، كما قرأت ثورة العلوم بذات الطريقة، وكان إنتاج هذه الرؤية داخل مبنى الرواية يمثل إشكالية بتجسيد الرموز المقدسة في مثل هذا الأطار، لكن كانت تلك خطوة على طريق نجيب محفوظ الطويل في تحليل الواقع فنياً وعبر التجريب والبحث المشروعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش الفصل الخامس
(1): رواية أولاد حارتنا، دار الآداب ، ط 9، ص 5.
(2)المصدر السابق، 5.
(3) المصدر السابق ص 11.
(4): المصدر السابق، ص 11.
(5): المصدر السابق ص 12.
(6): المصدر السابق، ص 115.
(7) المصدر السابق، ص 144.
(8): (هذا التأريخ التوراتي عن الألوهية سوف يستبدله محفوظ بعرض آخر في رواية (العائش في الحقيقة) التي سوف تصدر بعد عقدين من السنوات.
(9) أولا حارتنا، ص 116 – 117.
(10): المصدر السابق، ص 451.
(11): المصدر السابق، ص 457.
(12): المصدر السابق، ص 552.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية

تحديث نجيب محفوظ

screenshot_٢٠١٦-٠٩-٢١-٠١-٢٥-٢٢-383581234..jpeg

يرى نجيب محفوظ التيارات الفكرية وتاريخ المنطقة الديني من خلال الحارة المصرية، فهي المستودع الذي تعيش فيه تمثلات الفلسفة العالمية وانعكاساتها وحكايات الأنبياء وأصداء صراعات العالم.
ولهذا فتاريخ العرب وحضارتهم لا تتشكل عبر أعمال خاصة، بل هى موجودة كأصداء فى شخوص الحارة حين تظهر نماذج الدينيين. وقد سبق لمحفوظ أن ساير السينما المصرية في تصور العرب باعتبارهم البدو الذين يعيشون في صحراء سيناء، كما فعل في الفيلم الشهير الذي أعده كسيناريو للسينما باسم (عنترة وعبلة) في أواخر الأربعينيات، وهكذا كانت قبائل الجاهلية تتكلم باللهجة البدوية لعرب سيناء!
ومن هنا كانت رموز التراث التي تظهر لأبطال الحارة أثناء صراعاتهم الداخلية والعامة كما جرى الأمر في رواية (ثرثرة فوق النيل)، فهي رموز من التراث الفرعوني، الذي هو باعث للهمة وللنهوض (القومي). وفي الوعي المصري الليبرالي كان التفريق بين الوطني والقومي غير واضح.
إن رواية (ثرثرة..) تواصل خط الرواية الفلسفية الذي اتبعه محفوظ، وبطلها الرئيسي هو إنسان مسطول (أنيس زكي)، ويعيش مع شلته فوق ظهر عوامة على النيل، وهي رموز واضحة لمصر أو للقاهرة على وجه الخصوص، ولكن اختيار بطل مسطول ولديه ماض وطني مقموع أو مغيب، هو شكل التجلي للرؤية الليبرالية المقموعة في العهد الناصري، والتي تبحث عن انثيالاتها وتداعياتها من خلال مونولوج البطل المسطول وجماعته من المدمنين السكارى
الغارقين في المتع والنشوات و(الأنس).
وفى حين كان الخارج يتحدث عن معارك ( الاشتراكية) والتأميم، وإزالة الطبقات وضرورة تطوير الوعي، كان الأمر في العوامة يجري على نقيض ذلك، حيث كان تغييب الوعي وسحقه، والانقطاع عن معارك الخارج كليةً.
بل إن الخارج نفسه كان متناقضاً ففي حين يتم الحديث عن فوارق الطبقات كانت الطرقات تكتظ بالسيارات الخاصة، ص72.
فلماذا كان هذا التباين الشديد بين الخارج والداخل، بين ما يجري في الدولة وما يجري في العوامة (مصر) ؟ ما الذي يوحد (الاشتراكية) بالحشيش ؟!
ان البطل المركزي الذي تجري الرواية حول تداعياته هو موظف عتيق، يشبه فى عمره ووظيفته الكاتب محفوظ نفسه، ولكنه لا يكاد يفيق من إدمانة سواء في العوامة أم خارجها، وتجري الانثيالات في أحيان عديدة حول الماضي وأمجاده، في حين ان الحاضر هو كابوس!
كابوسية الحاضر تتجلى في الشخوص التي تحضر العوامة وتمارس طقوس الغياب والفرح الفارغ، وهي شخصيات طفح بها واقع العوامة المصرية في ظل الدكتاتورية الوطنية العسكرية، فهي نماذج من الكتاب والصحفيين والفنانين والفنانات المتسلقين والانتهازيين، الذين خلوا من أي فكر أو فن عميق، حيث يمارسون ترديد الشعارات عن الاشتراكية والتقدم في الخارج، ويمارسون تذويب ما بقي من شخصياتهم في دخان الحشيش، وقد غدت العوامة غرزة من الغرز؛ وكأن مصر قد منع فيها التفكير وانطفأت جذوة الوعي والحوار.
إن النقد العميق للشمولية، والذي يجري من جهة السلب فقط؛ والذي يقارن بعهد الحريات الفكرية السابق الغائب في ومضات لا تكاد تُسمع في هذيان البطل، أو بعهد النهضة الفرعونية، ان هذا التقد يتخفى ويتوارى كثيراً، فهو الصوت الديمقراطي الروائي شبه الوحيد في علم الصحافة الرسمية الجماهيرية (حيث تُنشر الرواية على حلقات في جريدة الأهرام: المتحدث الرسمي بلسان الانقلابيين العسكريين).
إن عدم رؤية نجيب محفوظ أي جانب إيجابي في ثورة يوليو52؛ هو بطبيعة الحال عملية ناتجة من المنهج الفني التجريدي العام، الذي يقولب التجربة الإنسانية في قوالب رمزية متضادة، أي ليس هو منهج تحليلي فني يغوص في تضادات التجربة الملموسة، بل هو يسقط عليها آليات وعيه الليبرالية في تضاداتها المطلقة فهناك: اما حرية وإما استبداد، اما ديمقراطية وإما دكتاتورية، اما تقدم وإما تخلف الخ، أي لا يرى ان هذه التضادات ليست مطلقة، بل متداخلة، وان الإيجابي والسلبي في كيان واحد متصارع، وان مصر ليست عوامة فقط بل مصنع وسد ومعارك، تقدم وفساد… الخ.
ولهذا نرى البطل المحوري ذا الماضي الوطني، وهو صدى سوف يتكرر بشكل عام، ينسحب كلية من الصراع، ويتلاشى وعيه في سحابة كثيفة من المخدر.
