الأرشيف الشهري: فيفري 2018

تنوير لويس عوض

 مثل الناقد والباحث لويس عوض شخصية ليبرالية متماسكة ونضالية على مدى عقود القرن العشرين المهمة عربياً 1914 – 1990.

 كان مولده من أسرة مصرية مسيحية ريفية من الشرائح الوسطى، حيث كان الأب موظفا وذا انتماء سياسي عاطفي لحزب الوفد، وجه ابنه نحو الثقافة الإنجليزية. وقد استكمل الابن هذا المشوار عبر دخوله الجامعة واختياره الأدب الإنجليزي ميداناً لتخصصه، وكان معلموه هم أساتذة التنوير والليبرالية الفكرية كطه حسين والعقاد وسلامة موسى.

 يعبر لويس عوض بشكل نموذجي عن المثقف الليبرالي الذي كرس نفسه لاستلهام الثورة البرجوازية الأوروبية ونقل تأثيراتها إلى الشرق، وهو بهذا يشارك الرعيل الأول الذي خاض النضال الديمقراطي والوطني منذ بداية القرن العشرين، وأسس تجربة الوفد وتجلياتها السياسية والفكرية المختلفة.

 لقد عمل لويس على نقل تأثيرات الثورة الديمقراطية في الوعي والثقافة بشكل خاص، حيث كان معظم إنتاجه أدبياً، ثم توسع في ستينيات القرن 20 لقضايا تطور الفكر المصري ومسائل الاشتراكية وغيرها.

 تظللت ليبراليته وخطه الفكري السياسي بنشأته في الطائفة القبطية، وأسرته المنتمية إلى الفئات الوسطى، والمحاطة بمجتمع إسلامي ريفي، تهيمن عليه العلاقات الإقطاعية الدينية، والتي غدت في وعي لويس عوض بأنها (الإسلام).

 وبهذا غدت العائلة المسيحية، ومن ورائها العالم الغربي المسيحي، التحديثي، الرأسمالي، هو البديل لمجتمع شرقي ديني إقطاعي، متخلف.

 إن البدائل هي الحداثة والعلمانية والديمقراطية، و لا بد في سبيل ذلك من إزاحة هذا المجتمع الديني المتخلف الإسلامي واستبداله مجتمع النهضة والحداثة.

 تتكون هذه التناقضات المطلقة بين التكوين الشرقي الإسلامي المتخلف غير العلماني وغير الديمقراطي، وبين التكوين الحديث الغربي المسيحي، من قضايا الاضطهاد التي واجهها المسيحيون في الريف المصري خاصة، يقول في مذكراته: «كنت أسمع هذا الكلام نحو 1923 وأنا في الثامنة من عمري فحفر في وجداني وعقلي آثاراً عميقة وعمق وعيي السياسي للمسالة الطائفية في مصر وخارج مصر.» ويقول لويس عوض: «إن أسماء أسرته مشتقة من التوراة والإنجيل»، ويسيطر عليه على الرغم من عقلانيته وعلمانيته: «إن بعض أفراد العوضية يحسون إحساساً عميقاً ليس فقط بفرعونيتهم ولكن أيضاً بأنهم من نسل ملوك مصر القديمة، وأنا شخصياً ورغم عقلانيتي الشديدة استسلم أحياناً لهذا الوهم..»، (اعترافات لويس عوض، أحمد محمد عطية، أخبار الخليج، 24/7/1990).

 إن هذا الصراع الذي يعبر عنه لويس عوض هو نتاج الصراع الاجتماعي الذي جرى في مصر، وخاصة في الريف، من توغل العرب وخاصة القبائل الرعوية، محمية من الأنظمة الاستبدادية للاستيلاء على أراضي الفلاحين الأقباط، وهو الصراع الذي اتخذ طابعاً دينياً، عبر الهجوم على الأقباط ومظاهر عبادتهم، ولجوء الأقباط إلى التمترس في دينهم، دفاعاً عن أرضهم ومصاحهم وتطورهم الروحي المستقل.

 واذا كانت المدن المصرية التي ينشأ ويختلط فيها المسلمون والأقباط، فإنها لا تغدو مدينة برجوازية حرة، تبعد الدين عن السلطة، فهي مدن إدارية للإقطاع المذهبي ولهذا فإن لويس عوض يحمل رفضاً لهذا المضمون العميق من الصراع، ولكنه يأخذ في وعيه الصراع بين الإسلام اعتباره ديناً للرعاة وكمنظور متخلف وبين الحداثة القادمة من الغرب المسيحي، كصراع مطلق. إن العرب والبدو والإسلام يأخذون في وعيهم طابعاً واحداً مطلقاً، كما يأخذ الغرب والعلمانية والحداثة طابعاً مطلقاً آخر، وليس بالإمكان لقاء الجانبين.

