المثقف العربي بين الحرية والاستبداد

كي نعالج هذا الموضوع البالغ الاتساع والتركيب وعلى أسس موضوعية، أي بجعل قضية المثقف جسما فكريا في بنى اجتماعية محددة، فلا بد من رؤية هذه البنى الاجتماعية المتعاقبة في التطور التاريخي العربي، وما هي علاقاتها بالشرائح الوسطى التي تصير فئة المثقفين جزءا عضويا منها، ولنحدد ماهي الآفاق التي أتاحتها هذه البُنى الاجتماعية لهذه الشرائح الوسطى في الحرية وفي الصراع من أجل الديمقراطية، وماذا كانت مواقفها الأساسية.
عرفت المنطقة العربية أولى أشكال التحضر الإنساني ونشوء المدن والمدني ولكنها كانت باستمرار تعجز عن إنتاج نهضة شاملة، وحدثت عمليات تكرار لدورة النهوض المحدود، وعودة التخلف، وفي العصور القديمة كانت الأنظمة العبودية المُعمّمة، النظام المصري القديم والنظام الرافدي، وغيرهما في المنطقة، تحيل السكان الى رعايا عبيد، وتتشكل الفئات التجارية والادارية كتوابع للطبقة المهيمنة، وحدثت ذات الآلية المكررة في النظام الديني الإسلامي، ولآن تستعاد في العصر الحديث، فيما هي هذه الآليات؟ إن علينا بحثها بشكل ملموس، وعام، حتى نأتي على زمننا الراهن، ونبحث لماذا تعجز البرجوازيات العربية عن إنتاج الأنظمة الحديثة بموصفاتها: العلمانية والديمقراطية والمتحررة؟
تبدأ صياغة الثقافة العربية منذ ألإسلام التأسيسي حيث كان نبي الإسلام هو المثقف الثوري الطليعي الأول الذي قاد العرب من مجتمع متخلف مفكك، الى عصر النهضة.
إن ثمة ظروفا موضوعية وذاتية كثيرة جعلت من هذه الثقافة قوة تغيير تاريخية كبرى، ولأول مرة نرى المثقف وهو فرد من فئة التجار المتوسطة، يقيم علاقة تحالفية عميقة مع العاملين، والذين كانوا فقراء وعبيدا، وعبر هذه العلاقة تتشكل المدينة النهضوية التي تزحف عسكريا وسياسيا وثقافيا لتغيير المحيط المتخلف ودمجه في العملية النهضوية التاريخية، عبر تضافر المصالح المادية والروحية لسكان المدينة بسكان البادية، من ثم لتحويل هؤلاء الى قوة تفكيك لهيمنة الدولتين الكبيرتين المسيطرتين على المسرح التاريخي.
إن العلاقة التحالفية بين المثقف النهضوي والعاملين، تتضمن خضوعهم الطوعي لقيادته، المنفتحة عليهم المحبة لهم ولتقدمهم، وهي القيادة التي تقودهم لتحول عميق في مكانتهم الاجتماعية الاسترقاقية والمتدنية، وهم الذين كانوا على هامش الحضارة، فأصبحوا في قلبها.
الثقافة هنا تأتي مستوعبة لمسار التطور القديم الضارب بجذوره في الأرض والنفوس، والتي تبدأ أولا في الثقافة الدينية المناطقية برموزها ودلالاتها، التي تجعل سكان هذه المنطقة متميزين روحيا، أي ثقافيا، عن بقية المناطق الاجتماعية والسياسية العالمية، وليس هذا التميز سوى فعل نضالي متراكم عبر العصور، لإنتاج الاستقلال عن تحكم الغزاة.
كما أنه يمثل العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، حيث يقوم الحاكمون بعد سنوات ضارية من الصراع، بتحييد العناصر الثورية من الثقافة الدينية، وتكريس عناصر الخضوع والأشكال الخارجية وتحويل النضال من أجل جعل الملكية عامة والثروة للناس كافة، الى ظهور مجتمع الصدقات حيث الخزانة من احتكار القلة.
كذلك فإن الثقافة الإسلامية التأسيسية استوعبت ليس فقط بقية مناطق العالم، بل أيضا الثقافة العربية السابقة، بتطورها الروحي التعبيري والعبادي والعملي، وبدون ربط العام المناطقي الإنساني، بالعربي الخاص، لا يمكن أن تتشكل ثقافة عربية ــ إسلامية عريضة تستوعب أهل المنطقة.
إن الثقافة التي توجهت لإبعاد الملأ الجشع عن التفرد بالثروة والسلطة، أصبح عليها أن تكون ثقافة دولة وثقافة شعوب، أي أن تعبر عن الحاكمين والمحكومين، المستغلين والمستغلّين، وإذا كانت العلاقة بين الطرفين في هذه الجمهورية لا تتشكل عبر الاستغلال بل عبر التعاون والتوزيع العادل للثروة على عرب الجزيرة والفتوح، فإن عهد الأقليات الحاكمة الملكية المستغلة التي حولت الثروة العامة إلى بستان لقريش، كان عهدُ تفكيك لهذه الثقافة العامة الموحدة الى ثقافات طوائف ومذاهب، تعبيرا عن صراعات سياسية واجتماعية ومستويات متباينة في فهم النص الديني وقد وجدت نفسها تبحث عن مشروعيتها في الدين الواحد.
وقد راح أبرز المثقفين، هؤلاء الذين راكموا فعل الكفاح، منذ ذلك الحين يبحثون عن العناصر البارزة من الثقافة التحويلية الدينية للدفاع عن القضايا الجوهرية التي تأسست في مناخها.
أي راحوا يبحثون عن العناصر الثورية في الثقافة الدينية من أجل استمرار التغيير، ورفض احتكار القلة للثروة، وإذا كانت هذه العناصر قد بدأت برفض القدر كقانون طبقي تفرضه القوة الحاكمة على الناس، فإن هذا الفعل الإرادي غدا هو جوهر الحرية الباحثة عن إزالة الاستغلال والعبودية السياسية.
لكن الحاكمين من جانبهم، وقد تملكوا الثروة والرقاب ، حولوهما، كما كان ديدن اسلافهم الطغاة السابقين، إلى أدوات لغييب تلك العناصر النقدية والمعارضة والتحويلية، فاستخدموا أدوات القهر وشراء الذمم في تغيير المثقفين والثقافة، فإذا كان الأمويون قد ركزوا على تشجيع الشعر البدوي ونزاعاته القبيلة، ولإذكاء نيران العداوة بين القبائل، فإن العباسيين قمعوا بقسوة المثقفين المتمردين: كابن المقفع وصاحب النفس الزكية وبشار وأبي حنيفة وغيرهم على تنوع أسباب القمع وأشكاله.(1 ـ 5)
وإذا كانت عناصر الثقافة العربية الجاهلية بتعبيرها عن حرية القبائل ورفضها للخضوع وضراوة حياتها البدائية، قد مثلت أشكال الاحتجاج الأولى والتمرد، فإن الثقافة المسيطرة للقلة الحاكمة قد كرست عناصر اللغة البدوية المغرقة في خصوصيتها، وذات الإرث الرعوي الضيق، والمستعلي على الأمم الأخرى، وفرضت قاموس الإبل والخيام على المدن، وألغت تواريخ الأمم الأخرى وجذورها الحضارية وجعلتها بدوية . . مما أدى الى تكسر اللغة العربية بين فصحى نخبوية رفيعة ورعوية وعاميات شعبية متدنية.

الوعي والطبقات

أتيح للفئة التجارية في العصر الجاهلي أن تقوم بدورها التاريخي بسبب غياب وجود دولة استبدادية مهيمنة في الجزيرة العربية، فقد ظهرت في فضاء سياسي واجتماعي وجغرافي مشبع فقط بسلطات محلية وقبلية، تم إدماجها في بنية الدولة الصاعدة. كذلك كانت لديها قوة عسكرية جاهزة قوية متمثلة في القبائل الحرة على مدى التاريخ والمكان.
وقد أدت عمليات الفتوح الواسعة الى تبدل الخريطة الاقتصادية والاجتماعية، فالفئة التجارية القائدة والمتحالفة مع الفقراء، والتي تمظهرت ببرامج اجتماعية محددة في عهد الخلفاء الراشدين، أخذت تقل أهميتها الاقتصادية مع اتساع ثروات الأرستقراطية التي عادت الى جسم الحركة السياسية الدينية، ونظرا لكفاءات أبنائها في السياسة والقيادة العسكرية فقد تبوءوا مناصب حكام العديد من الولايات، خاصة الشام ومصر. إن التحالف بين الفئة التجارية الوسطى والعاملين بدأ يتقلقل مع صعود أسر الأشراف الحجازيين، وكان عهد الخليفة عثمان بن عفان هو مرحلة الانتقال الى عودة حكم الأشراف، عبر أغنى فرع لهم وهو بني أمية.
أما التحالف بين التجار المتوسطين والعاملين والذي تمظهر لدى فريق الإمام علي بن أبي طالب، فأعوزته شبكات التنظيم والمهارة السياسية للقائد المؤسس.
ويمثل حكم بني أمية عودة لنظم الاستبداد العريقة في المنطقة، ومع هذا فإن قيام الثورة الإسلامية ودخول الجسم الرعوي الشعبي كقوة مغيرة أدت الى إزاحة النظام العبودي المُعمّم الذي خيم على المنطقة منذ الحضارات القديمة.
وقد اتصف حكم الأمويين والعباسيين ومن تلاهم من العائلات الأرستقراطية الإقطاعية بالارتكاز على أداة الدولة العسكرية والأمنية والثقافية للسيطرة على النظام وجلب الخراج والموارد الاقتصادية لبيت مال الأسرة الحاكمة.
لقد تشكل هنا إقطاعان هما الإقطاع السياسي الحاكم، حيث يهيمن على البنية الاجتماعية بمستوياتها المختلفة، والإقطاع الديني الذي يهيمن البنية الاجتماعية بمستواها الاجتماعي والفكري. وقد بدأ الإقطاع العام منذ عهد عمر بن الخطاب الذي وضع أراضي الخراج الممتازة (الأراضي الصوافي) في ملكية الدولة، من أجل أن تكون ملكا عاما مفيدا للمسلمين، ولكن هذا الإقطاع العام تحول الى ملكية الأسر الحاكمة. وبتحول الإقطاع العام الاقتصادي الى هيمنة الأسر الحاكمة بدأ الصراع الاجتماعي على الثروة العامة، ومن خلالها تمكن الإقطاع الحاكم من السيطرة على البينة الاجتماعية ككل، وتغيير عناصرها المعارضة، عبر التعاون مع الإقطاع الديني الذي صار مذهبيا.
إن تشكل الإقطاع الديني في حضن الإقطاع السياسي العام، عبر القبول التدريجي بالخطوط العامة السياسية التي فرضها على الحياة، واستعادة الإسلام السابق كنظام وليس كثورة اجتماعية. أي بتنحية البحث في مسائل الملكية العامة المسروقة وانتخاب الحكام، في حين تم الأمر على عكس ذلك في عادات وفي الظروف الرعوية المحافظة، التي كانت جسرا مرحليا لإدخال الرعاة لجسم الثورة، أي بتحويلها الى سمات اجتماعية مُطلقة الـخ. .
إن تحويل الإسلام من ثورة الى نظام إقطاعي عبر هذه التنحية وعبر هذا التثبيت، الذي اشتغلت عليه قوى النظام السياسي والديني، يحول النظام الإقطاعي العام، الى نظام إقطاعي ــ مذهبي، حيث تبدأ الصراعات الاجتماعية بالتفاقم، آخذة أشكالا دينية، تتحول الى فرق، ثم الى مذاهب. فالقوة المسيطرة تشكل مذهبها على قياس سيطرتها وانفتاحها وانغلاقها، وعلى حسب أقاليمها ولحظات الصراع المتعددة الـخ. .
وهنا بدأت تتشكل برجوازية مختلفة عن برجوازية العهد الإسلامي الأول المتحالفة مع الفقراء والتي تقود النهضة.