لكن ليس هذا التصوير السلبي مطلقاً، فشخصية صحفية شابة ناقدة وواعية ( سمارة بهجت )، تتغلغل في هذه العوامة وتفضح رموزها، ولكن الفضح يتجه لكي يستعيدوا وعيهم ويناضلوا، ولكن بأي اتجاه؟
بالضد من هذه الشخصيات السلبية والفاقدة للوعي، هناك حارس العوامة (عم عبدة)، تلك الشخصية الشعبية المتوارية واللغز، التي تمسك بيديها حبال هذه العوامة وتستطيع أن تدعها تغرق في النيل، وهى رمز لشخصية الشعب، وجذوره المصرية القديمة، ولتنوع هذا الشعب وعمره المديد وتضاداته الأخلاقية وصبره ونضاله اليومي الصبور الدؤوب، بعكس فئات وسطى عديدة ثقافية غارقة في التفاهة.
وفي هذه الرواية الساخرة الناقدة هناك عشرات من الموتيفات التي ترجع لتاريخ مصر القديمة، وكلها تنثال من خلال لا وعي الحشاش الأكبر أنيس زكي، فيجمع محفوظ النقد المرير بالضحك
والفرجة، وهي تقنية شديدة المكر.
لهذا فإن شخصية الدكتاتور هي الحاضرة كثيراً في تداعيات أنيس زكي، وهو شخصية مثقفة مولعة بالتاريخ، ولهذا فلا تناقض بين عمليات استرجاعها لشخصيات وكلمات مثل نيرون والفاشية والفرعون الطاغية.
يقول فى أحد السطور: إنه لم يكن عجيباً أن يعبد المصريون فرعون ولكن العجيب أن فرعون آمن بأنه اله، ص23 .
ويواصل نقد التجربة:
(كل قلم يكتب عن الاشتراكية على حين تحلم أكثرية الكاتبين بالاقتناء والإثراء وليالي الأنس في المعمورة. .)،56.
ويبكي فرعون وهو في أسر قمبيز الفارسي الغازي قائلاً عن أحد جنوده: هذا الرجل! طالما شهدته وهو في أوج أبهته فعز عليّ أن أراه وهو يرسف في الأغلال!
وياتى البديل على شكل ساخر بأن يقوم هؤلاء الحشاشون بتنظيم أنفسهم وكيف يحققون الاشتراكية على أسس شعبية ديمقراطية لا زيف فيها ولا قهر..، ص 100.
ويوجه محفوظ خطاباً غير مباشر في الرواية إلى جمال عبدالناصر حيث يقول على لسان حكيم مصري قديم:
(ما هذا الذي حدث في مصر/ إن النيل لا يزال يأتي بفيضانه / إن من كان يملك أضحى الآن من الأثرياء) ثم تأتي الرسالة:
(لديك الحكمة والبصيرة والعدالة/ ولكنك تترك الفساد ينهش البلاد/ انظر كيف تمتهن أوامرك / وهل لك أن تأمر حتى يأتيك من يحدثك بالحقيقة ؟) ص 126.
ويتضح المنهج الترميزي التجريدي في تصويره للشعب من خلال نموذج بواب العوامة، فوضع الشعب داخل قالب شخصية متفردة، مهما كانت عملقتها، لا يستطيع أن يكشف دورها الحقيقي وتناقضاتها وتراكم الوعي والمواقف فيها.
ولكن هكذا كان الشعب لدى محفوظ خلفية لمواقف الفئات الوسطى، حيث تكمن القيادة لديها.
إن الرواية التي انعكس فيها تاريخ المنطقة الديني هي رواية (أولاد حارتنا)، وهي الرواية التي أثارت الضجة، وكما نرى فإن وجود كلمة حارتنا، يشير إلى أن هذا التمثُل المستمر للواقع أو للتاريخ الديني والفكري، عبر الحارة وموتيفاتها وأجوائها. وهو أمر سيكرره محفوظ أيضاً في روايته (الحرافيش).
وموتيفات الحارة الشعبية كمهنها وأوقافها ومقابرها… الخ، هي عملية تحليل طبقية أخذ محفوظ يشكلها بدءاً من رواية (زقاق المدق)، ونظراً لتركيزه على الفئات الوسطى، التي لها دور محوري قيادي يعكس الرؤية الليبرالية التى يؤمن بها، فقد جعل هذه الفئات فى مقدمة المشهد الروائي، وتمثل خياراتها الأخلاقية والفكرية جوهر الصراع الروائي.
لكن العملية الروائية بتوسعها المستمر لتحليل أزمة هذه الفئات الوسطى، وعجزها عن إعادة تشكيل المجتمع المتخلف باتجاه الحداثة والتقدم، كان لا بد للكاتب من البحث عن سر فشلها، وهنا لا بد من بحث علاقاتها مع الشعب العامل، مادة هذه الفئات الوسطى البشرية، في إعادة تشكيل الحارة المتخلفة، أو عوامة الغياب.
لكن محفوظ نفسه لا يمتلك تجربة في التعامل مع العمال والفلاحين، فى مصانعهم وحقولهم، ولهذا فقد راح يحللهم من خلال شخوصهم التي دخلت الحارة. ولهذا فإن المادة البشرية المتنامية عنهم تأخذ في التوسع والتبدل، لكنهم يظلون كجمهور خلفي، أو كرمز للشعب أو التاريخ القديم، فلا يتدخلون كقوة اجتماعية فاعلة مغيرة لنماذج الفئات الوسطى الحائرة والمتصارعة.
إن اتساع وجودهم نلحظه في الثلاثية بدلاً من الروايات التاريخية التي كان فيها الشعب أشبه بالعدم، ثم يتنامى هذا الحضور في الروايات الكبيرة (الملحمية): أولاد حارتنا، والحرافيش.
ولكن تظهر موتيفات الحارة هنا لكى تعوض غياب التحليل الاجتماعي والاقتصادي في الأعمال السابقة، فتركيز محفوظ على مسألة (الوقف) فى هاتين الروايتين الملحميتين، لا يشير فقط إلى الجذور الاقتصادية للصراع الطبقي، بل أيضاً إلى عملية التضفير بين نضال الفئات الوسطى والجمهور الشعبى، الذي سرقت منه هذه الأوقاف ووضعت في خدمة الأقليات المستمرة في إنتاج وجودها عبر التاريخ.
وتطرح هذه الرواية معضلات التطور في المنطقة بشكل رمزي، وهنا نرى خروج محفوظ من المادة المصرية المحضة، ولكنه جعل تطور الوعي الدينى يمر من خلال عدسة هذه الحارة المصرية، وهكذا فإن المثقفين الذين يظهرون تباعاً: أدهم، وجبل، ورفاعة، وقاسم، وعرفه، يشكلون علاقة نضالية مع سكان الحارة الفقراء، ويقيمون تصحيحاً لوضع (الوقف) الذي احتكرته القلة الظالمة.
ولكن العلاقة التي يقيمونها مع الجمهور هي التي تتيح لبعضهم أن ينتصر، ويسحق (الفتوات)، ولا نعرف أسباب هذه التكرارية في البعث، أي في تكرار ظهور الشخصيات الفاعلة، وفي غياب الإرادة والفعل لدى الجمهور الذي يظل مادةً للفعل التاريخي لشخصيات الفئات الوسطى.