 إن لويس عوض يعد من هذه الفئات من الشرائح الوسطى المسيحية التي بدأت برفض الاقطاع الديني، القادم من بلاد العرب، وقد أخذت هذه الشرائح في بداية القرن العشرين تكون مزيجاً مصرياً مشتركاً في علمانية غامضة الملامح الفكرية والاجتماعية، ولهذا فإن التكوينين الديني والقومي يبقيان غامضين في برنامج حزب الوفد، الذي لا يتغلغل في جذور هذه العلمانية، طارحاً فكرة القومية المصرية، أو الشخصية الفرعونية، وهي كلها محولات أيديولوجية لتشكيل تحالف من شرائح «الطبقة الوسطى» مبهمة الملامح الفكرية.

 إن الرعيل النهضوي المصري يتكون في هذا المناخ، وخاصة الجيل الذي أعقب ثورة 1919 والذي كان لويس عوض ونجيب محفوظ وغيرهما منه، وليست روايات محفوظ وأعمال لويس عوض بعيدة عن أصدائه.

 ونلاحظ هنا ان العودة إلى التاريخ الفرعوني أو الاقتباس واستلهام الغرب الديمقراطي، لدى هؤلاء في هذه المرحلة، يستبعدان التاريخ العربي الاسلامي، فتمثل تلك الحقب القديمة أو الحديثة، مقصاً لإزالة الحقبة العربية الإسلامية، باعتبارها علة مصر وأساس تخلفها.

 إن هذا الوعي لا يشير إلى وجود نهضات عربية ما، وبالتالي لا يرى مراحل واتجاهات وطبقات في التاريخ والوعي العربي الإسلامي، ويحيل هذه التلاوين إلى وجود واحد هو الاقطاع الديني. إن اتجاه نجيب محفوظ ولويس عوض وسلامة موسى إلى التغييب الكلي للزمن العربي الإسلامي، سوف يقابله مستقبلا الحضور الكلي للزمن العربي الإسلامي ممثلا في العقاد وطه حسين وغيرهما.

 إن الشرائح الوسطى المصرية في وصولها ومشاركتها في السلطة منذ العشرينيات، أخذت تفقد طابعها العلماني والتحديثي، وليس ذلك لأسباب فكرية محضة، بل لعوامل اقتصادية واجتماعية متنامية في صفوفها، حيث أخذ حزب الوفد يضم أكثر فأكثر شرائح من الطبقة الاقطاعية، وغدت طبقة الأعيان مؤثرة في قراراته وتراجعت فئات «الأفندية».

 إن هذا انعكس على توجهات الوفد. التي تراجعت شعاراته العلمانية، وراح النفوذ الديني يتغلغل إلى صفوفه.

 لقد أصبحت المعركة لكسب أصوات المسلمين وهم الأكثرية مسألة حيوية للأحزاب والقوى الحاكمة. وقد توجه الاستعمار والسراي الملكي (الاقطاع الحاكم السياسي بجناحيه!) إلى استغلال الاسلام ضد الوفد والحداثة والعلمانية، أي بتحريك الاقطاع الديني الاجتماعي لوقف تصاعد نمو الفئات الوسطى. لكن الوفد دخل المعركة بلا مفكرين يغوصون بعمق في تضادات الموقف وتركيبه.

 ومن الممكن أن نرى في آراء لويس عوض نفسه، لوحة تكشف هذه القضية وتلاوينها.

 لقد وقف ضد توجهات طه حسين والعقاد ومحمد حسين هيكل لقراءة الإسلام. وقف ضد قراءاتهم جميعاً، ليس لأن هذه القراءات جميعها تمثل موقفاً معادياً للحداثة، بل لأنها تقرأ الاسلام.

 إن قراءة الإسلام حسب هذا الطرح ،«العلماني» تمثل نكوصاً نحو التخلف، وهنا نرى مثالاً عن التضادات المطلقة لوعي لويس عوض. ولكن هذه القراءات عن الاسلام متباينة في اجتهاداتها، ففي حين مثلت قراءتا العقاد ومحمد حسين هيكل وعياً يمينياً لتوظيف الإسلام لمصالح القوى الأرستقراطية في المجتمع، مثلت قراءة طه حسين رؤية تقدمية عبر كشفها الصراع الاجتماعي بين العرب وانحيازها إلى القوى المضطهدة والتقدم خاصة في كتابه «الفتنة الكبرى». وبهذا فإن لويس عوض قد وضع الإسلام كما تضعه القوى المحافظة كوعي لمصلحة المستبدين، أي فقد القراءة الموضوعية لرؤية الإسلام في مساره الحقيقي المركب، أي أن العداءين الديني والشخصي تغلبا على العقل في شخص لويس عوض. وهذا المسار الذي كرسه سلامة موسى، لم يستطع لويس عوض رؤيته أيضاً في إبداع نجيب محفوظ، الذي غادر مرحلته التاريخية الروائية، وغادر مرحلته الفرعونية كذلك، حين كتب «الثلاثية». لقد مثلت الروايات التاريخية عند نجيب محفوظ بطولة الفرعون، في حين مثلت الثلاثية بطولة الشعب.