الفئات الوسطى الرحم الاجتماعي للمثقفين

لقد كان النمطان الأساسيان من التجارة والحرف في الإمبراطورية الإقطاعية التي اتخذت من الإسلام عباءة دينية، هما نمط التوريد للاستهلاك الترفي الذي تقوم به الطبقة المسيطرة، أو نمط الاستهلاك الإنتاجي والذي تقوم به الطبقات الشعبية الملبي للحاجيات اليومية ذات الأثمان المحدودة. والنمط الأول وهو الاستهلاك الترفي هو عملية إهدار واسعة ومدمرة للثروة الاجتماعية، وهو الذي ترتبط به الفئات الوسطى، خدمة للأشراف، ويؤدي الى إلحاقها وتوسعها أو انهيارها الـخ. .
ولهذا كان لدينا دائما نمط التجار الكبار القلة، ونمط التجار المتوسطين والصغار الكثيرين. ولا يتشكل النمط الأول إلا من خلال الاتصال بالدولة، التي يقول عنها ابن خلدون بأنها (السوق الأعظم). في حين يعتمد الآخرون على الاتجار بالمواد الشعبية.
ولا يشكل التجار الكبار صلة عضوية بالعلماء الطبيعيين والرياضيين والاجتماعيين، لأن نظام الحرف المغُلق يظل مجرد أداة للاستيراد، أو التصدير، مثل الأسواق التي تظل مكانا جغرافيا للسلع فقط. وليس ثمة صلة معرفية بين التجار والعلماء والحرفيين، ولهذا فإن أدوات الاتصال بين التجارة والحرف والتقنية تظل مقطوعة، فيظل التجار الكبار يتبعون خدمات الترف للقصور سواء كانت للملوك أم الوزراء أم كبار الموظفين أم رجال الدين، أي الأشراف عموما. وهذا ما يجعل التجار الكبار يتابعون كذلك المناخ الديني والثقافي للقصور، أي لا يساهمون في تشكيل أي نوع من الوعي المتحرر. فالسلع والحرف والمال هنا لا تقود إلى التراكم الصناعي والعلمي، فهي جزء من كماليات الترف .(6)*.
إن تبعية مصادر تمويل التجار الكبار للطبقة الإقطاعية يجعل الرأسمال التجاري والنقدي محافظا على الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التقليدية، وهي الهياكل التي تخلفا عبر الهجمات البدوية المتكررة عبر القرون، بحيث تغدو المدن كيانات اجتماعية هشة فاقدة للقدرة على إنتاج التحديث.
إن التجار الكبار يتوافقون مع البنية الإقطاعية بمستوييها السياسي والديني، فمسألة احتكار السلطة والنص الديني والإبقاء على تخلف وعبودية النساء والرق الـخ . . تلُغى من أي خطاب لهم، عبر هذا الارتباط الاقتصادي المصيري، حيث كلمة واحدة كافية لاختفاء ثروة كاملة.
أما التجار المتوسطون والصغار والحرفيون المماثلون، فإنهم يعيشون أساسا على موارد الشعب، وهي السلع المعيشية المشتراة بشكل يومي، وهي التي تتيح للسوق البقاء، ولكنها تقوم على الفيض المالي من الطبقة المسيطرة، الذي يقوم أغلبه على منتجي القرى، ولهذا كلما ثار الفلاحون أو تقطعت أراضي الدولة، أو حدثت فيضانات، تدهورت فوائض الدولة وبالتالي تدهورت الحياة المعيشية للجمهور وللتجار الصغار، وحدثت أزمات الغلاء والمجاعات. وغالبا ما تتدهور المدن بعد اتساعها بسبب إن على الريف أن يقوم بإعالة هذه المدن المتضخمة باستمرار، فلا يتحمل ذلك وتبدأ الثورات. وحين تنجح الأرياف والمناطق في تفكيك الدول يتفاقم التدهور في المدن، ولهذا يمكن قراءة مصير تدهور مدينة مثل بغداد، والازدهار المعاكس لمدن الري أو القاهرة أو فاس. ويعتبر زمن النهضة هنا هو وقت تدفق الفوائض الريفية والتجارية والتوازن بينه وبين الاستهلاك البذخي. وتقود هذه الظروف التجار الصغار والحرفيين والفئات الوسطى عموما، الى التمسك بقشور الدين التي كرستها الطبقة المسيطرة بفرعيها، السياسي والديني، ويغدو الزهد ثم التصوف هي البدائل لنظام اقتصادي مضطرب وشحيح وزراعي.
كما حددت الطبقة المسيطرة الطابع الاقتصادي والسياسي والثقافي العام للنظام العربي الوسيط، فإنها ستحدد التوجهات العامة للفئات الوسطى منتجة الوعي والثقافة. فإذا كانت سلع الترفية: سلع البناء كالبلاط والزجاج والعطور والثياب الـخ، حصلت على المكانة الرئيسية بين السلع، وبالتالي تحددت فئات التجار على أساسها، وتحدد البناء السياسي ــ العسكري على أساس جلب الخراج والمكوس، فتمظهرت فئاته حسب ترتيب الصلب والمحافظة عليه وتنميته وهي: الولاة، والقواد، والجباة، وموظفو الدواوين . .
إذا كان ذلك قد حدد ترتيب الفئات الوسطى العليا، فإن الفئات الأدنى منها، في المجال الفكري والاجتماعي، والمتعيشة من هذا النمط التوزيعي، سترتبط بشكل غير وظيفي مباشر، لكون المهمات الدينية والفكرية يجري ترتيبها في أثناء نمو النظام بآلية السيطرة الفوقية.
وهكذا كان تشكل هذا المستوى يجري بتنحية العناصر المضمونية النضالية، وتقوية العناصر الشكلانية الغيبية، أو أشكال الممارسات العبادية، وتضخيم أبنيتها، وكلما نقص المضمون النضالي زاد الشكل الزخرفي والعمراني، وتبقى الجوانب المفيدة من المعاملات التي توسع العلاقات البضاعية وتكرس تقسيم العمل والإنتاج كما تفرضه الطبقة المسيطرة.
ولهذا فإن فئات رجال الدين تتشكل على أساس القرب والأهمية للقوة المسيطرة السياسية، أي القادرة على تسويق السياسة العامة للخلفاء، فيظهر كبار رجال الدين الذين يصيرون جزء من طبقة الأشراف، بحصولهم على الأراضي الزراعية والقطائع. في حين تبقى الغالبية منهم في المستويات المتوسطة والدنيا.
ولأن الدين هو المظلة الفكرية التي يستظل بها النظام، تغدو مؤسساته وإرثه وفئاته، الجزء الآخر من النظام، هو مستواه الفكري الغالب، لأن ثمة أشكالا فكرية تزاحمه كالآداب والعلوم والفلسفة لها مساراتها النوعية في النمو، ولكن قانون الهيمنة الاجتماعية ينطبق عليها كذلك، فيتم تنحية العناصر المعارضة والنقدية والتحليلية للحياة. وإذ تظهر جوانب موضوعية وعلمية ومضيئة في الإنتاج، فإنها تظهر كأشياء وظواهر جزئية، في منظمات غيبية، فتتم السيطرة على الجوانب الموضوعية والنقدية ولا تتحول الى منظومات فكرية تحليلية كاشفة للحياة، مثلما تتقطع فئات الطبقة الوسطى الى شرائح عاجزة عن تغيير المدينة الإقطاعية.
وتظهر جذور المفكرين والكتاب المنتمين الى الشرائح الوسطى بدء من أسمائهم كالغزال واصل بن عطاء، والنظام المفكر المعروف بهذا الاسم، والحلاج والإسكافي الـخ.
كذلك فإن نسبة الشرائح الأكبر، وهذا يعبر عن كون إنتاج الوعي الديني يمثل الإنتاج الأكبر.
ولهذا علاقة بالوعي ووظيفته فالدين التقليدي هنا يمثل اغترابا عن الطبيعة والإنتاج والمادة، مثلما يمثل النظام الإقطاعي الزراعي والحرفي البسيط، غيابا عن الصناعة، وتعاملا بسيطا مع السلع، مما يجعل هذا الوعي يحافظ على الركود الإنتاجي، وإعادة تكرار العلاقات الاجتماعية التقليدية، وباستمرار تدفقها الرعوي والقروي المتخلفين.
وفي الوعي الفكري تتنحى عمليات الكشف والتحليل الاجتماعيين، فإبن المقفع يقُتل حيث دفعته رغبته الإصلاحية وموالاته للأشراف الى مصرعه، والاعتزال يتحول الى اعتزال تابع للسلطة، أو زاهد منعزل، وتتوجه المذاهب الدينية الى المحافظة وتنحية الاجتهاد، والمعارضة، في حين تبدأ الإسماعيلية في النشاط والترويج لفكر الإمام المستور الموجود، وبالتالي عدم تحليل الواقع المرئي واللامرئي الـخ . .
إن الجوانب الليبرالية والديمقراطية في الوعي العربي القديم تغدو ضئيلة المبنى التقليدي المهيمن على الحياة، وأساسه في النظام السياسي، فتعجز الفئات الوسطى عن إنتاج تلك الجوانب لأنها تغدو جزء ملتحما بهذا النظام التقليدي بمستوييه السياسي والديني.

نماذج المثقفين

عندما تنامت أدوات الدولة العباسية العسكرية والأمنية والاقتصادية أجهضت الفكر المعارض، خاصة تحالف المعتزلة والزيدية، ثم ركزت على تصفية الاعتزال الثوري، فظهر الاعتزال التابع للدولة، أي الاعتزال الذي فقد مهماته الثورية التحويلية، فأصبح التوحيد مجردا، والعدل غيبيا، رغم إن مثقفي الاعتزال البارزين كالنظام والجاحظ وأبي هذيل العلاف، ساهموا في إنتاج ثقافة كانت مهمة لتطور التنوير والفلسفة، ولكن استمرار تبعية هذا القسم من من المعتزلة للدولة الاستبدادية أدى الى الانشقاق في صفوف المعتزلة ثم تبرير إجراءات الدولة القمعية والانفصال عن الحركة الاجتماعية المعارضة، فجاءت معركة خلق القرآن لتكون مثالا على انهيار وعيهم المعارض وانفصاله عن المجرى العميق للكفاح.
أما فلاسفة الإسلام كالكندي والفارابي وابن سينا وغيرهم، فقد جاءوا في زمن تفكك الإمبراطورية، وتبدل الإقطاع العام المركزي الى إقطاع لا مركزي، ونشوء الدول المستقلة، وهي لا تختلف في قوانينها الاقتصادية وبنيتها عن المرحلة السابقة، حيث الأشراف يهيمنون على الملكية العامة، والتجارة والفيض المالي تابعان لهم، والفلاحون والحرفيون مصدر إنتاج الفائض الاقتصادي، ولكن الأمر هنا هي أن هذا الفائض الذي كان مركزيا صار يوزع في أكثر من دولة، وينشئ أكثر من فئات وسطى مستفيدة.
ولهذا صار هناك أساسا أوسع للنهضة من العصر السابق، ولكن التناقض الرئيسي الذي كان يحفر في تصدّع النموذج المركزي هو ذاته الذي يعمل في النموذج اللامركزي، وهو هيمنة الأشراف المطلقة في المال الذي يأتي من المنتجين والتجار، فيبعثرونه في البذخ.
وإذا كان أساس المناضلين السابقين من قدرية ومعتزلة وفقه إصلاحي هو التوحيد المطلق، تعبيرا عن دولة مركزية أو عن إقطاع الوجود، مما كان يعني نظام الدولة الإسلامية بدل الإمبراطورية الموحدة، أي نظام الإقطاع اللامركزي. وهو التصوير المشرقي الأوسع، أما التصور المغربي الفلسفي عند ابن رشد فاعتمد رؤية أرسطو وهي أكثر قربا من القراءة الموضوعية للعالم في العصر القديم والوسيط.
وتم تجاوز أدوات الصورة في الفكر، الى المقولة، والى النظام النظري التجريدي المفاهيمي، وتم إعطاء الاستقلالية المشروعة لوعي الطبيعة والمجتمع والفكر عبر سببياتها الخاصة المستقلة، وبالتالي إيجاد منطقة واسعة لتشكل العلوم الرياضية والطبيعية والاجتماعية. وفي هذا المجال تم إنتاج ثروة معرفية هائلة. ولكن التناقض الأساسي بين المالكين المطلقين للثروة والمنتجين، كان يؤدي الى تدهور الدول والدويلات كذلك، ولم تستطع الفئات الوسطى ومثقفوها أن تتوجه الى تجاوز الأنظمة الإقطاعية المستبدة، وعجزت عن انتاج ثورة برجوازية ديمقراطية، نظرا لهيمنة أسلوب إنتاج إقطاعي، وتبعية التجارة والحرف الكبيرة للقصور، وتبعية فئات وسطى عديدة للاقطاعيين.
ولهذا نرى الفلسفة وهي تضع الأساس النظري لديمومة هذا العالم، فالعالم العلوي السرمدي الغيبي، وهدف العالم الأرضي الروحي هو الصعود الى ذلك العالم الغيبي المطلق، تنطبق عليه قوانين المادة أما الروح فخارجة عليها. وقد لعبت فلسفة أرسطو دورا معرقلا في بعض جوانبها للتطور الفكري، فـ(بمقتضى تلك النظرة توجه البحث إلى الوقوف على العلل الصورية التي تشكل المادة بصورها المختلفة، فكانت غايتها تقديم بناء ميتافيزيقي ضخم قوامه المبادئ الأولية والجواهر الثابتة والعلل البعيدة التي تتمثل في المحرك الأول للطبيعة)،(7)*.
وبدلا من الحنفية المترافقة مع إمبراطورية ذات تدفقات مالية وفيرة وفئات وسطى واسعة، حل الانكماش الاقتصادي وجرت الثورات كالثورة البابكية والقبطية وغيرهما التي وضعت حدا لجسد الإمبراطورية المترهل، ولهذا جاءت الحنبلية في عمق العاصمة بغداد وابعدت المعتزلة، وكل هذا تعبير عن صراع مركب، فقد هُزمت الفئات الوسطى التحديثية، لعدم ربطها العدل والتوحيد بتقليص بذخ الارستقراطية، كما أن تدفق الأقوام الرعوية من أتراك وعرب وأكراد الـخ . . على العاصمة، قد قوى المذهب النصوصي الشديد الضيق.
هذه عينات مركزة فقط لرؤية كيفية التطور المعقد للثقافة والمثقفين، ولكن إذا جئنا للحركات والمذاهب المعارضة، فسنجد بأنها تقيم إقطاعا مذهبيا مضادا، بدلا من أن تزيل الإقطاع عامة.
إذا كنا قد قرأنا أسباب ضعف الفئات الوسطى العربية في العصر الكلاسيكي، فإننا هنا لا بد أن نذكر الخصائص الموضوعية التي اتسمت بها، وأهمها ذيليتها وتبعيتها للأنظمة الإقطاعية. ولم تحدث في أثناء هذه التبعية أي مواقف جذرية شاملة نحو وعي ديمقراطي ليبرالي بطبيعة الحال. وتشكلت مواقف مضادة للإقطاع المذهبي الحاكم باتجاه إقطاع مذهبي آخر.
وفي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، أتيح للفئات الوسطى نمو كبير في التجارة والعمليات الاقتصادية الأخرى المختلفة بسبب نشوء نظام عالمي جديد هو النظام الرأسمالي الغربي، الذي أخذ من العقود الأولى من هذا القرن بالتوسع الاستعماري متنقلا من مرحلة تصدير البضائع الى مرحلة تصدير رأس المال.
وإذا كانت هذه المرحلة قد ركزت غربيا على جلب المواد الخام المهمة، فإنها قد وضعت سقفا لنمو الرأسمالية في العالم العربي، كذلك فإن الاحتلالات العسكرية الغربية لم تقوض الأنظمة الإقطاعية ــ المذهبية، بل جعلتها أساسا للنظام التابع الذي أنشأته في كل بلد عربي، ولهذا فإن (الإصلاحات) الرأسمالية التي قامت بها كانت تسهيلا لتدفق التجارة بين البلد التابع والمتروبول.
أي أن الدولة الإقطاعية كهيمنة على جانب رئيسي من الثروة لم يتم إزالتها، ولم يفعل الاستعمار سوى أن يجعل الدولة الإقطاعية/المذهبية المحلية كشريك في عمليات الاستغلال المشتركة للمنتجين. أما الجوانب الأكثر تخلفا كملكية العبيد والحجر الكلي على المرأة فلم يكن بالإمكان استمرارها في المناطق المدنية، وهي المراكز الاقتصادية الكبيرة التي هي بحاجة الى استقرار لهذا النظام الملفق، فهو إقطاعي ــ مذهبي، تسود فيه الشريعة التي تم إنتاجها في قرون هيمنة الإقطاع المطلقة، ولا هي القوانين والنظم الليبرالية الغربية المستوردة.
في مستوى هيمنة الإقطاع، بقيت الأسر الحاكمة التي تملك الخزينة الملكية شرعا، ولكن الإصلاح الاستعماري جعل هيمنتها غير مطلقة، وهنا لأول مرة تطبق مسألة الميزانية العامة، ويتم الفصل قليلا بين جيوب الحاكم وخزانة البلد، لكن هيمنة الأسر الإقطاعية الحاكمة تم في جوانب عديدة من الاقتصاد، ببقاء الأملاك الكبيرة والتحكم في جانب كبير من موارد الخزينة، والموارد التي ستأتي لاحقا، كالبترول.
لقد رفض الاستعمار الغربي نقل الثورة البرجوازية الى العالم العربي، عبر جعل الدولة جسما غير اقتصادي، فقد استمر في جعل الدولة الماكينة الاقتصادية الأساسية، فهي ضمنا تمثل المالك الأكبر، ولا يجب أن يغيب عنا بعض الجوانب الرأسمالية التحديثية التي هي جوانب جزئية لا تلغي كون الدولة هي المالك الأكبر.
إن الملكية العامة التي كانت للأرض يتم التخلي عنها، فتصح الأملاك الزراعية الكبيرة من ملكية طبقة الأعيان أو الشيوخ، حسب التسميات في كل منطقة، وبهذا يحدث لأول مرة التاريخ هذا الانفكاك الواسع بين ملكية الدولة والأرض الزراعية، مما يسمح بنمو للملكيات الخاصة الزراعية بشكل واسع في العصر الحديث. ولكن هذا لا يعني سقوط الإقطاع الزراعي، فهو يصبح الآن مباشرا، بدلا من الشكل العام واللامباشر الذي اتخذه في الغالب الأعم من التاريخ القديم.
ولهذا فإن الأسر الحاكمة عبر تزعزع بعض جوانب سلطتها في النظام السياسي، تقوم بالتعويض عنها من خلال ملكيات الريف والدخول في الحياة الاقتصادية، وبشكل يساعد فيه الموقع السياسي المتنفذ.
هنا نجد ذلك التآلف بين الإمبريالية والإقطاع، وهو الأمر الذي سيضع أساسا للتعاون السياسي والأيديولوجي بين الجانبين في فترات كثيرة من هذين القرنين، 19 ، 20 .