نقول الفئات الوسطى، على الرغم من كون الرواية تقوم بإعادة إنتاج للتاريخ الديني من خلال التمثل المجازي، والقناعي، والرمزي، فهي لا تناقشن فقط التاريخ الديني، بل أيضاً وجود الأديان في الحارة المصرية كذلك.
إن وجود الشخصيات المثقفة الفاعلة يجري في مشهدية الحارة، وبالتالي من أجل تغيير السلطة والإنتاج، الذي يأخذ سمة مجردة هي (الوقف).
والوقف والأحباس هي الأملاك التي تُوضع من قبل السابقين للصرف على الفقراء والمحتاجين، وهي بالتالي لا ترقى كرمز إلى مسألة قوى الأنتاج، بل هي ذاتها ملكيات تشير إلى عالم الملكية الإقطاعية الدينية، الذي هو عقبة أمام تطور العلاقات الاقتصادية الحديثة.
ولكن الرمز هنا يشير إلى الملكية العامة، بشكل مجرد، أي بشكل مُنتزع منه الجذور التاريخية، ليوضع في دورات تاريخية مجردة هي الأخرى، وإن أُلصق بها بعض السمات التاريخية الملموسة، لتعطي الشخصية الفنية مماثلةً خارجية ترميزية للشخصية الحقيقية التاريخية.
وهذه المماثلة الخارجية الترميزية أفقرت الشخصية الفنية، كما قامت بتكرارها، عبر تكرار أنماطها ومعاركها من أجل الوقف نفسه.
إن الوسط وهو الحارة لا يتغير، كما أن أهل الحارة، أي الشعب الذي كان يُفترض فيه تراكم هذه التجربة التاريخية الثرة، لا يتغير ويظل في موقعه التحتي، كمادة طينية تنتظر المثقف الفاعل.
وهكذا فإن هذه الرواية القائمة على التخطيطات الترميزية فقدت المادة الحية، ولعلها أظهرت إشكالية المنهج الفني القائم على التجريدات المطلقة الُمعممّة.
لدينا مجموعة مركبة من الملاحظات حول رواية «أولاد حارتنا»، فهنا لأول مرة في سياق الوعي الليبرالي المصري، المتحدر من سلامة موسى ولويس عوض، نجد عمليات التحليل للتاريخ الديني في المنطقة؛ وتاريخ الإسلام بصفة خاصة، ولأول مرة يجري اعتبار الإسلام ثورة تمثل استمرارية للنضال الثوري الذي قام به الأنبياء، وبالتالي حدثت انعطافة عن التفكير الليبرالي السابق، الذي وضع الميراث النضالي الديني في سلة التخلف.
لا شك أن هذه الانعطافة المحفوظية تشير إلى الريادة والطليعية اللتين قامت بهما الرواية الواقعية عند محفوظ في الحفر تحت أساسيات الحارة المصرية، ورؤية أنها جزء من تاريخ المنطقة.
كذلك فإن هذه الرؤية استطاعت النفاذ إلى عملية الصراع الاجتماعي الذي خاضته الأديان في بواكيرها ضد الاستغلال، ثم تمكن القوى المستغلة من إعادة الأمور إلى سابق عهدها .
لكن الرواية تعجز عن الإجابة عن أسئلة جوهرية في رؤية مسار هذه الأديان، وتلاوينها وتياراتها وتعبيرها عن مناطق وقوى معقدة، فتقوم بنسخها في «موتيفات» عامة، تجعلها هياكل شاحبة أمام الأصل الحي والغني بالألوان.
وهنا تكشفت طريقة محفوظ الروائية الترميزية التي تضع الأفكار فوق هياكل عظمية من الشخوص، حيث يقوم وعي |لقارىء بالمقارنة المستمرة بين الأصل والنسخة المحفوظية لتاريخ الأديان.
من جهة أخرى، تبين هذه الرواية دور المرجعية الغربية التحديثية ودورها المركزي في وعي نجيب محفوظ، فسلسلة الأديان تنتهي بـ«عرفة» الذي يرمز لدور العلم وتغلبه على دور الأديان، واعتباره البديل الحديث عنها، ولكنه لا يقوم بتغيير الحارة عبر الكفاح السلمي بل عبر العنف والديناميت، وهو ما يشير كذلك إلى ارتباط عرفة بالماركسية، وقيامها بالتغيير عبر الصراع المسلح ضد الأنظمة القديمة، لكن عرفة يخلي السبيل إلى رمز علمي وثوري آخر يعقد التصالح مع الميراث الديني ويقوم بالنضال السلمي؛ وهو ما يشير إلى نزعة الديمقراطية الاشتراكية التي انتهى إليها نجيب محفوظ وتياره الفكري التنويري في مصر، أي تيار سلامة موسى ولويس عوض. وهو تيار بقي ثقافياً نادراً في وسط تيارات الشمولية الاستبدادية العنيفة المنتشرة.
ولكن محفوظا تجاوز التيار «الفرعوني» العازل لتاريخ مصر عن المنطقة، رابطاً الأخيرة بتطور الفكر في العالم، مما يشير إلى تجاوز الرواية الواقعية المحفوظية الدوائر المغلقة الوطنية والإقليمية الضيقة، وإذا كان ذلك قد جرى بتخطيطية روائية ترميزية، إلا أن أسلوب الرواية النوعي، القائم على العرض المشوق، ولغة البساطة، قد جعل من التجاوز المحفوظي الفكري حدثاً واسع النطاق، مما فتح للوعي التنويري والنهضوي إمكانيات تجاوز التناقضات الفكرية المطلقة القائمة بين الأديان والحداثة، بين الماضي والمستقبل.
وهكذا فإن هذا التجاوز الذي تم بادوات الرواية، سوف يتشكل فى دوائر الوعي الأخرى عبر أدواتها الخاصة، وسيقوم مفكرون آخرون بوضع الحارة ليس كجسم جغرافي فقط، بل ايضاً كجسم تاريخي مركب، متعدد الحارات عبر المناطق والمراحل والقوى الاجتماعية، وعبر التراكم والتقاطع الفكريين، أي سيتحول إلى بحث اجتماعي وثقافي ولغوي واسع الاجتهادات.
لكن تبقى الخلاصة المحفوظية، هذا الحدس الفني العميق، عملية رائدة في تاريخ الوعي في المنطقة، وقد حاول عبر «أولاد حارتنا» أن يستعيد بساطة وحيوية وعظمة الكتب الدينية؛ التي يتجلى فيها الأسلوب السهل والعميق وذو الآثار التاريخية الكبرى.
إن المثقف التنويري عبر نجيب محفوظ وصل إلى الخلاصات الكبرى، ونستطيع أن نعده أحد «أولاد حارتنا» الذي واصل فعل الرسالات العظيمة بنكرانها لذاتها وتضحيتها ودفاعها عن الوقف المسروق ونضالها لتطوير حياة العاملين.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تحديث نجيب محفوظ