 نستطيع ان نقول عن انقلاب لويس عوض على العقاد إنه يمثل مسيرة طبيعية في مسيرة وعيه الديمقراطي، فالعقاد في بدء حياته الفكرية كان هو صوت الدستور والحرية، ولكن منذ سنة 1935 دخل «فأصبح حرباً عواناً على الدستور وحكم الشعب والمدافع الأول عن حكم الصفوة، وتوقف عدائه للإنجليز… وتقارب مع الملك فاروق حتى قال فيه شعراً ونثراً… وأعلنها حرباً عواناً على مجانية التعليم وعلى مطالب العمال والفلاحين..» (أوراق العمر، المصدر السابق، الحلقة الثالثة).

 إذاً فإن تضاده مع العقاد يبقى واضحاً، حيث استمر لويس عوض في خطه الوطني والديمقراطي، لكن تضاده مع طه حسين الذي اتخذ مسيرة مضادة للعقاد، والذي بدأ حياته الفكرية السياسية بالهجوم على سعد زغلول: زعيم الرعاع كما وصفه، ثم تحول إلى مناضل ووزير وفدي، هو الذي يكشف طبيعة تنوير لويس عوض الغربي المستورد وغير المتجذر في الإرث الوطني المسيحي الإسلامي.

 فعلى عكس لويس عوض قام طه حسين بكشف بعض تناقضات التاريخ العربي الإسلامي، منحازاً إلى جانب التقدم والمضطهدين فيه، في بعض أعماله الأساسية، أي أنه دخل في صميم تغيير جوانب من البنية الاقطاعية الموروثة. أي أن طه حسين من جهته، لم يطرح في الثقافة أو السياسة، ضرورة تغيير جذري للمنظومة الاقطاعية.

 إن اتخاذ لويس عوض موقفاً معادياً بشكل جوهري للبنية التاريخية التي شكلها العرب في المنطقة، يجعل تحليلاته واستنتاجاته لنتائج وتطورات هذا التاريخ، غير موضوعية.

 ففي رفضه للشعر العربي الكلاسيكي يرفضه بشكل مطلق، معلناً وفاته بعد وفاة أحمد شوقي. وهذه العملية ليست بحثاً مشروعاً عن تطور في الشكل الشعري العربي، ولكنها تتجاوزها إلى محاولة إلغاء النوع الشعري العربي، عبر العودة إلى العامية ونقل أشكال شعرية غربية متعالية على سيرورة تطور الشعر العربي، تجد بعض حيثياتها في قصيدة إليوت. يقول أحد الباحثين عن عمله الشعري والنقدي: «محاولته التنظير وأثر ثقافته الغربية وطغيانها عليه، بحيث جرفه ذلك إلى كثير من التطرف والتعصب اللذين ــ بالإضافة إلى أنه لم يكن شاعراً ــ  أديا به إلى إخفاق دعوته وإلى محدودية أثر ديوانه، بسبب ركاكة ورداءة النماذج الشعرية التي نظمها من ناحية، ومن ناحية أخرى بسبب نظم كثير من هذه النماذج بالعامية، كذلك بسبب تكلف كثير من النماذج واثقالها بالإشارات والألفاظ الأجنبية من ناحية ثالثة»، (بحث حسني محمود في مؤتمر المشروع الثقافي للويس عوض، القاهرة، بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيله).

 تتوارى هنا كذلك فكرة رفض الجسم العربي الثقافي بكليته. ولكن حتى هذه الفكرة تحتاج إلى غوص في النوع الشعري وفى الواقع، إنتاجاً وتحليلاً، وهذا ما لم يفعله، ولهذا فان النوع الشعري البديل لكل النوع الشعري العربي لم يتجذر، لأنه مغامرة في الهواء.

 إن لويس عوض وهو يعيد إنتاج علمانية سلامة موسى المغربة، أي التي لا تتغلغل في الإرث العربي الإسلامي المسيحي، لكي تحصل على مواقع متجذرة في الانواع الفنية، لا يستطيع أن يكونها، لأن ذلك يفترض عكس ما يريد وهو دخوله إلى الجسم العربي الإسلامي المرفوض لديه. أي ايجاد ديالكتيك داخل هذا الواقع والتراث، ومن دون وجود سمات متضادة، يستحيل حدوث صراع ونمو وتجاوز.