إعادة إنتاج راهنة للإقطاع المذهبي

إن العمليات التحديثية التي يقوم فيها الاستعمار وشريكاه في السلطة، الإقطاع السياسي، والإقطاع الديني، عبر إدخال التعليم النظامي وخروج المرأة المحدود الى الحياة العامة، والعمليات التحسينية الأخرى، فهي تبقى من أجل وظائفيتها الاجتماعية والسياسية، فظهور الجيوش الوطنية المحدودة، والمهيمن عليها من أبناء الأسر الأشراف أو الفئات الوسطى والعليا فيما بعد، لا يمكن أن يحدث دون تعليم وإنشاء أجهزة، وكذلك مجيء المصانع والأدوات التي تنقل المواد الخام، أو تصنعها بعض التصنيع المحدود، والموانئ التي تنقلها الـخ . .
إنها سلسلة وظائفية لحماية المواد الخام، ووصولها الى البلد المسيطر، ولهذا فإن الاقطاعين السياسي والديني يلعبان دورا في ركود البنية السياسية الاجتماعية، واستمرار إعادة إنتاج المواد الخام، والسوق الوطنية كسوق تابعة.
إن التعليم والإدارات السياسية والدينية والسوق الـخ. . هي أنظمة حماية لتدفق السلعة المصدّرة للمتربول كسلعة رخيصة، ولمجيء السلع المُصنعة، وبدون هذا التشكيل المتضاد بين القديم والعصري، بين البلد التابع والبلد المسيطر، لا تنشأ علاقة مستمرة.
إن هذا التآلف بين الاستعمار والإقطاع قد اتخذ جوانب عدة، فالاستعمار الذي هو قمة تطور البرجوازية الأوربية والأمريكية، يقاوم تشكل مثيلته في البلدان التابعة، أي يقاوم نشوء برجوازية صناعية يمكن أن تستولي هي على السوق. وإذا قبل بنشوئها فعلى ضفاف النظام التابع الذي رتب أدواره الأساسية. ولهذا فإن الفئات المتوسطة تغدو ملحقة بإدارة الدولة وبالقطاع العام، أو تغدو ملُحقة بالرأسمال الأجنبي، فهي موزعة بين الإقطاع المحلي، وبين الاستيراد، وفي كلا الجانبين لا تغدو طبقة برجوازية حرة، ولهذا لم تقم بتشكيل وعي نهضوي تحرري شامل. أي بالجمع بين تجاوز الإقطاع والاستعمار معا نتيجة لكونها ليست برجوازية صناعية بدرجة أولى وواسعة.

نماذج حديثة من المثقفين

إن المفكرين الدينيين في القرن التاسع عشر كالأفغاني ومحمد عبده والكواكبي كانوا يختلفون عمن جاء بعدهم من التيارات الدينية، بسبب نضالهم السياسي الفردي، فهم شخصيات مستقلة عن الهياكل المذهبية، ولهذا وجدوا في الحداثة الأوربية معينا لهم في التصدي للتخلف الشرقي، فهم يمثلون مرحلة العالم الإسلامي وهو بعد لم يصر تابعا للاستعمار، وهو يحاول القيام بنهضة وحرية، دون أن يتنبهوا للدلالات الاقتصادية والسياسية للتحديث الرأسمالي الأوربي.
وقد تركز عملهم على التنوير واستعادة الموروث الإسلامي من وجهة نظر نهضوية وعلى توحيد المسلمين، لكن نضالهم لم يتحول الى تيار واسع.
لم يتحول رأي جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي الى تيار ديمقراطي ديني واسع وجماهيري للإسلام اللامذهبي، ولمحاولتهم توحيد الأمم قفزا فوق الطائفية.
لقد كان هؤلاء المصلحون يقفون خارج الشبكات المذهبية، والعديد من السلطات الاستبدادية السياسية والدينية، وأحيانا بشكل مجرد، ولهذا كان الهجوم على هذه القوى سببا في ذيوعهم وفشلهم في آن، يقول الكواكبي: (جعلوا زكاة الأمة ووصاياها رزقا لهم)، (وجعلوا مداخيل أوقاف الملوك والأمراء عطايا لاتباعهم)،(8)*. ويتضح محاولة تجاوز الطائفية في دعوته الإسلامية الديمقراطية الهامة، كما يقول احد الباحثين حيث: (أدرك الكواكبي بأن فئة العلماء المنورين كانت في حاجة إلى أداة . . لا تكون تابعة أو مرتبطة بحكومة مخصوصة . . ولا تنسب الى مذهب أو شيعة مخصوصة من مذاهب وشيع الإسلام مطلقا)،(9)*.
إن هذه الفكرة هي مضادة لشبكات الإقطاع الديني، وكذلك مضادة للدول وللاستعمار كما سيتضح لاحقا. وقد جاءت في تلك الفترة التي لم يهجم فيها الاستعمار ويبلع الدول الإسلامية، وحيث لا تزال القوى السياسية والدينية المتخلفة متحكمة في المصير العام.
لكن دور المنورين الدينيين الأفراد أصحاب الصوت المدوي كان لا بد أن يتوقف بسبب التدخل الاستعماري الذي قام بتقطيع أجزاء الوطن العربي، وتمسك بالشبكات الطائفية المختلفة وضخ الحياة في خلاياها، واعتبرها الركيزة الإيديولوجية لنظامه.
إن بعث الإقطاع لم ينقطع عن التحديث المحدود الموظف في نهب خيرات الوطن العربي، وهكذا عمل الاستعمار على تقسيم أي شعب عربي، والحفاظ على بنيته الموروثة، ومن هنا هزمت أفكار المنورين الدينيين المستندة الى الإسلام العام وليس الى المذاهب، لكون التوحيد السياسي والديني هُزم لمصلحة التبعية والتقسيم، ولهذا غدت الطائفية هي رديفة العالم العربي التابع والخاضع للغرب.
وبسبب إنهم أفراد يعبرون عن شرائح وسطى وعن مثقفين مستقلين، في زمن لم تتحول المجتمعات العربية بعد الى هياكل ملحقة بالحكومات والشركات الغربية، فإنهم طرحوا خطابا دينيا متنورا، يحتفي بالعلوم والديمقراطية والعلمانية والتحديث وحرية النساء، ولكن حين أطبقت حراب الإنكليز والفرنسيين على العرب، فإن هذا الخطاب لم يتطور، فلم يجد دعاة وجمد التعليم الديني، وسنرى هنا الإمام محمد عبده وهو يتراجع عن الثورة نحو تبني فكرة القبول بالإصلاح التدريجي في ظل التبعية.
إن رؤية الكواكبي على سبيل المثال تركز النقد على الظاهرات الجزئية فهو لم يعي بأن (العلماء المدلسين) و(الجهلة المتعممين) هم جزء من بنية اجتماعية وسياسية واقتصادية، وهم ليسوا جماعات منقطعة عن نظام وعن تشكيلة اقتصادية ــ اجتماعية تنتمي للعصور الوسطى، وإن أداة تجديد الإسلام تتطلب الانتقال الى تشكيلة أخرى، بما تتضمنه من تحرر قومي ومساواة اجتماعية وتحديث شامل، أي مواصلة الثورة المحمدية في أساسياتها وفي ظروف العصر الجديدة أي: تكوين تحالف طبقي بين الفئات الوسطى والعاملين لإنتاج ثورة ديمقراطية وصناعية وعلمانية تتجاوز الطائفيات وتوحد المسلمين في ثقافة نهضوية مشتركة.
ولكن حتى الهياكل الطائفية والسياسية لم تستطع حماية الاستعمار الغربي وأنظمته، فتلك البذور التي نشرها ذلك الرعيل الديني النهضوي حركت الفئات الوسطى الحديثة والجمهور في تشكيلات وطنية حققت الحرية الوطنية، دون أن تستطيع تجاوز هياكل القرون الوسطى.
يقول الأستاذ محمد جابر الأنصاري حول الرحلة التي أسسها محمد عبده: (مثلت توفيقية محمد عبده، انطلاقا من جهود رفاعة الطهطاوي (1801 ـ 1873) فكر النهضة الجديدة الأولى منذ عهد محمد علي (1805 ـ 1840) وبلغت أوجها في عصر إسماعيل (الذي أفل عام 1879). ففي تلك الفترة نشأت أول طبقة متوسطة مصرية عانت عمق الصدام بين الإسلام والحضارة الحديثة، وشعرت بضرورة التوفيق لحماية المجتمع الإسلامي من الانفصام الذي بدأ يتسرب إليه)، (10)*.
ويبدأ عبر الأنظمة التابعة تقوية الشبكات الطائفية والدينية المفرقة للمسلمين، وهذه الشبكات الضخمة الواسعة هي التي ستقوم بعدئذ بضخ المتدينين وإعادة إنتاج الوعي المذهبي العتيق، لعرقلة تطور النسيج الوطني في كل قطر عربي على حدة، وعرقلة خطوط الاتصال والتضامن بين الأمم الإسلامية.
وستكون المفردات مضادة لزمن الأفغاني، فبدلا من الحداثة والحرية السياسية والاجتماعية والوحدة الإسلامية والإنسانية، ستتكرس مسائل الفقه والحلال والحرام والعبادات، مفصولة عن سياق تطور العرب وقضايا الصراع الاجتماعي والسياسي، مما يعني توسع نفوذ القوى المحافظة والاستغلالية وحماية الأنظمة التابعة للاستعمار.
ومن هنا لن يكون النتاج العقلي لهذه الشرائح منفصلا عن التبعية المزدوجة للإقطاع والاستعمار. ولهذا سيتشكل البعث (الإسلامي) كبعث للأبنية الإقطاعية لعصر الأمويين والعباسيين، أي سيكون بعثا طائفيا، وسيعجز هؤلاء عن استلهام الثورة المحمدية، كتوليفة توحيدية ثورية للمسلمين، أي سيعجزون عن رؤية سمات الحداثة والتحالف الاجتماعي النهضوي العربي المبكر.
أي أن الوعي الطائفي وهو يُبعث، سيظهرُ الأشكال المحنطة للدين التي تمكنت القوى الإقطاعية في العصرين الأموي والعباسي، من ترويضها و إفراغها من بعدها الثوري التوحيدي لجماعة المسلمين.
لكن في القسم الآخر من الوعي اللاطائفي، أي في القسم الإسلامي التوحيدي، والذي اندلعت شراراته على يد الأفغاني والكواكبي، والذي راح يلتحم بالفئات المتوسطة والمثقفين الأحرار، سيواصل شعاراته التحديثية مرتكزا على الإرث الديني: الإسلامي ــ المسيحي كتعبير عن الوحدة الوطنية وضرورتها.