تنوير نجيب محفوظ

nagib

الكاتب والروائي العربي نجيب محفوظ من رواد التنوير القلائل الذين اتخذوا شكل الرواية وسيلة للتفكير العميق في شئون الحياة الاجتماعية المصرية والعربية، وإذا كان قد بدأ في الثلاثينيات كتاباته الفلسفية فسرعان ما تركها مركزاً على العمل الإبداعي؛ بادئاً هذه الحياة بمجموعة من القصص القصيرة (همس الجنون) ثم رواياته التاريخية الثلاث: عبث الأقدار – رادوبيس – كفاح طيبة.

اتخذت الروايات الثلاث تاريخ مصر القديم الفرعوني مادة لها، وكان هذا تعييراً عن المنحى الليبرالي المتجاوز للفترة العربية الإسلامية، باعتبارها فترة التخلف حسب رؤية المنحى الليبرالي التنويري الذي شكله سلامة موسى ولويس عوض، والذي كان نجيب محفوظ قريباً من نفسه الفكري، فيلاحظ في الثلاثية، الرواية الكبرى في عمل محفوظ، تخصيصه لسلامة موسى فصلاً، وذلك حين يلتقي كمال عبدالجواد، بطل الرواية المثقف والباحث عن الحقيقة، رئيس تحرير مجلة كانت تعني إحدى المطبوعات التي أصدرها سلامة موسى.

وكان صوت التنويرية العلمانية (المتغربة) قد تردد بشكل متقطع في العديد من الشخصيات الثانوية، على سبيل المثال في (خان الخليلي) حيث المثقف الذي يردد أسماء ماركس وفرويد ودارون..

كانت هذه التنويرية الليبرالية تنمو في أعمال نجيب محفوظ بصورة دائبة، وتعبر الروايات التاريخية الثلاث سابقة الذكر، عن المنحى الوطني المصري الذي تشكل في بدء القرن، حيث مصر هي شخصية تاريخية قائمة بذاتها، وليس جزءاً من المحيط العربي، وهي تطمح عبر فئاتها الوسطى النامية إلى الالتحاق بالضفاف الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، ومغادرة عالم التخلف بتاريخها الثر، وقد ربطت الفئات الوسطى هذه العملية الانتقالية بالتحرر من الاستعمار البريطاني والسراي الملكي التركي، والعائلات التركية والشركسية الإقطاعية.

لكن القوى الإقطاعية المختلفة: السلطة البريطانية والملكية والإقطاع الديني، قاومت الفئات الوسطى الليبرالية وحزب الوفد

وتجليات الحداثة المتنوعة. وروايات نجيب محفوظ هي لوحة واسعة لهذا الصراع الذي خاضته هذه الفئات من أجل التحديث والوصول للسلطة وبرجزة المجتمع المصري التقليدي.

ولهذا نستطيع أن نقسم أدب محفوظ إلى ثلاث مراحل، المرحلة الأولى هي مرحلة الثورة والصعود، والمرحلة الثانية هي مرحلة الهزيمة والانكفاء، التي ترافقت مع مجيء ثورة ٢٣ يوليو، والمرحلة الثالثة هي مرحلة العودة للحلم.