 إذا أخذنا رأياً سياسياً مباشراً منه هنا، سنأخذ رأيه في أحمد شوقي، بعد أن نضج وكتب ذلك في كتابه السابق ذكره، فيقول عنه: «وقد بلغ من سخافة أحمد شوقي انه أنشد في تمجيد انتصار مصطفى كمال في معركة جاليبولي: الله أكبر في الفتح من عجبِ يا خالد الترك جدد خالد العربِ

 فحاول إحياء رموز الفتوحات الإسلامية في وصف قائد معركة وطنية بحت، اشتهر بعلمانيته المتطرفة وبأنه صاحب الدعوة الطوارنية الذي صفى فكرة الجامعة الإسلامية عندما صفى الامبراطورية العثمانية والخلافة العثمانية وادار ظهره للعرب الذين قاتلوا تركيا تحت لواء الإنجليز في الجزيرة العربية، ص 227.

 إن أحمد شوقي ينطلق في قصيدته من موقف تقليدي في رؤيته للإسلام وتاريخه، ولكنه يراه كشكل تحرري من الغزاة الغربيين وغيرهم، ولهذا يمدح كمال اتاتورك كقائد وطني تحرري مسلم، وكان يُفترض في علمانية اتاتورك أن لا تناقض إسلاميته، ولكنها كانت علمانية (مغربة) أي على نمط غربي شكلاني، أي أنها تأخذ العلمانية كأشكال في جوانب رئيسية منها، ولا تتجذر في الواقع الإسلامي، أي أنها لا تفصل بين الدين كسيطرة اقطاعية وسلاطينية، والدين ككفاح شعبي.

 ولهذا فإن ذهاب أتاتورك الجيد إلى أوروبا لم يكن يناقض فكرة الجامعة الإسلامية، وحتى من الناحية الاقتصادية العملية كان التوجه بشكل كلي غرباً مضراً على المدى البعيد.                  

                                                                لويس عوض

 ولكن العلمنة التي يصفها لويس عوض بأنها (بحتة) هي استمرار لنهج الإدارة العسكرية الاقطاعية التركية في التوجه الشكلي للحداثة دون رفدها بثورة ديمقراطية اجتماعية توزع الأرض على الفلاحين وتشكل تعددية الخ…

 ويقول لويس عوض: إنه كان متحمساً لقصيدة شوقي في شبابه، ولكنه الآن يحكم عليها بالحكم السابق، وهذا يوضح إن أحكامه الفكرية لم تتجذر تجاه شوقي وتجاه العلمانية.

 ومن هنا نقرأ نقده لثلاثية نجيب محفوظ السابق الحديث عنها، وهي  التي تمثل خطاً مضاداً للويس عوض، فمحفوظ انعطف بأدواته التحليلية إلى الرواية، وإذا كان الزمن الفرعوني ظل لديه كقبس متوارٍ، إلا أن الشعب أخذ يحتل ساحة وعيه الفكرية، وقد راحت الفئات الوسطى، والوفد وسعد زغلول، تحتل مكانة القيادة لهذه الساحة، وبهذا فان الواقع الحي راح يفرض هيبته على الوعي المسبق. وفى موضوع الثلاثية، فإنها نقد واسع للنظام الإقطاعي بسلطته المتعددة: الإنجليز، والقصر، والاقطاع المنزلي الذي مثله السيد أحمد عبدالجواد، ويغدو التفكك السياسي على مستوى البلد، متوازياً مع التفكك الإقطاعي داخل منزل السيد أحمد. ويترافق ذلك مع صعود الفئات الوسطى، بشرائحها الايديولوجية. السياسية المختلفة: الوفد، الاخوان، الماركسيون.

 لكن لويس عوض استغرب من عدم ظهور ثورة 23 بصورة حرفية في الثلاثية، وكأنه يريد صورة فتوغرافية وليس تجسيداً عميقاً لتحولات جوهرية. وبهذا فإن الوعي التحديثي العلماني لدى محفوظ يتغلغل في مادة الواقع، أخذاً في مشرطه المسلمين والمسيحيين والطبقات والوعي المختلف في نسيج وطني متباين. وبهذا مثل ذلك شكلا مغايراً لعلمانية لويس عوض المتغربة.

 نكتشف عبر الجوانب الإيجابية التي طرحها لويس عوض عبر العلمانية والديمقراطية والتحديث التي أصر عليها، جوانب أخرى تمثل نقصاً هي بمثابة الإشكاليات التي عاشتها هذه المفاهيم.

 وتعود مختلف هذه الإشكاليات إلى موقف لويس عوض الوطني المتشدد، الذي يرى مصر في نسيج تاريخي وثقافي ولغوي مختلف عن العرب، ومنفصل كلياً عنهم.