نموذجان للمثقف العربي الثوري المعاصر

لقد انقسم المثقفون الثوريون العرب أثناء الاستعمار وفي الكفاح ضده وبعد رحيله الى نموذجين أساسيين: نموذج الليبرالي النهضوي، ونموذج اليساري بتنويعاته المختلفة. لقد قاد النموذج الليبرالي النهضوي حركة الوعي العربي في النصف الأول من القرن العشرين، فيما قاده الوعي الآخر في النصف التالي. ثم وصل كلاهما الى الهزيمة أو على الأقل إلى الانحسار، فلماذا؟
لقد استطاع المثقفون النهضويون الليبراليون تدشين أشكال الوعي الحديثة، في بحث التراث وتشكيل الأنواع الأدبية والفنية، وطرح الحداثة في البناء السياسي الديمقراطي. وكان النموذج الغربي الليبرالي هو القدوة. في التوجه الليبرالي كان النموذج الغربي هو الموديل المستورد، ولم يحاول هذا التوجه غرس هذا النموذج من خلال التطور العربي الإسلامي المسيحي، أي لم يبحثوا الهياكل الإقطاعية الدينية المتوارثة في المنطقة، ويحللوها ويطرحوا البديل الديمقراطي من داخلها ولتجاوزها.
ولدينا كمثال على ذلك التيار الليبرالي النهضوي عند لطفي السيد ومحمد حسين هيكل وسلامة موسى ولويس عوض ونجيب محفوظ. وتتركز خصائص هذا التيار على رؤية النموذج النهضوي الغربي ونقله إلى مصر، ولدى الأخيرين خاصة، أي لدى التيار الليبرالي الذي واصل المعركة ضد الإقطاع الديني ومنه: سلامة موسى ولويس عوض ونجيب محفوظ، وتم طرح النموذج الحضاري المصري القديم، ودون تحليل النموذج العربي الإسلامي المهيمن المتواصل، أي ليس ثمة قراءة لسيطرة العلاقات الإقطاعية المذهبية والدينية، حيث رأوها بأنها هي كل الإسلام، وإنه ليس ثمة بديلا ممكنا، حضاريا وديمقراطيا من داخلها.
في حين نجد طه حسين يقوم بالجمع بين النموذج الحضاري الغربي وتحليل التاريخ العربي الإسلامي ونقده والبحث عن نماذج شخصية متنورة من داخله.
لكن الوعي الليبرالي النهضوي لم يتوصل الى رؤية هيمنة العلاقات الإقطاعية الدينية بعد الثورة المحمدية التأسيسية، وأسباب ضعف الفئات الوسطى، وعجزها عن تشكيل ثورة ديمقراطية برجوازية، وبالتالي لم يقوموا بنقدها وتجاوزها والاستفادة من الميراث الغربي الديمقراطي في ذلك.
إن هذا كان يعتمد على دقة تشخيص الإسلام وتطوراته ورؤية الهياكل الاقتصادية ــ الاجتماعية التي كان ينمو عليها، وبالتالي الدخول الى صميم القضايا الفقهية والاقتصادية والروحية التي هيمن عبرها الإقطاع المذهبي على الجمهور العربي الإسلامي.
أما النموذج اليساري الذي طرح تحديدا تجاوز النموذج الرأسمالي الليبرالي، فيتفق على تشكيل دكتاتورية تتجاوز التخلف العربي، وتشكل القفزة الى التحديث، بدءا من الاتجاهات القومية والبعثية إلى التيار الماركسي.
وقد ساهم في تقوية هذه الاتجاهات تخبط الاتجاهات الليبرالية وعدم قيامها بإنتاج ثورة ديمقراطية تزيل الملكيات الإقطاعية في الأرض وتفصل الدولة عن الدين وتشكل المساواة بين الأجناس الـخ . .
كذلك ساهم في صعود الاتجاهات الشمولية ظهور المعسكر الاشتراكي، وكان تعبيرا عن رأسماليات دولة تقوم بتجاوز الإقطاع بأساليب تعجيلية وعبر الملكية العامة الواسعة.
ولكن رأسماليات الدولة العربية لم تصل إلى هذا المستوى أي لم تقم بتصفية الإقطاع في مختلف مستوياته الاجتماعية، فتعثرت التجربة حتى للانتقال الى الرأسمالية. ولكن المعسكر (الاشتراكي) نجح في الانتقال الى الرأسمالية، لكن غياب الديمقراطية أدى إلى ظهور رأسماليات تابعة للغرب وأزمات عنيفة.
أما رأسماليات الدولة الوطنية الشمولية في الوطن العربي فإنها عجزت عن خلق رأسمالية، وبقيت في المرحلة الإقطاعية حتى الآن. وهي إقطاعية/ مذهبية، لكون المذهب الديني هو شكل التجلي الفكري لهيمنة الدولة.
وقد واصل العديد من المثقفين العرب رفض المرحلة الرأسمالية، طارحين القفز على المسار الموضوعي للتطور، ورفض مسألة النمو الطبيعي للتشكيلات الاقتصادية ــ الاجتماعية. وإذا كان هذا استجابة للمنهج السائد في المعسكر (الاشتراكي) تعبيرا عن رأسمالية دولة لا ديمقراطية، فإن تيارات قومية وبعثية غيبت هذه المسائل من أجل تشكيل دكتاتوريات وطنية.
ولهذا فإن العديد من المفكرين والمثقفين المنتمين لهذه التيارات المختلفة المتوافقة على رفض الرأسمالية، أي على رفض النهضة بالوسائل الديمقراطية، وجدوا أنفسهم يطرحون القفز على الرأسمالية من مواقع شتى، وكان هذا في النهاية انتصارا للعلاقات الإقطاعية ــ المذهبية، التي تدعمت عبر الدعم الغربي، ثم عبر صعود محور الخليج/إيران الذي تركزت فيه وبينه الثروة النفطية، التي تقاسمها الغرب والإقطاع، والتي جددت الحركات المذهبية الإقطاعية القديمة في التاريخ العربي الإسلامي.
ان رفض هادي العلوي وحسين مروة ومهدي عامل وغيرهم المرحلة الرأسمالية من التطور، يقود مثلما كان الأمر لدى لويس عوض وسلامة موسى، الى عدم تحليل التاريخ العربي الإسلامي بصورة دقيقة، أي رؤيته كانتصار للعلاقات الإقطاعية المستمرة حتى الآن، وبالتالي يغدو لديهم ضرورة الانتقال الى الاشتراكية، التي تعني في الحقيقة رأسمالية دولة تسريعية للنهضة.
ويمكننا أن نكون مرنين في هذا الجانب عبر طرح نموذج رأسمالية الدولة الوطنية الديمقراطية، أي عبر نظام يقوده القطاع العام المراقب من قبل برلمان، وبالتالي تبقى مسألة التجديدات الاجتماعية خاضعة للحوار الديمقراطي الطويل، سواء على الصعيد الوطني، أم على الصعيد القومي. ولكن رأسمالية الدولة الوطنية الديمقراطية لا تعني الاشتراكية.
لا شك أن المفكر اللبناني الراحل مهدي عامل من المساهمين البارزين في تحليل الواقع العربي المعاصر من منطلقات نقدية عميقة وخاصة من رافد الماركسية البنيوية، التي قام بتطبيقها على الواقع العربي بصورة حرفية، دون رؤية الاختلافات بين مستوى التطور الغربي، وتطور البُنى الاجتماعية العربية.
ونحاول في هذه الموضوعات قراءة آرائه وتحليلاته لندوة جرت في الكويت في السبعينيات من القرن الماضي، اتخذت لها عنوانا هو (أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي)، وقد ناقشها في كتابه (أزمة الحضارة العربية أم أزمات البرجوازيات العربية؟)،(12)*.
يفترض مهدي عامل مسبقا، ودون دراسات، بأن المجتمعات العربية هي مجتمعات رأسمالية. فهو يصر على أن (نمط الإنتاج الرأسمالي المسيطر في البنيات الاجتماعية العربية)،(13)*.
إن هذا يبدو لوعيه شيئا بديهيا، صحيح إنه يقول أن ثمة علاقات ما قبل رأسمالية في الإنتاج غير أنها ليست سوى بقايا.
فيقول بوضوح: (إن فهم تطور بنية علاقات الإنتاج الرأسمالية مثلا في البلدان العربية في الوقت الحاضر، وفهم أزمات هذا التطور يستلزم بالضرورة الانطلاق بالتحليل من هذه البنية بالذات في شكل وجودها القائم في كل من البلدان العربية.)،(14)*.
وليس ثمة من الضرورة بحث جذور هذه البُنى (مع ظهور الإسلام مثلا، أو مع الجاهلية، أو مع بدء العصر العباسي أو الأموي أو الأندلسي أو عصر الانحطاط الـخ . . ، بل هو يبدأ مع بدء التغلغل الإمبريالي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.)،(15)*.
وهو يعترف بأن ثمة (أشكالا من الإنتاج سابقة على الإنتاج الرأسمالي لا تزال حاضرة في البنيات الاجتماعية العربية)، غير أنها ليست سائدة فيه، بل الإنتاج الرأسمالي هو السائد.
ونحن نحاول أن نفهم كيف استطاع الاستعمار أن يجعل من هذه العلاقات سائدة؟ أي كيف استطاع أن يجعل العلاقات ما قبل الرأسمالية لا تسود بل أن تسود العلاقات الرأسمالية؟
لا يقوم مهدي عامل ببحث هذه المسألة تاريخيا، بأن يعطينا أمثلة عن بلد عربي ومنذ القرن التاسع عشر تحول الى الرأسمالية؟ فلا نجد.
ولا أن يقوم بتحديد متى استطاعت البرجوازيات العربية أن تستولي على الحكم وتنشر النظام الرأسمالي الشامل؟ ومن جهة أخرى فهو يؤكد بأن (كثيرا من علاقات الإنتاج الاجتماعية، سواء في الحقل الاقتصادي أم السياسي أم الإيديولوجي، التي تنتمي الى أنماط من الإنتاج بالية، أي بالتحديد، سابقة على الرأسمالية، لا تزال قائمة في البنيات الاجتماعية المعاصرة)،(16)*.
ينطلق مهدي عامل لتحديد هيمنة الرأسمالية على العالم العربي منذ القرن التاسع عشر بشكل مضاد للقراءة الموضوعية، وهو يفترض رأسمالية سحرية تتشكل منذ أن تطأ بوارج بريطانيا وفرنسا الشواطئ العربية، في حين إن الرأسمالية تتعلق بمدى تشكل الرأسمال الخاص في القطاعات الاقتصادية المختلفة، ومدى انتشار العمل المأجور على بقية أنواع العمل في النظام الاجتماعي.
وتتحدد سيطرة البنية الرأسمالية بوصول منتجي البضائع الى سدة الحكم، وإزاحة ملاك الأرض وإقطاعيي السلطة السياسية، وسيادة العمل بالأجرة، وهي كلها أمور لم تتحقق في نهاية القرن التاسع عشر ولا في نهاية القرن العشرين العربيين!
ولكن مهدي عامل يُصادر ببساطة، قبل أن يبحث، فهو منذ البدء يقول: (أزمة البرجوازيات العربية . . ) فأفترض أن هذه البرجوازيات قد حكمت وتعفنت في الحكم وهي مأزومة الآن؟! في حين إن البناء الاقتصادي والسياسي لم تتحقق فيه شروط انتصار الرأسمالية!
ولكن ذلك لا يتعلق فقط بالبحث الفكري بل والأخطر بالمهمات السياسية المباشرة، فيقول بأن:
(المهمة الأساسية لحركة تاريخنا المعاصر بهذا الشكل، لاتضح لنا أن تحققها يمر بالضرورة عبر عملية معقدة من الصراع الطبقي ضد البرجوازيات العربية المسيطرة . .)،(17)*.
ولكن كيف يمكن إسقاط أسلوب إنتاج لم يسُد وطبقات لا تحكم؟
علينا أن نناقش مسالة أسلوب الإنتاج الكولونيالي التي طرحها مهدي عامل، كي نقوم بتفكيك تفكير هذا المفكر، وهي التي اعتبرها حجر الزاوية في نظريته حول تطور العالم العربي.
كما رأينا سابقا، (راجع الفقرة حول التاريخ العربي) إن مهدي عامل يرفض تحليل البنية الاجتماعية العربية الحالية من خلال جذورها، وهو ينتقد المفكرين العرب المجتمعين في الكويت لمناقشة (أزمة تطور الحضارة العربية) بسبب قيامهم بالعودة الى جذور التاريخ العربي، طالبا الوقوف عند العصر الراهن والنظر الى الماضي من خلال البنية الاجتماعية الراهنة.
إن مهدي عامل ينظر للبنُى الاجتماعية العربية الراهنة وكأنها صياغة أوربية غربية، فقد قام الاستعمار الغربي برسملتها، أي بتحويلها إلى رأسمالية ناجزة، وهذه الرأسمالية الناجزة يُطلق عليها اسم «أسلوب الإنتاج الكولونيالي»، وبهذا قام مهدي عامل بخطئين كبيرين مزدوجين، فهو قد قطع السيرورة التاريخية للبنُى العربية الاجتماعية، أي قام بإزالة طابعها الطبقي التاريخي، وهي عملية يقوم فيها بالتمرد على القوانين الموضوعية لرؤية المادية التاريخية عن التشكيلات الخمس: المشاعية، والعبودية، والإقطاع، والرأسمالية، والاشتراكية.
فهو عبر هذه المقولة قد ألغى كون البنُى الاجتماعية العربية بنُى إقطاعية، فحين لا نبحث ألف سنة من التطور الاقتصادي والاجتماعي السابق، ونعتقد أن أسلوبا جديدا للإنتاج قد تشكل، وأسمه الأسلوب الكولونيالي، في خلال بضع سنين، وأن علينا أن ننظر للتاريخ من خلال هذا الأسلوب غير المحدد والغامض، فتتشكل لدينا هنا رؤية سياسية دكتاتورية تحاول أن تفرض نفسها على جسد التاريخ الموضوعي، بمعطيات غير مدروسة.
إن رفض تحليل الماضي، أي بحث التاريخ الإقطاعي للعرب، يتضافر لدى مهدي عامل، ورفض تحليل الحاضر، أي قراءة عمليات التداخل بين الإقطاع والرأسمالية، كأسلوبين للإنتاج موضوعيين في التاريخ العربي الراهن، ويطلب بمناقشة أسلوب إنتاج من اصطلاحاته هو أسلوب الإنتاج الكولونيالي.
ومع هذا فعلينا أن نناقش تسمية أسلوب الإنتاج المقترح، فمهدي عامل لا ينُكر وجود بقايا نظام تقليدي في هذا الأسلوب الذي انتصرت فيه العلاقات الرأسمالية، ودون أن يطرح أية ارقام أو معطيات على انتصار العلاقات الرأسمالية الموهومة، لكنه يعتبر إن العلاقات الرأسمالية المنتصرة في العالم العربي تشكل علاقة تبعية مع العالم الغربي حيث العلاقات الرأسمالية الأقوى، وهذه الأخيرة الغربية هي التي تقوم داخلها بتقويض أساليب الإنتاج الأخرى، في حين تعجز الرأسمالية العربية في علاقتها التابعة من تقويض أساليب الإنتاج السابقة داخلها، وبهذا فإن أسلوب الإنتاج الكولونيالي الذي سادت فيه البرجوازيات العربية يحتاج إلى ثورات عمالية لتقويضه والانتقال إلى الاشتراكية.