ومن هنا كانت الروايات التاريخية هي بداية هذا الصعود لصوت الفئات الوسطى المصرية لتشكيل عالمها، ولكن نجيب محفوظ باتخاذه مادة تاريخية من التاريخ القديم، كان يشكل تضاد؛ مع حلمه وتجسيداته، فهذا التاريخ الفرعوني يكاد يخلو من وجود فئات وسطى مستقلة عن الهيمنة الفرعونية الاستبدادية، ولهذا فإن محفوظ أضفى صفات وطنية وإنسانية على الحكام الفراعنة.

أن إضفاء نجيب محفوظ صفات الوحدة الوطنية الصلبة على جسم المجتمع المصري القديم, وجعل الحكام الفراعنة ملتحمين بالناس, وبتصويره عدم وجود تناقضات داخلية في جسم هذا المجتمع, كان يضفى طابعاً رومانسياً على التاريخ الوطنى, كصدى للعملية السياسية الجارية في وقته.

كذلك كان يقوم بعملية نقد للجسم الإقطاعى الذي تكدس فوق الجسد الوطنى المصري على مر التاريخ, سواء بتجاهله للتاريخ العربى, أم بنقده للسيطرة البريطانية التركية على مصر.

ولكن هذا النقد تم بلبس الملابس التاريخية, وهنا كانت الأدوات الفنية تنمو بالتداخل والصراع والتعاون مع الرؤية التي كانت في غبش الظهور والتشكل.

ولهذا جاءت مرحلة الرواية الاجتماعية المعاصرة، أي حين تم ترك الموضوعات التاريخية القديمة، وبدأ بتحليل المجتمع المعاصر. وهذه المرحلة هى التى استمرت طوال تاريخه الفنى إلا من عودة وامضة للتاريخ الفرعوني مرة أخرى.

وقد بدأت المرحلة الاجتماعية بشخصيات مركزية من الفئات الوسطى، وهى بؤرة الفاعلية الكفاحية لهذا المجتمع وللطبقة الوسطى التى هى في سيرورة الممكن، وليس التشكل الناجز, وإلا ما كان هذا الأدب.

ومن هنا كانت عمليات تحليل هذه الفئات ونقدها لتقوم مهمتها التاريخية في تشكيل مجتمع الحداثة, لتكون (طبقة) طليعية, فإذا تتبعنا روايات مثل: القاهرة الجديدة، وزقاق المدق، وبداية ونهاية، فسنجد عرض الشخوص السلبية والإيجابية بين هذه الفئات المضطربة في توجهاتها, التى تقع الشخصية السلبية في بؤرة العرض الفنى فيها , وهى التى يتوجه العرض لتحليلها وتبيان فشل طريقها, كما حدث لمحجوب عبدالدايم في القاهرة الجديدة الذي كان تجسيداً للانتهازية الفاقعة في بيع ذاته

للوصول إلى الثروة والمناصب, والذي أسس لنفسه مبادئ عدمية هى تعبير عن الالتحاق بالإقطاع الحاكم المخرب للذمم والنفوس, وعدم شق طريق نهضوي تترافق فيه الكرامة بالحرية والديمقراطية.

وإذ يُعطى نجيب محفوظ أطيافاً من شخصيات مرافقة للبطل المركزي, غالباً ما تعكس أطياف التيارات في الفئات الوسطى, فإنه لا يقوم بتحليلها, بل يجعلها كمرايا تبين الجوانب المضادة عند الشخصية الرئيسية.

فحميدة في زقاق المدق هي الانتهازية والذاتية المريضة التى تبيع جسمها هذه المرة للوصول إلى حياة مرفهة, حتى لو كانت بين أحضان الجنود الإنجليز وقواديهم.

لكن الطريق الكفاحى الشعبى يتجسد فى عباس الحلو, الحلاق البسيط الذي يريد ان يتزوج حميدة, ورغم سطحية الترميز هنا بين حميدة ومصر, وعباس والمستقبل, فإن محفوظا لا يقوم بالتحليلات المعمقة في الصراع الاجتماعى, أي لا يرينا كيف يمكن أن يتطور عباس هذه الشخصية الشعبية ليصبح رمزاً نضالياً, فيعتمد هنا على الخطوط الاجتماعية العامة المنمطة والشخوص.

وهذه العملية تعبر عن نظرة محفوظ المنبثقة من الفئات الوسطى التى ترى ذاتها مركز الفعل, في حين أن الشعب والقوى الفقيرة تظل مادة للفعل القادم من الخارج.

وهذا ما نراه أيضاً في (بداية ونهاية) حيث العائلة التى مثل الفئات الوسطى, واتجاهاتها الاجتماعية المحدودة هذه المرة, ولكن الفئات الوسطى هنا تدخل طور أزمة شديدة, حيث موت الأب يعنى شبه انهيار للعائلة, التي تجد نفسها أمام سبل الخيارات الاجتماعية, بين موقف انتهازي تسلقى يمثله الأخ الأصغر الذي يصبح ضابطا, وبين موقف الأخ الأوسط الذي يواصل سيرة عباس الحلو وسيرة الكدح الصابر المتواضع النبيل.

لكن اتجاه الانتهازية والرخص والغرور المتمثل في الأخ الضابط وأخته نفيسة التى تبيع جسمها, يقوم بتدمير العائلة مجدداً.

أن هذه الروايات المتعددة التى استغرق نجيب محفوظ في كتابتها عشرين سنة تبين عملية التفكير الفنى المتواصل في مادة الحياة, الذي بدأ بنسج العلاقة بين فكر التنوير والناس, حيث لا يصبح الشعب مادة مجردة بل شخصيات حية, وصراعات اجتماعية, فكيف يحدث التقدم وكيف تنتصر إرادة التغيير لديه؟

يُلاحظ في هذه المادة الروائية الاجتماعية التصاقها بمادة ملموسة وبحيثيات حياتية اجتماعية, أكثر منها مادةً سياسية وفكرية, فالاتجاهات السياسية والفكرية لا تظهر, إلا كأصداء بعيدة خافتة.