 ففي كتابه «مقدمة في فقه اللغة العربية»، والصادر عن دار سينا للنشر، 1980، ط 2، يوضح آراءه، فيقول: إن العرب ليسوا من الجزيرة العربية بل هم مهاجرون من منطقة القوقاز، وبالتالي هم آريون، وجذور لغتهم من اللغات الهندو- أوروبية، وإن مصر وشعبها قبلهم، وإنهم هم الذي اثروا عليهم وطوروهم. وإن الكثير من كلمات اللغة المصرية دخلت العربية.

 والواقع ان الآراء مختلفة في أصل العرب، فهناك نظرية تقول بمثل ما يقول لويس عوض، وهناك نظريات أخرى تقول بسكنهم الجزيرة وإن الشعوب السامية كالبابليين والكنعانيين هم من الجزيرة العربية، وهي أمور أكدتها الآثار والأبحاث المختلفة، أما الأصل البعيد الذي يستغرق آلاف السنين فهو أمر جائز لكنه غير مبرهن عليه. لكن من الغريب أن نجعل هذا الأصل البعيد جذراً لاختلافات اجتماعية وسياسية ودينية راهنة.

 أما الأمر المؤكد والعياني والذي ينكره لويس عوض فهو ان العرب المسلمين لعبوا دوراً تحويلياً نهضوياً كبيراً أعادوا به تشكيل المنطقة، وجعلوا المسيحية الشرقية جزءاً من التشكيلة الاجتماعية الإسلامية العامة، أي من البناء الحضاري التعددي والمتنوع في المنطقة، كالعديد من المكونات الأخرى: اليهودية، والزنجية والهندية، التي تم ضمها واستيعابها في قوانين حضارة العصر الوسيط، التي عرفت الإدغام والضم، أكثر من التداخل الديمقراطي، والتلاقح العضوي.

 ولم يتحول كتاب «فقه اللغة العربية» إلى قراءة لهذه الحضارة العربية الإسلامية المسيحية الخ.. بل هو يعيد إنتاج الصراعات الدينية بشكل (علمي) حديث، ويتجلى هنا ذلك التضاد المطلق الذي أشرنا اليه منذ البدء، وهو التضاد بين العرب والإسلام من جهة وبين الحضارة والحداثة من جهة أخرى، وهو يدخل في القطب الأخير مصر، حيث هي أيضاً في تضاد مع العرب، ولكنه لا يدخل زمنها العربي الإسلامي الوسيط ليحلله ويكشف عناصره المتضادة، بل هو ينفيه كلياً.

 أما التحليلات الموسعة فهي لحضارة الغرب التي نثمن اهتمامه بها ونقله لآثارها الإنسانية العظيمة، وخاصة للعصر التنويري الذي انشغل به لويس عوض وقدم عنه كتاباً هاماً، لكنه لم يأخذ كذلك الفكر الغربي كتكوينات متضادة، فهو يقف عند فكر عصر النهضة، ولا يقوم بتحليل العصر الامبريالي الغربي.

 وهو اذ ينتمي لتيار الاشتراكية الديمقراطية الغربية، فهو يغدو رائداً لمسيرته الديمقراطية الاجتماعية، والتي تتجلى بتاريخه السابق في العهد الملكي، كذلك باستمرار نضاله من أجل الديمقراطية في العهد الجمهوري العسكري، والتي يدفع فيها من عمره سجناً وحصاراً معيشياً وغربة، ولكنه لم يتنازل عن آرائه فضرب مثالاً عظيماً للأجيال.

 وتمثل عملية اعتناقه للفكر الاشتراكي الديمقراطي كذلك استباقاً لتحولات العالم والمنطقة، وهذه تحتاج إلى دراسة متفحصة في الواقع، لأنه في سنواته الأخيرة قدم مجموعة من الأعمال الفكرية التي تتناول تيارات العصر الحديث وجوانبه الأدبية.

 ولهذا فإنها بحاجة إلى وقفة أخرى.

 وعموماً فإن القراءة للجوانب الإيجابية والسلبية تستهدف الوصول إلى صورة موضوعية عن رائد كبير للوعي (العربي) الحديث.

 

لويس عوض التوحيدي

ساهم الباحث والناقد لويس عوض في تغيير الثقافة العربية التقليدية خلال القرن العشرين إلى الحداثة والعقلانية، وكان قادماً من الريف المسيحي المصري يحملُ هواجس ومطامح الشعب للتغيير، وكتب الكثير من أجل التحديث.

شدته الثقافة الغربية الديمقراطية وقارب اليسار الديمقراطي وراح يصطدم مع المكونات المحافظة والشموليات المتعددة في كل مكان.