تتشكل هذه العموميات الفكرية من منهج مجرد يفرض قوالبه على الواقع الحي غير المدروس، فتلغي مسألة التشكيلة الإقطاعية بجرة قلم، ويتم تحويلها الى تشكيلة أخرى متطورة بقفزة خيالية أخرى هي التشكيلة الرأسمالية الكولونيالية، ثم تحدث القفزة الأكبر الى الاشتراكية . . ولا يزال الباحث لم يحلل الإقطاع العربي وسيرورته السابقة والراهنة.
والغريب إنه في كتابه هذا (أزمة الحضارة العربية . . ) يناقش جملة من المفكرين العرب الذين يقدمون له مادة تحليلية ممتازة، ولو أنه أبعد فرضياته الإيديولوجية المسبقة، أو استفاد بعمق من الماركسية البنيوية التي نقل تطبيقاتها لفهم البنية الاجتماعية، لأمكنه أن يدخل إلى دائرة التاريخ العربي وتشكيلته التي تضطرب أسماؤها لديه. ولكنه حدد منذ البدء هؤلاء الباحثين كمنظرين للبرجوازيات العربية المستولية على الحكم والتي وصلت الى الأزمة وبالتالي يجب نقد وعي هذه الطبقات المسيطرة عبر وعي الطبقات الثورية الـخ . .
حين يناقش مهدي عامل الباحث العربي الكبير شاكر مصطفى يتجاهل مهدي المادة الفكرية الثمينة التي يقدمها شاكر لتوصيف تطور المجتمعات العربية بقوله: (إن الاستمرار الاجتماعي الذي تعيشه الشعوب العربية إنما تحكمه عناصر عديدة في مجموعها التركيب العربي القائم . . وأن لامتدادات التاريخ في هذه العناصر المكان الواسع إن لم يكن الأول . . ) وهذه (العناصر الأساسية الباقية عند أربعة جوانب: أ ـ طرق الإنتاج المادي ب ـ تكوين نظام السلطة ج ـ طبيعة العلاقات الاجتماعية د ـ قيم الفكر التراثية . .)،(18)*.
هكذا نرى لدى شاكر مصطفى نظرة تاريخية موضوعية واقترابا دقيقا من فهم أسلوب الإنتاج الإقطاعي العربي الإسلامي المستمر عبر ألف سنة، الذي يتأسس في نظام السطلة والإنتاج معا، ثم يتمظهر في العلاقات الاجتماعية: الأبوية، هيمنة الذكور، اللامساوة الجنسية، الطائفية الـخ . . ثم يصل النظام الإقطاع إلى المستوى الثقافي: الأمية، الخرافة الـخ . .
إن شاكر مصطفى يمثل مقاربة علمية (ماركسية) من فهم التاريخ، ولكن ماذا يفعل مهدي عامل بمثل هذه المقاربة؟ بدلا من أن يقوم بفهمها ودرس التاريخ العربي يقوم بالمصادرة السريعة، فيقول: (أما أن يكون هذا التاريخ الذي تكونت فيه البنية الاجتماعية للواقع العربي الحاضر، تاريخا يرجع الى ما قبل عشرة قرون خلت، أي الى العصر العباسي أو أواخر العصر الأموي، فهذا ما نختلف فيه جذريا مع الدكتور مصطفى)، ص 45.
فهو يحتار كيف أن هذه البنية المزدهرة يوما ما تصبح هي نفسها سبب التخلف؟ فيقول بلغته المعقدة الغامضة: (فالبنية هذه ليست في حاضرها، من حيث هي بنية، أي كل معقد متماسك، سوى البذرة التي كانتها في الماضي، تنامت، فتنافت وتواصلت في حركة من تماثل الذات بالذات، وما الذات هذه إلا الذات العربية نفسها.)،(19)*.
إن مهدي عامل الذي ينتقد شاكر مصطفى على أنه صار يفكر بمنهج هيجل الجدلي المثالي، يعجز عن اكتشاف رؤية الوعي الموضوعي لدى شاكر مصطفى في فهمه للتاريخ العربي، ويصبح هو هيجليا مثاليا.
فالبنية العربية الإقطاعية زمن الإمبراطورية العباسية كانت نظاما مركزيا، والإقطاع المتحكم في الخراج الهائل يصرفه على البناء الترفي والثقافة المقربة المفيدة للنظام، ثم يتحلل هذا الإقطاع المركزي بسبب ثورات الشعوب، ليجيء نظام الإقطاع اللامركزي، وتظهر الدول والدويلات الإقطاعية، وتكرر بشكل أوسع إنجازات ومشكلات النظام السابق، ثم يهترئ هذا النظام الإقطاعي الديني العام بتشكيلاته المتعددة، ليغدو أنظمة و إمارات إقطاعية صغيرة مذهبية الـخ . .
إن هذه السيرورة التاريخية تحافظ على قسمات عامة أشار لبعضها شاكر مصطفى في المقطع السابق ذكره، حيث يغدو الحكام هم المستولون على القسم الأكبر من الثروة العامة، وتتواشج السلطة والثروة، ويشركون رجال الدين في السيطرة على العلاقات الاجتماعية، أي ينقلون العلاقات الإقطاعية الى البيوت والأحوال الشخصية الـخ . .
واذا لم نقم كما يريد مهدي عامل بقراءة هذه السيرورة التاريخية الاجتماعية التي امتدت خلال ألف سنة، والتي تتغلغل في أبنيتنا الاجتماعية وقوانيننا الوراثية وفي سلطاتنا المطلقة، وفي شعرنا ونثرنا وعاداتنا ولا وعينا، فكيف نقوم بتغيير هذه البنية التقليدية وتشكيل النهضة؟!
إن مهدي عامل يخرق قوانين الوعي على مستوى قراءة الماضي، وعلى مستوى قراءة الماركسية، فعبر قراءة الماضي يتجاهل البنية الإقطاعية وسيرورتها الراهنة، وعلى مستوى الماركسية يقوم باختراع مغامرات سياسية محفوفة بالكوارث، عبر اختراعه مقولة أسلوب الإنتاج الكولونيالي وتصفية البرجوازيات العربية.
فهو بدلا من قراءة الماضي ورؤية أسباب عجز البرجوازيات العربية القديمة عن تشكيل النهضة، والقيام بثورة رأسمالية، وقراءة أسباب ضعف البرجوازيات العربية الراهنة وعدم قدرتها على تغيير أسلوب الإنتاج الإقطاعي وتشكيل تحالف معها لتغيير التركيبة التقليدية يقوم بوضعها في خانة العدو والقفز ضدها الى مهمات غير حقيقية ومكلفة كما دلت تجربة الشعب اللبناني.
يمثل المفكرون الذين تواجدوا في الكويت لمناقشة مسائل النهضة العربية وكيفية إيجادها، نخبة اشتغلت في حقول الدراسات لزمن طويل، وبغض النظر عن اجتهاداتها ومدارسها فإنها تعبر عن عقول مهمة تعارض المجتمعات العربية التقليدية من منطلقات مختلفة، لكن المفكر اللبناني مهدي عامل نظر اليها كخصوم وليس كقوى مساندة للطبقات العاملة العربية في تغيير مجتمعات التخلف، وبهذا كان يرفض العديد من الآراء المهمة التي تقدمها كما فعل مع شاكر مصطفى .
ويعترض مهدي عامل كذلك على زكي نجيب محمود الذي يمثل المدرسة الوضعية أو التجريبية المنطقية في دعوته لأحكام العقل في النظر الى الأشياء، وخاصة في جملته التي قالها بضرورة (الاحتكام الى العقل في قبول ما يقبله الناس وفي رفض ما يرفضونه)، ودعا الدكتور زكي العرب الى التوجه لتمثل الحضارة المتقدمة، واعتبر إن الاحتكام الى العقل ميز الحضارات العقلانية، معطيا نماذج أربعة على حضارات احتكمت الى العقل وهي:
أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد، وبغداد في عصر المأمون، وفلورنسا في القرن الخامس عشر، وباريس في عصر التنوير في القرن الثامن عشر.
أي إن زكي نجيب محمود يقدم درجات من صعود البرجوازية عبر العصور، أعطى إنتاجها المادي قدرة على الفهم الموضوعي للطبيعة المجتمع، على درجات متفاوتة.
ويعترض مهدي عامل على هذه التصنيفات ويقول: (وهنا تظهر الدلالة الطبقية لهذا المنطق من التفكير: فانتفاء الطابع التاريخي، أي النسبي، من شكل العقلانية الخاص بالبنية الاجتماعية الرأسمالية يجعل من هذا الشكل الخاص مطلقا، فيظهر ما هو تاريخي ـ أي ما يحمل فيه ضرورة تخطيه ونفيه ـ بمظهر ما هو طبيعي ـ أي يحلم فيه ضرورة تأبده ـ ويظهر الشكل الطبقي البرجوازي للعقلانية بمظهر العقلانية الإنسانية، أي بما هو طبيعي ملازم للحضارة كحضارة . .)،(20)*.
يتحول تقديم زكي نجيب محمود لصور من العقلانية عبر التاريخ في وعي مهدي عامل الى وجهة نظر لـ(البرجوازية المسيطرة)، هكذا بشكل مطلق وكأن زكي نجيب محمود يمثل برجوازية مسيطرة تقوم بإخفاء التناقضات الاجتماعية المحتدمة تحت سيطرتها مثلما تفعل البرجوازية الفرنسية التي درس في عالمها مهدي عامل ونقل لغة النقد الموضوعي ضدها، وليس باعتبار زكي مفكرا يعبر عن فئات برجوازية عربية تعاني من هيمنة تقليدية متخلفة، وحين يقوم باستعادة لحظات من فعل الفئات المتوسطة عبر التاريخ الماضي إنما يريد شحذ عقلها وإرادتها من أجل تشكيل عالم نهضوي عقلاني عربي، يمكن حتى للقوى الشعبية فيه أن تناضل بصورة حديثة.
إن المحطات التي اختارها زكي نجيب محمود للحظات التاريخية التي بدأ فيها أسلوب الإنتاج الرأسمالي بالصعود هي محطات تُظهر هذا الأسلوب الجديد في تشكيلات متنوعة، بدء من التشكيلة العبودية لدى الإغريق، أو التشكيلة الإقطاعية عند العرب، أو بداية انحسار الإقطاع لدى التجار الإيطاليين في فلورنسا، ثم انتصار الأسلوب في الثورة الفرنسية.
وفي هذه المحطات حاول العقل الممثل للفئات الوسطى أن يحرر النظام الاجتماعي من هيمنة الخرافة وتدخلها ومنعها لاكتشاف السببيات العميقة للتقدم ونمو العلوم والتجارة الـخ . . ولكن في الثورة الفرنسية لم تعد ثمة فئات وسطى بل طبقة برجوازية صناعية قائدة منتصرة تعيد تشكيل البنية الإقطاعية.
وبطبيعة الحال فحين يُقال هذا الكلام للجمهور العامل الفرنسي الآن، يغدو هذا مجرد كلام تاريخي، فالبرجوازية الفرنسية الراهنة هي غير برجوازية الثورة، ولكن حين يقول هذا الكلام زكي نجيب محمود في العالم العربي الإقطاعي الطائفي المتخلف، يغدو الأمر ثوريا.
ويجري العكس لدى مهدي عامل الذي ينقل الوعي معارض الفرنسي في الرأسمالية الكلاسيكية، أي في الرأسمالية التي غدت عائقا للإنتاج، الى البلدان الجائعة للتطور الرأسمالي الصناعي خاصة، وبدلا من أن يبحث كيفية نموها وتغييرها للإقطاع، مثمنا البذور النقدية الوضعية والتجريبية، لزكي نجيب محمود ومعاضدا إياه لتوسيع الجبهة المعادية للتخلف والإقطاع، يطالب بإسقاط مثل هذه البذور والمقدمات للتحول الحديث، قافزا الى مهمات غير ممكنة.
وهكذا فحين يظُهر زكي نجيب محمود العقلانية البرجوازية كما يقول مهدي عامل كعقلانية مطلقة، كعقلانية تمثل البشر جميعا، كعقلانية وحيدة، فهذا نتاج لوعي مثالي يغُيب شروط الثورة الديمقراطية في البلدان المتخلفة، معتبرا العقل شيئا تجريديا، وليس مصانع يجب أن تتوسع، ومختبرات علمية يجب أن تنتشر، وعمالة جاهلة يجب أن تتعلم وتتحسن معيشتها، وريف إقطاعي يجب أن يتحدث، ونساء ينبغي أن يدخلن مجال الآلة الصناعية الـخ . .
رأينا في بعض الأمثلة التي سقناها من حوار المفكر اللبناني الراحل مهدي عامل مع شخصيتين ثقافيتين عربيتين كبيرتين، المستوى العام السياسي، الذي يتصدى فيه المفكر اللبناني لوجهات نظر من الفئات الوسطى العربية، وهي تحاول أن تطرح وجهات نظر لتجاوز عالم التخلف والإقطاع العربي.
والمقصود بالمستوى العام السياسي، إن مناقشة كتابه (أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية؟) من قبلنا في هذه الموضوعات، تعلقت بعرفة رأيه في مسالة التشكيلة الاقتصادية/الاجتماعية السائدة عربيا، وهي مسالة قام مهدي عامل بتضبيبها بشكل شديد، من جهة تمييع حدودها بما يتعلق بالماضي، فيتم قطع العلاقة بتحليل الماضي من حيث إنه سيرورة تاريخية مستمرة الى عصرنا العربي الراهن، أي بسبب استمرار التشكيلية الإقطاعية الدينية الى وقتنا الراهن، وهي تحاول إفراغ التشكيلة الرأسمالية الجديدة التي لم تنتظر انتشارا واسعا، من مضمونها، ولعدم انتصارها.
ومن هنا لا يقوم مهدي عامل بدراسة هذه التشكيلة الماضوية الحاضرة في تطورها وفي اعتقالها للتطور العربي، ويغدو الاقتراح النظري باسم (أسلوب الإنتاج الكولونيالي) شكلا من التموية الفكري والسياسي لعدم حل مشكلات البنية الإقطاعية السياسية الدينية، باعتبارها العائق الأكبر في سيرورة التطور العربي الراهنة، قافزا الى مهمات تعود الى بُنى الرأسمالية المعاصرة الغربية، وهذا في التطبيق العملي السياسي يقود الى انتصار الإقطاع السياسي والديني، عبر توجيه العداء والضربات الى حليف سياسي واجتماعي وفكري للقوى الشعبية، هو قسم من الفئات الوسطى الحديثة ومثقفيها، خاصة للتيارات البرجوازية العلمانية والديمقراطية.