لكنننا نستطيع أن نرى مادة الوعى المتنور في تصوير العلاقات المتضادة بين الشخوص, و في الانهيارات المستمرة في الوعى الانتهازي, وفي تصعيد نماذج الإنسان البسيط من هذه الفئات الوسطى كنموذج للعمل والتضحية والصمود.

أن محفوظا لا يحشر الأسئلة الكبرى الفكرية والفلسفية في هذه النماذج, ولكن هذه الأسئلة غائرة في عملها وموقفها المجسد, كذلك فإن التيارات تحصل على رموزها من الشخوص العرضية غالباً, فالرمزان الدينى والتقدمى باطيافهما, هما منتشران دون أن يكون لهما حضور حقيقى. فقط النموذج المركزي القادم من الفئات الوسطى وهو أمل تكون الحداثة, هو الذي يحاور الشعب سلباً أم إيجاباً, ويحاوره عبر الأمثولة التي يقدمها وليس بالعلاقة النضالية معه.

عبرت ثلاثية نجيب محفوظ وهي (بين القصرين؛ وقصر الشوق، والسكرية)، عن التطبيق الملحمي الواسع للعناصر الفنية والفكرية السابقة الذكر.

فمحفوظ يعرض الفئات الوسطى، بل يختار عائلة كاملة هي عائلة تاجر متوسط، ليعرض نماذجها وعلاقاتها الاجتماعية والسياسية والفكرية. وهناك التمثل الرمزي الذي غالباً ما يشكله الكاتب بين مادته الفنية، والتطورين الاجتماعي والسياسي، فهذه العائلة تعبر عن حالة البلد في خلال نصف قرن من التطور، وكما تتعرض السلطة الدكتاتورية للاهتزاز والضعف الشديد، كذلك فإن سلطة احمد عبدالجواد الأب في هذه العائلة، تتعرض هي الأخرى للضعف وبداية الهزيمة.

إن محفوظ هنا استطاع أن يجسد النظام الإقطاعي بمستوياته المتعددة، السياسية في النظام الملكي وفي الأرستقراطية، وفي الهيمنة الذكورية الاستبدادية المتجسدة في تسلط الأب، وتدهور أوضاع المرأة، وهيمنة المفاهيم الفكرية المتخلفة.

إذن فإن الإقطاع بمستوييه السياسي والاجتماعي في طريق الأفول.

يقيّم محفوظ الشخصيات والأحداث التاريخية ليس من خلال عرضها والدخول فيها، بل من خلال انعكاساتها على العائلة المحورية، فهكذا يظهر التاريخ دائماً خارج العائلة، لكنها تتأثر بأحداثه، وإذا كان فهمي الابن المسيس للأب، يغدو شهيداً

ورمزاً للكفاح الوطني، فإن العائلة لا تشارك في صنع التاريخ، وهنا فنحن أمام عائلة من الفئات الوسطى، يغمرها التاريخ شيئاً فشيئاً، حيث تتفكك علاقاتها الإقطاعية وتتسرب إليها المفاهيم والعلاقات الحديثة. لكن العلاقات القديمة لا تزول، والعلاقات الحديثة لا تنتصر كلياً. فالمسألة ماخوذة على أساس النضال الوطني الديمقراطي العام الذي نسمع به أو نراه أحياناً، ولكنه ليس سوى أحد روافد الرواية.

ومحفوظ في هذه الرواية متفائل بفاعلية العلاقات الحديثة المتوغلة بقوة في البناء الاجتماعي، ويتضح هذا من تغير ظروف المرأة ومواقفها، وبروز نموذج. تقدمي فيها، لكنه أيضاً لا يغفل صعود التيارات الدينية كذلك.

أما ما يمثل بؤرة الرواية فهو الشخصية المثقفة المتنورة المحورية: كمال عبدالجواد، هذه الشخصية التي هي ابن الدكتاتور العائلي، أحمد عبدالجواد، ولكنها هي النقيض الذي ينمو، وهي رمز الفئات الوسطى الحائرة المتذبذبة في تشكيل مجتمع الحداثة.

إننا نشهد في الرواية تتبع طفولة هذه الشخصية، وشبابها وبدء كهولتها، وكيف تتزعزع عملية اعتقادها بالأطر الدينية التقليدية، مشرئبة إلى الأفكار والنظريات الحديثة، ودون معالجة نقدية وجدلية بالإرث الإسلامي المسيحي، بل عبر الانقطاع عنهما، ولكن عبر حيرة طويلة.

ويتوجه كمال عبدالجواد لحب عايدة، النموذج الأرستقراطي، وهي العلاقة الرمزية المباشرة، للعلاقة بين الفئات الوسطى والأرستقراطية، والتطلع إلى الذوبان فيها، واعتبارها هي الحل بديلاً عن تكوين الفئات الوسطى شخصيتها المستقلة وتحولها إلى قوة اجتماعية مهيمنة، ولكن هذا التطلع يفشل لأن عايدة تتوجه لابن طبقتها.

وبعد سنوات يشارك كمال في جنازة دون أن يعرف الميت، فيتضح أن الميت هو عايدة نفسها. لقد ماتت الأرستقراطية كأفق

شخصي لكمال وللفئات الوسطى. وهي نبوءة متسرعة من نجيب محفوظ .

وتتحول أخت عايدة الصغيرة بعد أن تهاوت مكانة أسرة عايدة الاجتماعية، وصارت جزءاً من الفئات الوسطى، إلى مهوى جديد لعاطفة كمال ولكن فرق السن يحول دون ذلك.

ويتضح في كمال الجانب الفكري والرمزي لمخاض الطبقة الوسطى كحاملة للنظام الجديد، ولكن هذا المخاض لا يبدو داخلياً إلا على شكل فكري بعيد الصلة عن تحليل الواقع والإرث الفكري والاجتماعي الديني، حيث إن الكاتب نفسه لا تتمثل لديه الحداثة إلا عبر (التغرب) أي باستيراد الموديل الغربي الجاهز، وليس من خلال إنتاج الحداثة بالصراع في بنية اجتماعية مصرية، لها مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية والإيديولوجية.