وقد عمل على التوحيد الوطني، ولهذا يقول في مقدمة كتابه العنقاء وهو المواطنُ المصري المسيحي (وما قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه «إني قد وليتُ عليكم وليستُ بخيركم، فإن رأيتموني على حقٍ فأعينوني وأن رأيتموني على باطلٍ فسددوني، وأطيعوني ما أطعتُ اللهَ فيكم، فإن عصيتَهُ فلا طاعةَ لي عليكم» إلا تقنيناً لثورةِ المحكوم على الحاكم)، العنقاء، ص 42، 43.

في كتاباتهِ الكثيرة يعمدُ لويس عوض لتقديم الثقافة الغربية التنويرية وتسويقها في الحياة العربية، وهو قد درسَ تاريخ اللغة العربية في كتابه فقه اللغة، الذي هو محاولةٌ لفهم موضوعي لنشأتها، ونقدٌ للفهم الأسطوري لظهورها.

في الأربعينيات من القرن العشرين حدثت الأزمة العميقة في العالم، وخاصة في مصر، بتفجر الحرب العالمية الثانية وحركة التحرر الوطني بعدها، وفي هذه الأزمة المتصاعدة كتبَ لويس عوض روايته (العنقاء أو تاريخ حسن مفتاح) التي لم تُنشر حتى سنة 1966، وقد قدم فيها تصوراً كابوسياً للتحول في مصر، فيما كانت الوقائعُ الحقيقية تجري بإتجاه آخر، فاليمينُ الملكي والبرجوازية الكبيرة كانا عاجزين عن تغييرِ البنيةِ الاجتماعية المتأزمة في البلد، وبدت الأشكالُ السياسية الجديدةُ كتنظيماتِ الإخوان والشيوعيين والطليعة الوفدية الأقرب للقوى الشعبية عاجزةً عن فعل شيء، وقد تفاقم في نشاطها العنفُ، وتفجرتْ الاغتيالاتُ وإنتشر السلاح، مما عبرَّ عن أزمةٍ بنيوية لا تزال مستمرة.

أطرافُ الاستعمار البريطاني والقصر الملكي والبرجوازية الكبيرة كانت في صراعاتٍ غيرِ قادرةٍ على طرح حل، أي لم تكن مستعدةً للتنازلات عن الملايين من الجنيهات في سبيلِ إصلاح الريف المدقع الفقر، وتطوير المدن باتجاهِ الصناعة والديمقراطية، وقد إنفجر مجلسُ النواب المصري غاضباً لطرح إقتراح بتحديد المُلكيةِ الزراعية بمائتي فدان فقط، وهي مساحةٌ كبيرة، ثم أن هذه القوى خسرتْ كلَ شيء، فيما لم تستطع القوى الجديدة حل المشكلات.

هذا التعنتُ من القوى العليا وصراعاتُها فتح المجال للقوى العسكرية في إختراق جميع الطبقات والقوى السياسية الاجتماعية والسيطرة على البلد وإدخاله في عالم الدكتاتورية، التي هي قادرةٌ على القيام بإنجازاتٍ مبهرةٍ في بداية الأمر ولكنها لا تستطيع الاستمرار في ذلك لعدم قدرتها على التحويل الديمقراطي العميق.

وقد مدح لويس عوض الانقلابَ العسكري في كتابه (العنقاء) في سنة الإصدار أي سنة 1966 عبرَ جملٍ وامضة، ليُسمح لهذا الكتاب بالطبع، رغم تعرضه للسجن والطرد من وظائفه خلال السنوات السابقة!

هذا التنازلُ اليسير كان وراءه جملةٌ من الإشكاليات، فالكتابُ الروائي كان هجوماً واضحاً واسعاً ضد الحركة الشيوعية المصرية، التي كانت حينذاك تقبعُ في السجونِ الناصرية وفي زمن إصدار الكتاب لأول مرة، فيما كانت أوضاعُ الناس قد تغيرت وإن لم تتحول تحولاً كلياً، وهو كتابٌ كان يمكن أن يصدر في طبعات أخرى مترجمة وعربية وفي أوضاع لا يستثمرها النظام العسكري، ولكن المؤلفَ لم يختر سوى هذه اللحظة القاتمة المزدوجة.

فيما كان لويس عوض يعمل في لهفة على صدور هذه الرواية بعد عقدين من كتابتها، فهي تنتقدُ الدكتاتوريةَ العنيفة، وبأشكالٍ غرائبية فنتازية، ولكنها لا تقصد بالنقدِ والتعريض الجماعات الماركسية المصرية المسالمة في عمق الكتاب، وتنقد الحلولَ العنيفة للمشكلات وأنها هي الكارثة على المجتمعات، وهو ما يؤكد أن الرواية ليست في دلالاتها المباشرة السطحية بل في عمقها وفي لغتها الوطنية وتصويرها الرائع للنماذج المطحونةِ من الناس ولتغلغلها في الريف وكشف أمراضه وتعرية الأحزاب والسلطات النائمة فوق بحرٍ جماهيري متلاطم العذاب!