إن مهدي عامل في رفضه لاستمرارية التشكيلة الإقطاعية، وإحلاله التشكيلة الرأسمالية، حتى مسمى علاقات الإنتاج الكولونيالية، رفض الأساس الموضوعي لفهم التطور العربي، ومن هنا يغدو المفكرون الذين فند آراءهم في الكتاب المذكور، أكثر اقترابا من الحقيقة الموضوعية، ومن المهمات السياسية والاجتماعية والثقافية، من مهمات التغيير العربية الحقيقية، رغم مناهجهم التي تعود لاختيارات أيديولوجية للفئات الوسطى، أكثر من قراءته التي يقوم فيها باستيراد أدوات فكرية منهجية غربية ماركسية مهمة، لكنه لا يطبقها التطبيق الصحيح.
ليس ذلك كذلك إلا بسبب مقاربتهما (والمثالان هما شاكر مصطفى وزكي نجيب محمود) للتشكيلة الاقتصادية/ الاجتماعية الإقطاعية الدينية، بمستويات معينة من القرب والتحليل، وهو بدلا من مقاربتهما وتطوير أدواتهما ووعيهما، قام برفض كلي لتلك المقاربة النقدية التشكيلة المحافظة.
إن المشكلة المزدوجة هنا هي في وجود أداة فكرية تحليلية صحيحة لدى مهدي عامل رُكبت في منظومة سياسية خاطئة، بمعنى أنه قرأ البنيوية الماركسية لدى جولدمان وآلتوسير واستوعبها، غير أنه حينما جاء الى تشكيلته السياسية الحزبية العربية التي تطرح تجاوز البرجوازية وهدم سلطتها، ركب أداة نظرية حديثة دقيقة، في رؤية (ماركسية لينينية ستالينية) متخلفة.
وفي الموضوعات السابقة رأينا القضايا التي تقارب مسائل التشكيلة، وهي المسائل السياسية الامة، والتي هي العمود الفقري لمسائل الوعي والفكر والثقافة، وبدون الحل الصحيح لهذه المسألة المحورية فإن القراءة الفكرية كلها تكون محفوفة بالأخطاء.
إن النموذج الذي يختاره مهدي عامل في الفصل الرابع من الكتاب السابق الذكر كذلك، هو الشاعر والمفكر المعروف أدونيس، الذي صاغ دراسة حول الإمام أبي حامد الغزالي في ذلك المؤتمر مُستنتجا ـ أدونيس ـ بأن الفكر الديني: (بقواعده وغاياته، وهو الذي يسود المجتمع العربي، اليوم. ولذلك فإن الإيديولوجية السائدة، سواء في المدرسة والجامعة والبرامج التربوية، والصحافة والإذاعة والكتاب، إنما هي قوة ارتداد نحو الماضي، وقوة محافظة على الراهن الموروث . . فعلاقات الإنتاج الموروثة . . ما تزال هي السائدة . . والبنية الإيديولوجية التقليدية . . ما تزال كذلك هي السائدة)، (21)*.
هذا الكلام يقوله أدونيس في سنة 1974، وبالتالي استطاع أن يشخص الواقع العربي تشخيصا دقيقا بحيث أننا الآن (سنة 2003) ندرك الفجائع المترتبة على هذه السيادة الماضوية. ولكن اليسار حينذاك لم يكن ير مثل هذا التشخيص، كرفيقنا الراحل مهدي عامل، الذي يتصدى لهذه المقولة قائلا ردا وتحليلا للرأي السابق:
( 1 ــ الفكر العربي هو نموذجه، ونموذجه هو الغزالي، فالفكر العربي إذن هو فكر الغزالي.
2 ــ الفكر السائد في الماضي هو الفكر السائد في الحاضر.
3 ــ البنية الإيديولوجية السائدة في الماضي هي البنية الإيديولوجية السائدة في الحاضر.
4 ــ علاقة الإنتاج المتوارثة ــ أي السائدة في الماضي ــ هي علاقات الإنتاج القائمة في الحاضر.
إذن الماضي هو هو الحاضر، لا شيء تغير. (خلاصة)، (22)*.
من الواضح إن مهدي عامل يقوم بتبسيط نظرة أدونيس إلى التاريخ الفكري العربي، فالغزالي لدى أدونيس ليس كل الفكر العربي، بل فكره المذهبي المحافظ، ولكن أدونيس يقول إن هذا الفكر المحافظ المذهبي هو الذي ساد، واذا طورنا مقولة أدونيس كما توصلنا اليها، فنقول إن رؤية الغزالي كانت هي ثقافة الإقطاع السائد. ولكن ثقافة الإقطاع المذهبي متعددة، وحتى تسود قامت بالقضاء على التيارات الدينية المعارضة، وهذه لها حراك وصراع استمر الى وقتنا الراهن، فليس معنى ذلك سكون الخريطة الفكرية الاجتماعية، بل أن لها ألوانا وتضاريس مقعدة. ولكن من الناحية الجوهرية فإن المنظومة العربية الإسلامية لا تخرج عن التشكيلة الإقطاعية، ومعرفة وتحديد التشكيلة هذه هي الخطأ الجوهري لدى مهدي عامل كما بينا سابقا، في حين أنها الصواب لدى أدونيس وشاكر مصطفى، واستمرارية التشكيلة لا يعني الحكم بالثبات المطلق، كما سنعرض لاحقا.
يضع مهدي عامل بعض ممارسات الفلاسفة العرب كابن رشد في دائرة ما يسميه (بالممارسة الإيديولوجية لما يمكن تسميته بالطبقة الأرستقراطية العربية المسيطرة في المجتمع الاستبدادي في القرون الوسطى.)، وبغض النظر عن جملة من المفاهيم الخاطئة في هذه العبارة، فإن مهدي عامل يضع الممارسات النقدية للمفكرين العرب المسلمين السابقين في سياق (مجتمع استبدادي)، وليس في سياق التشكيلة الإقطاعية المعروفة بداهة للمادية التاريخية، ثم يقوم بوضع الحركات والفكر الديني الإسلامي المعاصر في سياق آخر فيقول: (أما في الحالة الثانية، «فالإسلام» موجود بالشكل الذي يتحدد فيه بحقل آخر من الممارسات الإيديولوجية الطبيقة، خاص ببنية اجتماعية مختلفة، يغلب عليها الطابع الكولونيالي، في انتمائها التاريخي الى نمط الإنتاج الرأسمالي.)،(23).
إن هذه البنية الحديثة التي يضع مهدي عامل الوعي الديني السابق فيها، هي بنية يغلب عليها (الطابع الكولونيالي تنتمي تاريخيا الى نمط الإنتاج الرأسمالي)، وهي توصيفات نرى كيف أنها بذاتها قلقة مضطربة، وهو يلجأ الى كلمة (كولونيالي)الأجنبية المنتفخة، لكي يشُعر القارئ بأنها مصطلح غني في حين يمكن القول بأن البنية العربية هي بنية تابعة، ووجود التبعية لا يخلق تشكيلة جديدة، أي أنه حين تقوم الرأسمالية المسيطرة غربيا بإلحاق البلدان الفقيرة الإقطاعية في العالم الثالث باقتصادها، فإن هذه البنية التابعة تظل في تشكيلتها الإقطاعية السابقة، لإن الاستعمار لا يقوم بثورة اجتماعية فيها بحيث يحولها الى نموذجه أو نموذج الرأسمالية، بل يبقيها في بنيتها السابقة ويجري تغييرات سياسية واقتصادية بحيث تقوم بضخ المواد الأولية اليه وتغدو سوقا لمنتجاته الـخ . . لكن عمليات الإلحاق والتغيير الرأسمالية المحدودة تكون في إطار التشكيلة الإقطاعية، أي أن التشكيلة السابقة لم تتبدل بثورة تبدل البناءين، التحتي بثورة اقتصادية، والبناء الفوقي بثورة ثقافية، بل جاءتها عناصر رأسمالية فقامت باستيعابها في قوانين التشكيلة الإقطاعية التقليدية.
إذن عدم فهم مهدي عامل للقضية المحورية وهي قضية التشكيلة يقوده الى سلسلة من الأخطاء اللاحقة، حيث ينفي كون الدين أيديولوجية فكرية مسيطرة في الحاضر، لأنه نفى كون التشكيلة المعاصرة تشكيلة إقطاعية، وبهذا لم يدُرك المهمات الفكرية والسياسية الأساسية الراهنة، وهي تغيير التشكيلة وبناءها الفكري التقليدي.
ولهذا يقوم بنقد أدونيس لأنه يقول بـ(الرأي الماركسي!) باستمرار التشكيلة الإقطاعية ووعيها الديني الأساسي، (ويجب أن نقول هنا وعيها: الطائفي السياسي)، منتقدا إياه بأنه ينقل: (مركز الثقل في الممارسة الإيديولوجية للصراع الطبقي ضد البرجوازية المسيطرة، من صراع ضد إيديولوجية هذه الطبقة، بمختلف تياراتها، الى صراع ضد الشكل الديني أو الطابع الديني من هذه الإيديولوجية . .)،(24)*.
وهنا يواصل مهدي عامل عدم فهمه وخلطه للأمور، فأدونيس في نقده للشمولية الدينية ينقدها في ظل نظامها التقليدي الإقطاعي، أي باعتبار الوعي الطائفي المحافظ تجليا فكريا واجتماعيا للممارسة الإقطاعية المهيمنة على المسلمين (والمسيحيين)، وليس باعتبارها نضالا ضد الشكل الديني، أي بأنها قضية فك علاقة الدين بالسيطرة السياسية والاجتماعية الإقطاعية الراهنة، وتشكيل منظومة سياسية حديثة علمانية.
أي أن مهدي عامل يريد تجيير النقد ضد الدين، ويجعله بإطلاق، وليس ضد الوعي السياسي الطائفي المستغل للإسلام في تأبيد البنية الإقطاعية المتخلفة، وبالتالي يريد توجيه الوعي الفكري ضد البرجوازية العربية الحديثة، باعتبارها سبب الأزمة والعائق، أي أنه في النهاية يقوم بالدفاع غير المباشر عن الإقطاع الديني، أو أنه بالهجوم على البرجوازية الحديثة يفتت الصفوف الموجهة ضد الإقطاع الديني والسياسي.
فلنحلل أكثر التباس المفاهيم والمراحل واستراتيجيات النضال لدى مهدي عامل.
يقول: (فالعلاقة هذه التي تمنع تطور الإنتاج الرأسمالي في شكله الكولونيالي، من أن يميل، في قانونه العام، الى القضاء على علاقات الإنتاج السابقة عليه، في سيطرته بالذات عليها، هي نفسها العلاقة التي تمنع البرجوازية الكولونيالية، في ممارسة سيطرتها الإيديولوجية/ من القضاء على مختلف الإيديولوجيات السابقة على الإيديولوجية البرجوازية، في سيطرتها بالذات . .).
يعتمد مهدي عامل على منطق ارسطي شكلاني يجرد التاريخ من سيرورته الحقيقية، ويضعه في قوالب لا تاريخية، أي لا توجد إلا في وعيه الذي يقع خارج التاريخ الحي.
فهو أولا قد أثبت انتصار الإنتاج الرأسمالي في العالم العربي، في القرن التاسع عشر كما سيقول لاحقا أيضا! لكن هذا الانتصار تم في إطار كولونيالي، ورغم إن البرجوازيات العربية التي انتصرت على أشكال الإنتاج ما قبل الرأسمالية قد انتصرت إلا أنها مع ذلك تحافظ على الأيديولوجيات ما قبل الرأسمالية وهو ذات السبب الذي يجعلها تحافظ على أساليب الإنتاج ما قبل الرأسمالية!
فأولا حين جاء الاستعمار الى العالم العربي في القرن التاسع عشر، كرس الإقطاع والطائفية والأمية، ولم تستطع الفئات الوسطى (البرجوازية) أن تنمو إلا بشق النفس، وخاصة الفئة الصناعية، وبقيت الأبنية الاجتماعية تسود فيها عبودية النساء وعدم خروجهن للعمل والإنتاج، وهيمنة الإقطاع الطائفي الـخ . .
وبهذا فإن نضالات الفئات الوسطى كانت تتحدد في كل بنية اجتماعية عربية، حسب تطورها الاقتصادي الاجتماعي، فإن تنمو فئة وسطى وتقود نضالا ديمقراطيا كان ذلك يحتاج الى عقود، وليس كما يظهر في وعي مهدي عامل اللاتاريخي، بشكل أزرار سحرية، وكأن تشكل علاقات الإنتاج الرأسمالية تتم في الذهن وليس في الواقع الحي. أي أن الرأسمالية تحتاج شروط موضوعية وهي انتشار الصناعة وانتشار العمل بالأجرة وتحرر النساء الـخ . .
ولو افترضنا جدلا بنشوء الرأسمالية الواسعة في نهاية القرن التاسع عشر، وهذا محض خيال، فإن أشكال الوعي الدينية المرافقة للتشكيلة الإقطاعية، لا تنهار بسهولة كبيت من ورق كما يتضمن ذلك وعي مهدي عامل.
إن الوعي الديني المترافق مع التشكيلة الإقطاعية العربية تأسس فوق بنية زراعية/ حرفية/ رعوية، وداخل صراعات اجتماعية (قومية) ومناطقية، وقادته الصراعات السياسية الاجتماعية الى الانقسام المذهبي الكبير في عصر الثورة والمعاضة، بين التيارات المحافظة والتيارات الإقطاعية الناجزة وتيارات الفئات الوسطى الفاشلة، ثم الى الانقسام المذهبي الكبير الثاني حين انتصرت التيارات والدول المحافظة، أي الانقسام بين السنة والشيعة.
إن هذه السيرورة الاجتماعية الإيديولوجية المتلونة بمراحلها وآثارها لا يمكن أن تزول آليا مع الانتصار الموهوم للرأسمالية كما يظن مهدي عامل، بل إن هذا البناء الفوقي يحتاج قرون لكي تتم زحزحة خطوطه المتكلسة، ولكن الأمر أعقد من ذلك لأن هذا البناء الفوقي يتأسس تحت بناء قاعدي لم يتغير كثيرا.
وكما أوضح شاكر مصطفى في عبارته الهامة التي اقتطعها مهدي عامل ورفضه بأن النظام الإقطاعي العربي الديني تتداخل فيه مسألتي السلطة والملكية، أي تتواشج فيه جوانب من البناءين التحتي والفوقي، فالمسيطرون على الثروة والملكية العامة والأوقاف الـخ . . هم الإقطاعيون السياسيون والدينيون، وهو أمر يتمظهر مذهبيا في البلدان ذات المذاهب المتنوعة، ودينيا في الأقطار الإسلامية ذات الاختلاط مع المسيحية، وهذه الهيمنة الإقطاعية تظهر على شكل ملكيات استبدادية وهو أمر استمر حتى منتصف القرن العشرين في بعض الدول العربية وليس في أغلبها، وعلى شكل جهوريات رئاسية أو ملكيات لم تستطيع أن تنُجز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية المكتملة، أي في جميع الأقطار العربية الإسلامية حتى الوقت الراهن.
يحكم مهدي عامل على البرجوازيات العربية منذ تشكلها وصراعها ضد الإقطاع والاستعمار، بحكم سياسي واحد، فبعد أن شكلها بشكل ناجز في ذهنه فحسب، وبعد أن شكل الأنظمة الرأسمالية العربية في وعيه فحسب، غدت متطابقة مع البرجوازية الاستعمارية المسيطرة وبالتالي غدت منذ البدء عدوا.