كذلك يغدو مخاض كمال التأملي والنخبوي، وهو منهج نجيب محفوظ نفسه، نائياً عن تحليل الصراعات الاجتماعية والمشاركة بها، مما يقود على مستوى مصائر البنية الاجتماعية إلى التفاؤل بالتقدم الحثيث للفئات الوسطى لاستلام زمام

التاريخ المصري.

إن أسرة أحمد عبدالجواد التي تتسع بالمصاهرة تنتج شخصيات تنتمي إلى تيارات دينية (الإخوان) وتيارات تقدمية (الماركسيون)، ومن الملاحظ ان محفوظ يجعل هذين التيارين ينبثقان من العائلة، التي تشير رمزياً للمجتمع والناس

عموماً، ولكنها تشير كذلك إلى الطبقة الوسطى. والرؤية المحفوظية تطابق بينهما.

وقيام عائلة أحمد عبدالجواد بإفراز هذين التيارين الشموليين من داخلها الواعد بالديمقراطية والحداثة، بدلاً من أن يصبح كمال عبدالجواد هو النموذج، مما يعبر عن الأزمة الاجتماعية المتصاعدة، وعدم قدرة تيار الفئات الوسطى الليبرالى على تقديم المظلة الفكرية التي تستظل التيارات الأخرى تحتها، فلا يملك تصوراً ديمقراطياً عن الإسلام يسحب البساط من تحت أقدام التيار الديني الشمولي، ولا يستطيع تقديم الإصلاحات الواسعة لجذب الفلاحين والعمال إلى صفوفه.

وهذا يتبلور في نهج حزب الوفد وتأملية كمال عبدالجواد سواء بسواء.

تنويرية نجيب محفوظ الديمقراطية الحداثية تتحول على مستوى الفن إلى ترميز فكري – اجتماعي، وهذا الترميز يتحول في نهاية المرحلة إلى قالب. وبين حيوية الترميز وامتلائه بالمادة الحياتية، وبين تيبسه وتحوله إلى هيكل عظمي، يقع مشوار محفوظ الأكثر خصوبة .

ونحن إن نركز هنا على التنوير وجذوره ودلالاته السياسية، لا بد لنا من رؤية الترميز وخطوطه العريضة. فكما رأينا صاغ محفوظ بنيته الفنية على أساس تطوير فاعلية الفئات الوسطى للتحول إلى قوة تغيير للمجتمع التقليدي، وعبر شخوص تصارع قيماً متضادة، فهناك الوطن أوالاحتلال، الحداثة أو التخلف، العلم أو الدين، الحرية أو  الاستبداد.. الخ.

وقد شكل الوعي العربي التحديثي بناءه على شكل متضادات شبه مطلقة كالسابقة، أي عدم قدرته على التضفير العميق بينها، وهذا الوعي الذي استظلت به بنية محفوظ الفنية، ولكن هذه الرموز لم تنفصل عن البناء الاجتماعي، فكمال الذي يرمز للوطن الحديث المتشكل تقابله عايدة التي ترمز للأرستقراطية الآفلة، ولكن الترميز لا يخلو هنا من شحنات شخصية واجتماعية ملموسة تكاد تغيب الرمز.

وهكذا يؤسس محفوظ رؤيته للتيارات ونموها وصراعها على شكل شخوص متضادة، وكانت لديه مشروعات روائية قبل ثورة ٢٣ يوليو ٤١٩٥٢ لكنه توقف عنها وبدأ مسيرة فنية مختلفة.

إن انتكاسة مشروع محفوظ هنا يعود لأن التحليل الذي اعتمد عليه في رؤية تطور المجتمع المصري من خلال الثلاثية، والتي كانت آخر عمل في السلسلة السابقة، ثبت خطأه، وأن انتصار الطريق الليبرالي الديمقراطي، وصعود البرجوازية كطبقة تعيد تشكيل النظام التقليدي، لم يتحقق بل لقد وثبت التيارات الشمولية من الفئات الوسطى نفسها الى السلطة وشكلت مساراً شمولياً ووطنياً وأطاحت بالتراكم الليبرالي والديمقراطي السابق.

هذا ما يمكن أن يبعث على الحيرة و الاضطراب الفكري والفني عبر المسار التفاؤلى المحفوظي السابق ذكره. إن تناقضات الفئات الوسطى برزت على السطح التاريخي، وانفجرت التناقضات الداخلية في عائلة السيد أحمد عبدالجواد. وكانت أزمة مارس ١٩٥٤ هي ذروة الصراع, وحسم فريق العسكر الوطني الشمولي المعركة لصالحه.

فماذا يفعل الروائى الليبرالى النهضوي من الرعيل الأول، هل يتخلى عن مساره وينضم للطبالين الكثيرين أم يواصل الحفر لرؤيته بأدوات تعبيرية مختلفة؟

إن تطابق سنوات أزمة الخيار السياسي لمصر وتوقف محفوظ عن الكتابة يشير إلى البحث عن اًسلوب جديد لتجسيد المعاني القديمة، ولهذا فإن الأسلوب الملحمي النقدي الواسع للثلاثية، الذي يظفر بين التشخيص الكبير والترميز، والذي يحوي صراع الطبقات بشكل مكشوف، هذا الأسلوب لا بد أن يتبدل علي ضوء المرحلة العسكرية التي لم تكتف ببوليسها الواسع ورقابتها بل بجمهورها العاطفي الهائج.

فإذن كان الاختمار المحفوظي من أجل إذكاء الأدوات التعبيرية الديمقراطية في زمن دكتاتوري، ولهذا تبدل التحليل الواسع والنفس الملحمي، نحو ضمور الروح الملحمية والتحليلية الواسعة، إلي الكثافة التعبيرية واتساع الرمز، ومع تبدل الموضوعات وبقاء البنية الترمزية الاجتماعية السابقة، بنية التحديث والديمقراطية.