هذا ما جعل الرواية تُهاجمُ من أطرافٍ كثيرة، ويُعربُ عن طليعيتها وقوتها نقادٌ وكتابٌ قليلون قرأوها وهي مخطوطة تنتقلُ من يد إلى يد ومن ناشر إلى ناشر خلال عشرين عاماً.

وكما تكمن في الرواية تناقضات المجتمع المصري البشري عامة، فهي تحوي كذلك تناقضات لويس عوض الفكرية وقصور أدواته الفكرية والفنية في فهم الظاهرة الشمولية التحولية وفي تحويل موقفه الديمقراطي إلى جسد إبداعي متكامل.

تبنى لويس عوض الباحثُ والمبدعُ الوطني الاشتراكيةَ الديمقراطية، وهي الفهمُ الماركسي الذي كان متذبذباً بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، فهي لم تستطع أن تقاومَ الشموليتين الكبريين في تلك المرحلة وهما الشيوعية والرأسمالية الاستعمارية، أي لم تستطع أن تكونَ يساراً ديمقراطياً عميقاً صلباً، على مستويي العالم وعلى مستوى البلدان النامية خاصة.

على المستوى الوطني لم يكن ثمة حضورٌ لمثل هذا الوعي، وقد تكسرتْ البذورُ التنويرية لأقطابهِ مثل سلامة موسى عاجزةً عن التبلور النظري والتغلغل التنظيمي الشعبي.

وقد كان لويس عوض أوسعَ ثقافةً من سلامة موسى، وأكثر نشاطاً وأعمقَ رؤية، ولكن الفهم الديمقراطي الاجتماعي التقدمي لم يكن ليلاقي أصداءً قوية لدى المثقفين الطالعين من تُربٍ شمولية محافظة، على مستوى اليسار فما بالك باليمين. وإذا كان الوفدُ عبرَ الطليعةِ الوفدية وعبرَ محمد مندور قد قارب ذلك، لكن اليمينَ المحافظ إكتسح الوفدَ والإخوان المسلمين.

لهذا كانت مؤلفاتُ لويس عوض الحلقةَ الجديدة المحوريةَ للوعي الاشتراكي الديمقراطي في هذه المرحلة، وقد أتجهتْ للعروضِ والدراسات الأدبية والسياسية العامة للنماذج الإبداعيةِ الغربية وللمدارس الفكرية، لكن كانت تخلو من دراساتٍ إجتماعية عميقةٍ لمصر والعالم العربي.

روايته (العنقاء أو تاريخ حسن مفتاح) تعكسُ هذه العروض الإبداعية الغربية ومستوى قراءتهِ المحدود للبنيةِ الاجتماعيةِ الوطنية وإحتمالات تطورها.

وهي كُتبتْ بعد أن عانى لويس عوض من محنةِ إنتحارٍ صديقٍ له كان يشاركُهُ غرفتَهُ في الفندق، وقد حوّلَ لويس عوض الحدثَ لكابوس وحولَ شخصيته الذاتيةَ إلى نموذجٍ روائي هو (حسن مفتاح)، فالصديقُ الذي إنتحرَ لأسبابٍ شخصية عاطفية تجلى لحسن مفتاح طالباً منه أن يقتلَ شخصاً مشابهاً له من أجل أن تحلَّ روحَهُ الضائعةُ الحائرة في جسدِ ذلك الشخص الشبيه خلال الأربعين يوماً المقررة روحياً من تحويمها في الأرض قبل أن تصعدَ للسماء!

وحسن مفتاح ليس مثالياً روحانياً فهو عضو قيادي في اللجنةِ المركزية للحزب الشيوعي المصري، وقيام المؤلف لويس عوض بدفعه في هذا المسار المتاقض، هو دفع للأشخاص والحدث متجاوِّزاً الموضوعيةَ الفنية المفترضة، ومنتقلاً من الواقعية إلى الغرائبية الفنتازية، وبالتالي فإن الدلالات السياسية المباشرة تنتفي هنا، فهذا خيالٌ تركيبي متناقض.

حسن مفتاح الشخصيةُ المركزية يصادفُ جملةً من الشخوص يعرضُ معاناتها ووجودها عبر صفحات مطولةٍ ثرة بالنقد والخيال واللغة الشعرية، والبؤرةُ هي ذاته المتقلقة بين نموذجِ الثورة العنيفة وبين التسامح والسلام، وبين اللذة والحب، وبين الديمقراطية والدكتاتورية.