لهذا فإنه لا يقرأ سيرورتها الفكرية والاجتماعية وبالتالي مراحل تطورها ومن هنا لا يرى فرقا بين (ما نراه في ايديولوجيتها من مفاهيم «عصرية» ليبرالية، وما نراه أيضا في بدء «تاريخها الإيديولوجي» من مفاهيم أرادت أن تكون مثيلة مفاهيم الثورة الفرنسية البرجوازية، كما هو الأمر عند رفاعة الطهطاوي ولطفي السيد وغيرهما). (26)*.
ومهما كانت عدم الدقة في المطابقة بين آراء الثورة الفرنسية وآراء الطهطاوي ولطفي السيد، فإن عدم رؤية أهمية آراء المنورين العرب في ذلك الكهف الإقطاعي التي كانت ولا تزال الشعوب العربية تحاول الخروج منه، فذلك يدل على وعي الأرادوية الذاتية الثورية) في إلغائها للقوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي، مثلما تفعل في مسألة الوعي بالتشكيلة وبالوعي المهيمن فيها، حيث يلغي مهدي عامل أهمية أفكار البرجوازية النهضوية ويثبت آراء الإقطاع الديني، فيقول بأن الإيديولوجية الدينية: (ليست هي الإيديولوجية المسيطرة، أو التيار الإيديولوجي المسيطر في الإيديولوجية المسيطرة، أو أيديولوجية البرجوازية الكولونيالية المسيطرة)، (27)*.
إذن إنه في عدم وعيه بسيرورة الإقطاع السياسي الديني في الماضي: بقوانين تشكله وصراعاته وظهور الفئات الوسطى بين أشداقه وأسباب انهيارها وغلبته، فإن مهدي عامل لا يرى قوانين استمراريته وانهياره في العصر الحديث العربي، وأسباب ضعف الفئات الوسطى، وصراعها معه ومع الاستعمار.
إن عدم رؤية قوانين البنية الاجتماعية في الماضي، هي ذاتها تتجلى في عدم رؤية قوانينها في الحاضر، ويقود ذلك الى عدم رؤية قوانين التشكيلة الإقطاعية عامة، خاصة عملية تفكيكها وتغييرها المعاصرة، وإذا أحلنا آراء مهدي عامل الفكرية العامة إلى الميدان السياسي، فيعني ذلك تقوية الإقطاع.
فعدم تثمين مقامات الفئات الوسطى في الماضي والحاضر، وتشكيل جبهة سياسية تحديثية واسعة، تراكم الوعي النهضوي وتقود في الخاتمة الى الثورة أو القطع مع المنظومة الإقطاعية، واستبدالها بمنظومة حديثة، يعني تصفية القوى النهضوية وتفكيكها، وبالتالي تصعيد الإقطاع في مستويات البنية المختلفة.
علينا أن نرى إن ثمة عدم دقة تحليلية للإقطاع المذهبي وتطوره في التاريخ العربي ولدى أدونيس كذلك، أي أن أدونيس لا يرى الجذور الاجتماعية لتشكل الحداثة قديما وحديثا، التي تؤسسها الفئات الوسطى العربية، ولكنه يقترب من هذا التحديد بشكل أفضل من مهدي عامل، الذي يقول عن ذلك: (لكن المنطق الذي قاد أدونيس الى عدم رؤية هذا الطابع الطبقي المميز للصراع الإيديولوجي في واقعنا الراهن، هو تلك المعادلة الرابعة التي أقامها بين علاقات الإنتاج السائدة في الماضي وعلاقات الإنتاج القائمة في الحاضر . .)، ويضيف مهدي عامل: (أما أن تكون هذه العلاقات الموروثة نفسها هي هي العلاقات القائمة حاليا، فهذا ما لا يمكن للمنطق العلمي أن يقبل به، برغم وجود الانسجام الداخلي في منطق أدونيس . .)، (28)*.
ومن المؤكد إن الإقطاع العربي الكلاسيكي القائم على ملكية الأرض الزراعية والخراج، لم يعد شاملا، لكن مهدي عامل لم يقم بدرس العلاقات الاقتصادية العربية الحديثة، وكيف أن ملكية الدولة لوسائل الإنتاج تمثل شكلا إقطاعيا حين تغدو تابعة بالوراثة لأسرة أو جماعة سياسية، بدلا من أن تكون هذه الوسائل بضاعة متداولة، ولهذا ثمة استمرارية كبيرة بين حقول النفط وحقول الزراعة، وبين الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي تتركها في تقوية الإقطاع الأسري والحزبي الـخ . . ونعرض ذلك كمثال عابر فقط، من أجل أن نرى استمرارية الحياة التقليدية، وبالتالي فإن الحكم العام الذي يطلقه أدونيس باستمرار الوعي التقليدي وهيمنته لا يجانب الصواب.
إن أدونيس إذن عبر تلك الفقرة التحليلية يقربنا من رؤية البنية الحقيقية للحياة العربية، فيما يعمل مهدي عامل على إخراجنا من تلك البنية وإدخالنا في بنية موهومة من قراءته ومعايشته للحياة الغربية، فيريد نقل مهمات الصراع الطبقي فيها، الى بلدان متخلفة، تشكو من قلة البرجوازية والعمال والتصنيع، دون أن يحاول العودة الى مصادر أدونيس في قراءة المجتمعات العربية، في كتابه (الثابت والمتحول) خاصة.
في احدى الفقرات من كتابه (أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية؟)، يقر مهدي عامل ضمنا بسيادة العلاقات الإنتاجية والاجتماعية التقليدية وهو يرد على أدونيس فيقول: (إن وجود هذه العلاقات السابقة في البنية الاجتماعية الكولونيالية لا يعني أنها العلاقات السائدة في هذه البنية، حتى وإن كانت هي تنتشر على القسم الأعظم من السكان، كما هي الحال في الهند مثلا، أو في كثير من البلدان العربية . .)، (29)*.
إنه يعتبر الإنتاج التابع شكلا تاريخيا محددا من الإنتاج الرأسمالي، فمهما كانت أشكال ما قبل الرأسمالية منتشرة فإن ما يحدد توجه التطور هو النمط الرأسمالي.
وبطبيعة الحال لا يمكن أن نأخذ بهذه الجمل إلا عبر تحليل للأبنية الاقتصادية الاجتماعية المحددة في كل بلد، فرغم أن التطور الرأسمالي هو تطور عالمي عاصف، إلا أن كل منطقة وبلد لهما خصوصياتهما، أي أن الأمر يعود لتطور التشكيلات وتاريخها، وتناقضاتها الداخلية، فالتشكيلة الإقطاعية العربية الإسلامية، عبر سيطرة مختلف الدول الاستعمارية على أقطارها المتعددة، لم تقم هذه الدول الاستعمارية برسملتها بشكل شامل، وحتى بعد مختلف الثورات الوطنية فإن المسألة الديمقراطية لم تُحل، أي أن هذه الأنظمة ظلت على بنياتها الإقطاعية المذهبية، وظلت الدولة طائفية واللامساواة بين المواطنين سائدة، وظلت قوى ما قبل رأسمالية تتحكم في الثروة العامة الـخ . .
لكن مهدي عامل لا يرى ذلك، بل يرى إن هذه الأنظمة أنظمة رأسمالية فيجب أن: (يرفض الدولة البرجوازية، أي هذا الشكل التاريخي الطبقي المحدد من الدولة، ويرفض علاقات الإنتاج البرجوازية الـخ . .)، (30)*.
كما أن القوى العاملة مدعوة (لممارسة العنف الثوري، من حيث هو عنف طبقي، بأدواتها هي وبمنطقها هي وبنظامها هي، من أجل القضاء على سبب وجود العنف الذي هو المجتمع الطبقي)، (31)*.
إن مهدي عامل لا يقول ذلك في فرنسا والولايات المتحدة، بل في لبنان وسوريا والعراق والجزيرة العربية، فبدلا من معرفة ما يحدده شاكر مصطفى وأدونيس من دولة استبدادية طائفية إقطاعية متخلفة، يقوم مهدي بصناعة دولة موهومة هي الدولة البرجوازية، وقد اكتملت علاقات الإنتاج الرأسمالية فيها، وبين النموذج الواقعي الذي يرفض الدخول فيه وتحليله، يجر نموذجا آخر ويريد مجابهته، وهذا الجر يخلق مهمات سياسية وعسكرية مختلفة، فهو هنا يريد إزالة البرجوازية بالقوة، فتتحول هذه الكلمات في يد اليساري اللبناني الى سلاح، ويغدو كل الفلاحين المقتلعين من الجنوب والنازحين على المدن والفقراء، جيش الثورة البروليتارية في مواجهة البرجوازية.
إن مهدي عامل بعد أن حول المجتمع المتخلف الطائفي التابع الجائع الى المصانع والبرجوازية الى (مجتمع برجوازي مأزوم بسيطرة هذه البرجوازية)، لم تعد المهمة سوى اقتلاع هذه البرجوازية لكي تحل الأزمة، وهكذا يُفتح الطريق للحرب الأهلية اللبنانية من البوابة النظرية.
لا يعني ذلك بأن توصيفات أدونيس للمجتمع العربي التقليدي متكاملة ولا أن الحلول التي يطرحها لتجاوز أزمة المجتمعات العربية التقليدية، ولكن ما يطرحه من حلول أقل خطرا وأكثر فائدة مما يطرحه مهدي عامل.
فأدونيس يقول حسب رواية مهدي عامل بأن (شخصية العربي، شأن ثقافته، تتمحور حول الماضي/ القديم). وأنه في الحضارة العربية (لما انتفى الفرد في الموضوع وتغرب عن ذاته في الجماعة أو الدولة أو السلطة أو النظام . . كان الاتباع وكان التخلف، وكان حاضر الإنسان العربي أو ماضيه)،(32)*.
نستطيع أن نقول بأن مقاربة أدونيس للتشكيلة الإقطاعية هي أقرب للحقيقة الموضوعية من مهدي عامل، ولهذا فإن اقترابه من المخرج للأزمة الحياة العربية أكثر جدوى، وهو حين يقول بأزمة تلاشي الفرد المبدع أو هيمنة التقليد في الحضارة القديمة، فهو يشير إلى شيء موضوعي لم يتبينه تمام التبين، وهو سيطرة الهياكل الإقطاعية العامة الاقتصادية والاجتماعية والإيديولوجية، ولهذا فإن الفردية، وتوسع الفئات الوسطى الحرة، وبالتالي انتشار الإبداع لم يحدث بصورة جذرية، وقد تتبعنا ذلك في قراءات سابقة، وبينا جذور الفئات الوسطى وارتكاز قواها الأساسية على الدولة الإقطاعية. وبهذا فإن الفئات الوسطى العربية في الماضي والحاضر، لم تستطع أن تتحول الى طبقات برجوازية كلية، وهذا بخلاف رؤية مهدي عامل التي تقول بأنها ولُدت كبيرة ناجزة بفعل الأزرار السحرية الغربية، ولكنها بعد كما يقول أدونيس كذلك لم تستطع حتى الآن أن تزيح الاتباع وتنشر الحرية بشكل شامل!
تلخيصا وتطويرا لما سبق نشره، يقيّم مهدي عامل تقييما سلبيا المقاربة الموضوعية لأدونيس تجاه المجتمع العربي التقليدي، فهو يقوم بإزاحة التوصيفات (العلمية) لهذا المجتمع، ويضع بدلا منها توصيفات مستقاة من تطور أعلى، هو تطور البلدان الرأسمالية المتطورة، ويضع المهمات التي تواجه الطبقات العاملة فيها الى البلدان محدودة التطور، والتي تعالج مهمات تاريخية مختلفة، وبدلا من تشكيل جبهات موسعة للقوى الحديثة والديمقراطية لإزاحة التشكيلة الإقطاعية الطائفية العربية، فإن يوجه القوى ضد أحد الأجنحة المهمة في كلية التغيير الديمقراطية، ولهذا فهو يجعل ممثلي القوى الليبرالية والعقلانية الفكرية في الندوة المذكورة، كخصوم ألداء وليس كحلفاء في معركة واحدة ضد تشكيلة تجاوزها التاريخ.
وهذا يقوده لعدم تثمين الأحكام الموضوعية التي يطرحها هؤلاء المفكرون والباحثون، وعدم الاستعانة بهذه المواد الفكرية الثمينة لتطويرها عبر المنهج المادي الجدلي، ورؤيتها في سياق التشكيلة الحقيقية.
ولكن مهدي عامل دخل في قراءة التاريخ بذاتية ثورية تسقط رغباتها على التاريخ الحقيقي، بدلا من اكتشاف تطوره، فكان ابتكاره لمقولة (أسلوب الإنتاج الكولونيالي) بداية لخرقة أساسيات المادية التاريخية، حول أساليب الإنتاج المحددة والمكتشفة، وهذا الخطأ المحوري قاده الى سلسلة من الأخطاء النظرية في تحليل الجوانب المحددة في تطور التشكيلة الإنتاجية العربية، السابقة الذكر، فهو قد اعتبر علاقات الإنتاج الرأسمالية منُجزة في حياة المجتمعات العربية منذ نهاية القرن التاسع عشر، وهذا ما دعاه الى عدم تثمين حلقات التنوير المتعددة التي قامت بها الفئات المتوسطة العربية، في الماضي والحاضر، ثم الدعوة الى خلق اصطفاف حاد إلى معسكرين رأسمالي تجاوزه التاريخ، وعمالي يجب انتصاره.
وكان هذا خرقا للمهمات الحقيقية لقوى الثورة والتغيير العربية التي تواجه تشكيلة متخلفة، ولكن الخطوط الفكرية التي طرحها مهدي عامل كانت تتضافر ووضع دولي موات، مما جعلها في حيز التنفيذ، ولكن النتائج المترتبة على هذه الخطوط النظرية والسياسية كانت كارثية خاصة على البلدان التي طبقتها بشكل عنيف، وأهم هذه النتائج إن القوى السياسية ما قبل الرأسمالية، والمذهبية الاجتماعية، هي التي استفادت من تناحر القوى الحديثة، وهي التي برزت الى السطح والفاعلية، حيث ساعدتها عوامل أخرى، مما أوضح بشكل جلي بأن مهمات حركات التغيير العربية لا تزال مواجهة الأبنية التقليدية، وضرورة عدم التحالف مع هذه القوى التقليدية وإبرازها، رغم السهولة التي تبدو بها عمليات التحالف مع هذه القوى الماضوية، وضرورة تكريس تحالف الجبهة النهضوية التحديثية الديمقراطية، حتى لو كانت الصعوبات جمة في طريق تشكيلة وتعزيز عناصره الديمقراطية والعلمانية.
لكون التحالف مع القوى التقليدية وتعزيزها هو تقوية للتشكيلة الإقطاعية وسيرورتها الطويلة في الحياة العربية، لأنها تشكيلة متكاملة ومتجذرة ليس في الحياة السياسية ولكن أيضا في الحياة الاجتماعية والفكرية.
ونظن لو كان المناضل والمفكر مهدي عامل حيا، لكان قد راجع الكثير من أفكاره، التي كان يعززها حينذاك وضع عالمي مختلف . .