يواصل نجيب محفوظ نقد النظام الوطني الاستبدادي عبر طرق فنية طورت أسلوبه التعبيري.

في روايات مثل (اللص والكلاب) و(السمان والخريف) و(الطريق).. الخ. نجد هذه الكثافة والرموز المتغلغلة في بنية الحدث وفي الشخوص. ففي اللص والكلاب, نرى سعيد مهران اللص يهاجم معلمه المثقف السابق رؤوف علوان الذي صار قطباً في القوى الصاعدة, وكما رأينا فالبنية الرمزية الاجتماعية هنا تشير إلى كون الطبقات الفقيرة التي زعم رؤوف علوان النضال من أجلها, لا تزال مضطهدة ومسروقة, ولكنها الآن تُسرق من قبل رؤوف علوان, وبقية (الكلاب).

وكل الرواية الخادعة للبوليس الشمولي تتركز في الصراع بين سعيد مهران ورؤوف علوان في الحقيقة, والذي موهه محفوظ بأشكال عدة من الكلاب, ولكن الصراع بين اللص الشريف والحرامية الجدد غير الشرفاء هو لب الرواية.

ففي الوقت الذي تحاول الطبقات الفقيرة فيه الحصول على الثروة بنفس الأسلوب الذي اتبعته تلك القوى التي وثبت إلى السلطة, فإنها تُسجن وتقتل.

ولهذا فإن الذين وثبوا للسلطة بأساليب العنف والتضليل الإعلامي يقاومون سعيد مهران الذي يلجأ إلى أساليب العنف أيضاً ولكن من أجل الحق.

أن محفوط هنا في سبيل انتقاد السلطة الشمولية يلجأ إلى حيثية حقيقية متمثلة في قصة السفاح الشهيرة, ويقود منولوج البطل سعيد مهران في كشف تختلف أنواع الكلاب, الذين خانوا صيغة التعايش الزوجية السابقة, ( عليش ونبوية), والجدد.

وتعبر رواية (السمان والخريف) عن هذه الثيمة الرمزية بشكل أوضح وأكثر اتساقاً, فبطل الرواية تحيله حكومة الثورة العسكرية إلى التقاعد السياسي, مثلما تحل حزبه الوفد.

وتكشف فصول الرواية كيف ان الفئات الوسطى تتصارع على السلطة بشكل محموم, والتي يعبر عنها محفوظ عادة بالترميز فخطيبة عيسى البطل الوفدي, تتخلى عنه وترتبط بنافسه العائلي الذي يصعد في السلطة الجديدة.

ويتشرد عيسى ويحل زمن الخريف عليه ويذهب إلى الاسكندرية حيث يلتقي امرأة بسيطة ويعاشرها وحين تحمل منه يطردها. وفيما بعد يكتشف ان طفلتها تحمل ملامحه الجسدية بشكل مدهش.

وقـد عبر ت هـذه العلاقة عن العلاقة الترميزية بين قوى الليبرالية الديمقراطية والناس, حيث التخاطب غير قانوني والثمرة محرمة, والرمز الطليعى يعيش زمن الخريف بين التحلل والنضال.

تكشف هذه الرواية استمرار البنية الرمزية الاجتماعية وقد ضمر جانبها التحليلي الاجتماعي, وتمركُز الطليعية في نموذج وحيد مفصول عن الجماهير, ومتقوقع في ذاته, مما يؤثر في بنية السرد والشخوص, فتلجأ إلى الشعرية اللغوية والتأملات الداخلية المفصولة عن وهج الصراع الاجتماعي.

وهذا ما يمكن متابعته في (الشحاذ) ايضاً, حيث عمر الحمزاوي يكتشف أن استمراره في وظيفة المحاماة الناجحة التي أغنته مالياً, قد أفقرته روحياً, لغياب أي قضية عنده, ولا يوضح محفوظ الأسباب المباشرة لغياب الانتماء والخصوبة الداخلية, بل يدع بطله يهجر هذه الحياة البرجوازية غير المشكّلة للطبقة الطليعية لمجتمع الحداثة, و في غيابات وهجرات معاكسة لما ينبغي أن يكون, كالاتجاه نحو اللذائذ الجنسية المتنوعة والواسعة, والتي تتكشف عن خواء, وكذلك الاتجاه المعاكس أي الاتجاه نحو التصوف وترك اللذة والحس كلياً, مما يقوده إلى الغيبوبة والهذيان وشبه الجنون.

في حين ان زميله النضالي الذي خرج من سجن النظام العسكري يواصل الكفاح ويتزوج ابنة عمر, في تعبير تزاوجي آخر عن الخصوبة السياسية والفكرية, ولكن في النهاية يتم مهاجمة هذا المناضل الذي لجأ إلى قريبه عمر في عزلته, تعبيراً عن كون النظام الشمولي تتوحد مصائر الهاربين والمنتمين في قبضته.

في رواية (الطريق) يواصل نفس الرؤية بثيمات أخرى, ولكنه في رواية (ميرامار) التي تدور في بنسيون صغير, يواجه مباشرة النظام عبر تناقضات اجتماعية صارخة من شخوص تمثل عمليات التفسخ التي تنتهي إلى الجريمة.

ويُلاحظ أن محفوظ لم يصور النظام الوطني بأي إيجابية لافتة, فلم تعبر ريشته عمليات البناء الضخمة الجارية, مركزاً على غياب الحرية السياسية, وهذا يعود لمنهجه الفني الفكري ذي التضادات المطلقة والذي لا يظفر بينها بتكوين اجتماعي حقيقي.

تحتاج هذه الحلقات التي تدخل ربما في لب عمل نجيب محفوظ المتواري كثيراً عن النقاد الذين يسحبونه نحو ايديولوجياتهم أكثر مما يفسرون نصوصه, إلى وقفة أخرى.

ــــــــــــــــــــــ

عبـــــدالله خلــــــــيفة: تنوير نجيب محفوظ

انظر للكاتب عبـــــدالله خلــــــــيفة: نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية ، 2007.