 

خاتمة

تناولنا في هذا البحث علاقة المثقف العربي بالتكوينات التاريخية الكبرى، حيث بدأت العملية التاريخية المستمرة حتى الآن بظهور الإسلام، كشكل من أشكال الثورة الاجتماعية التي تمت في مجتمع رعوي، وحيث لم تظهر تشكيلة اجتماعية حينئذ، أي لم تحدث سيادة لعلاقات إنتاج معينة، ولعب الدين كثقافة نهضوية دوره في تشكيل قفزة حضارية للقبائل الرعوية، ولكن هذه العملية التحويلية انتقلت الى بلدان المشرق الزراعية ذات التاريخ العبودي المعمّم، التي فلح الإسلام والعرب في تفكيك طابعها العبودي القديم، وانتقلت الى النظام الإقطاع المركزي في عهدي الدولتين الأموية والصدر الأول من عهد الدولة العباسية، ثم الإقطاع اللامركزي في العهود التالية.
وقد تشكلت ثقافة المعارضة على أساسيين:
الأول: عبر التغيير الداخلي والإصلاح والثورة وهذا ما عكسته حركة الاعتزال والزيدية والمذاهب السنية القياسية، ولكن هذه عبرت عن فئات وسطى تابعة للأشراف، أي للدولة المتحكمة في الموارد، والتي تمكنت من استخدام إمكانياتها في اعادة تشكيل الإسلام والقضاء على المعارضة الإصلاحية والثورية داخل النظام الاجتماعي، بسبب أسلوب الإنتاج المعتمد على ملكية الأشراف للأراضي الزراعية الكبرى والثروة العامة. وبهذا فإن قادة المثقفين الإصلاحيين داخل النظام الاجتماعي لم تستطع أن تطوره.
الثاني: عبر الثورات والتمردات من الخارج، وهي التي اعتمدت فكريا تكفير النظام أو خلق بديل إقطاعي أسري آخر، وتلاقت مع ثورات الشعوب الرافضة للحكم المركزي، مما أدى الى تفكيك النظام المركزي، وإعادة إنتاج علاقاته الإنتاجية والثقافية على مستوى الأقليم، وبالتالي تكرار نهضته على نحو أوسع، وتكرار أزماته على نحو أعمق وأحد.
فلم تستطع العناصر العقلانية والديمقراطية في إنتاج المثقفين العرب والمسلمين أن تتناسج وأسلوب إنتاج جديد، هو بطبيعة الحال الأسلوب الرأسمالي، حيث كانت الفئات الوسطى المقتدرة تابعة للإقطاع، فغدت أغلبية أشكال الثقافة العربية تابعة للإقطاع العام أولا، ثم للإقطاع المذهبي بعدئذ.
فهيمنت المذاهب المعارضة في مرحلة نمو الفئات الوسطى داخل الإمبراطورية الموحدة، كالقدرية والمعتزلة والزيدية، ثم في مرحلة إلحاق الفئات الوسطى بالإقطاع تم تشكيل المذاهب الدينية التابعة للسلطة والتي تتوجت بالانقسام السني الشيعي.
إن العناصر العلمية والديمقراطية والثورية في الاتجاهات المعارضة وأعمال العلماء والفلاسفة لم تستطع تأسيس نظام جديد، بسبب تقطع صلاتها ببعضها البعض، وعدم قدرتها على تشكيل منظومة نقدية للواقع، تتجسد في برنامج تحولي ديمقراطي يعيد تشكيل حياة الفلاحين والنساء ويغير السلطة الشمولية.
وفي العصر الحديث برزت العناصر العقلانية والديمقراطية في عملية الانبعاث مع إعادة هيمنة الأنظمة الإقطاعية التابعة كصفة ترافقت ونشوء المنظومة الإمبريالية، كوعي الأفغاني والكواكبي، وتنامت هذه العناصر الديمقراطية في الحركة الليبرالية والوطنية، ولكن الاستعمار كجزء من البنية الإقطاعية المذهبية أعاد تفعيل الشبكات الإقطاعية الطائفية للتصدي لعملية التحرر والتقدم العربية.
وتشكلت في القرن العشرين فكرة تجاوز الرأسمالية كتيار هائل في الشرق، ونخرطت التيارات العربية الوطنية في هذه العملية، وأخذت تتجه لتجاوز الرأسمالية، وقامت بفعل مشابه للتيارات العربية الدينية في العصر السابق، بعدم حل إشكالية المنظومة الإقطاعية وتصفيتها، وبالتالي الدخول في مرحلة رأسمالية تحديثية علمانية وديمقراطية، أي عبر إنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية بشكل شامل، وتصفية الإقطاع في مستويات البنية المختلفة، ففي المستوى السياسي، بإزالة الأنظمة المذهبية والمستبدة، وفي المستوى الاجتماعي الثقافي بتحرير النساء والإسلام من هيمنة الإقطاع الديني.
ولكن التيارات المعارضة العربية اتجهت للتصالح مع البنى الإقطاعية ومعارضة الليبرالية، وقد أخذنا نماذج من بعض المفكرين وقمنا بتفكيك منظوماتهم الفكرية، وخاصة المفكر اللبناني الراحل (مهدي عامل)، وراينا الى أين تقود عمليات القفز على المنظومة الحديثة. وكيف كان المثقفون الليبراليون والديمقراطيون العرب أقرب إلى المهام الحقيقية للتاريخ عبر إعادة تغيير المنظومات العربية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دراسة نشرت في المسار: مجلة اتحاد الكتاب التونسيين، العدد 63/64 ماي، جوان،جويلية 2003.
هوامش:
(1): (تتباين أشكال المثقفين الثوريين في هذه المرحلة فابن المقفع هو كاتب داخل طبقة الحكام الجدد، يمتلك حسا حضاريا مستنيرا، فاعتبر الثورة العباسية لحظة تاريخية في الإصلاح المنشود الذي تركزت عليها كتاباته، فدعا الخليفة لخطة إصلاحية اجتماعية وسياسية متكاملة، ونظرا لكتابته عهد أمان محكم لأميره المتمرد على الخليفة المنصور فقد وقع في صراعات الطبقة الحاكمة الدموية وراح ضحية لذلك.
● راجع بصدد دور ابن المقفع:
(1): (مقدمة الأدب الصغير والأدب الكبير، من كتابة إنعام فوال، دار الناشر العربي، ط 2، 1996، بيروت، ص 9.
(2): (ضحى الإسلام، ج 1، ص 195).
○ أما الإمام أبي حنيفة النعمان فهو الفقية المستقل الذي قام بتطوير عناصر القياس والرأي التحديثي في المدينة الإسلامية، وناصر القوى المعارضة، فعاقبه نفس الدكتاتور أبوجعفر المنصور حتى الموت في سجنه.
(3): (حول دور الإمام أبي حنيفة النعمان راجع: (حمد أبوزهرة، الإمام أبوحنيفة النعمان: حياته وعصره، دار الفكر العربي، ط2.)
○ ومحمد النفس الزكية هو الذي قاد تحالف المعتزلة ــ الزيدية لإسقاط الدولة الأموية وبعد ذلك ضد الدولة العباسية، ولكن موازين القوى العسكرية التي شكلتها الدولة الأخيرة عبر الخراج واستنفار بدو خراسان تمكنت من القضاء عليه.
(4): راجع بهذا الصدد: محمود إسماعيل: فرق الشيعة، فصل الزيدية: الدعوة . . الثورة . . الدولة، ص 31، سينا للنشر، ط 1، 1995.
○ أما بشار بن برد فهو الشاعر الذي انبثق من الحركة الاجتماعية للمولدين، التابعين للقبائل العربية المهيمنة، وظهرت فيه مشاعر وشعارات التململ على هذا الوضع الذي لا يتسم بالمساواة، وقاده الى التعصب للفرس كرد فعل، وقُتل بسبب سخريته من الخليفة المهدي.
(5): راجع: بشار بن برد، دراسة وشعر، دار الرائد …….
* : جميع الهوامش سقطت (مع الاسف) من عدد المسار مجلة اتحاد الكتاب التونسيين، العدد 63/64 ماي، جوان،جويلية 2003.

عبــدالله خلـــــيفة: المثقف العربي بين الحرية والاستبداد

10 أفكار بشأن “المثقف العربي بين الحرية والاستبداد

  1. تعقيب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة : السيـرة الذاتية | عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

  2. تعقيب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة الســــــيـرة الذاتـيــــــــة | عبـــــــدالله خلــــــــيفة : كاتب وروائي

  3. تعقيب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي | عبـــــــدالله خلــــــــيفة : كاتب وروائي

  4. تعقيب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة السيرة الذاتية | عبـــــــدالله خلــــــــيفة : كاتب وروائي

  5. تعقيب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الســــــيـرة الذاتـيــــــــة | عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

  6. تعقيب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة السيرة الذاتية | عبـــــــدالله خلــــــــيفة : كاتب وروائي

  7. تعقيب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة: عالم الإبداعي مقاربة نقدية تحليلية والضبط الببليوجرافي | عبـــــــدالله خلــــــــيفة : كاتب وروائي

  8. تعقيب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏.. كاتب وروائي | عبـــــــدالله خلــــــــيفة : كاتب وروائي

  9. تعقيب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة : «الكلمة من أجل الإنسان» | عبـــــــدالله خلــــــــيفة : كاتب وروائي

  10. تعقيب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة السيرة الذاتية | عبـــــــدالله خلــــــــيفة : كاتب وروائي

أضف تعليق