وكصديقه يتعرضُ للموت فتحومُ روحُهُ باحثة عن جسدٍ تسكنهُ في الحياة، وتذهب لشبيههِ وهو رجلٌ قروي اسمه قنديل، فيقتلُ حسن مفتاح قنديلاً ويتلبسُ جسده، ولا يجد سوى أشياء قليلة بيولوجية مختلفة عنه يقوم بتغييرها حسب صورته الفتوغرافية!

ورغم هذه الشعوذة الروحانية الفنية لحسن مفتاح فإنه يستمر كرئيسٍ للجنة المركزية للحزب الشيوعي، وربما زادتُهُ هذه الأجواءُ طيراناً خيالياً فيصممُ خطةً عسكرية للانقلاب في مصر للإطاحة بالنظام الملكي وقتذاك، وتوافق اللجنة المركزية على المشروع، وحسن مفتاح صوتُ المؤلفِ يعرضُ أعضاءَها بشكلٍ مختزل فاقدٍ لأعصابِ الحياة وجذور الشخوص، مثلما ألبسَّ فكرته الروحانية الجسدين البشريين وألبسَّ مثاليتَهُ الفنية الواقعَ الموضوعي.

ويأتيه عزرائيل قبيل تنفيذهِ لخطةِ الانقلاب الدموي طالباً وقف المجزرة وإلا إستعاد جثة قنديل الميت أي يقوم بسحبه للآخرة، ويشارك عزرائيل كذلك في هزيمة الانقلاب المغامر عبر الوشاية لدى الأمن!

يعبرُ المبنى الروائي عن مخاوف الاشتراكي الديمقراطي لويس عوض من صعودِ قوى العنف، وقد وجدَ النموذج الستاليني في ذلك الحين ضارياً أقرب للتجسد مصرياً من غيره فجعله مجسّداً بشكلٍ متضخم، ولم تكن لدى لويس عوض تجارب التعبير الإبداعي الروائي المستمر في حرث الواقع الوطني وتحليله، وأعمالُهُ الإبداعية النادرة مسرحياتٌ في أجواء الأساطير والتاريخ الديني.

كما أن خبرته الحياتية تتصلُ بنماذج اليساريين الوطنيين دون غيرهم، فقطعَ مشهدياتٍ من حياتِهم وألصقها في العمل الروائي (العنقاء)، مثلما لم يدرسها في تحولاتِ الواقع وآفاقه، فكان العملُ خيالياً فانتازياً من جهة، وواقعياً فوتوغرافياً من جهة أخرى، فأفتقدَ التحليلَ الفني العميق الشامل لكنه كان رائعاً.

ولهذا فإن بؤرةَ العمل الشخصية حسن مفتاح هو لويس عوض في جزئيةٍ من شخصيته، وهو كذلك تضخمُهُ الخيالي يساراً ويمينياً وعدم قدرته على التحول لاشتراكي ديمقراطي يقومُ بتحليل المجتمع ونقده وتكوين تيار يجسدُ رؤاه وفعله، وتلعبُ التوسعاتُ المبالغ الفنيةُ والأسلوبُ الشعري الدرامي دورَ ملءِ الفراغات وسترَ نواقصِ المؤلف في التحليل الموضوعي الإبداعي للمجتمع وإنتاج  النماذج المتماسكة.

وقد فعل لويس عوض كلَ ذلك والكثير من إبداعاته من أجل أن تقوم فكرته بتوحيد الشعب وتحديثه وتحرره.

http://www.civicegypt.org/?p=76789http://www.civicegypt.org/?p=76789

 

البحرين في بدء التحديث

كتب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة

أنظر كتاب عبدالله خليفه: إضافة لذاكرة البحرين

كان مجيء الاستعمار البرتغالي بداية لدخول العصر الحديث إلى منطقة الخليج، حيث عبر عن لحظة المفصل بين العصر الوسيط والعصر الحديث، فعالمياً كان النظام الرأسمالي في طور التشكل، وكانت مرحلته ومعركته التجارية مشتده بين أجسامه البارزة في أوروبا الغربية، التي انتقل إليها التراكم النقدي والثقافي العالمي.

إن البرتغال لم تعبر سوى عن مرحلة الاستيلاء على الغنائم والمواد الخام بصورة عسكرية، ولهذا كانت معتمدة على الأساطيل الحربية والقلاع. ولكن البرتغال لفتت الأنظار الغربية إلى أهمية الشرق، خاصة الهند، ثم المناطق القريبة منها. وبانتقال قيادة الرأسمالية إلى بريطانيا تكون مرحلة جديدة من تطور العلاقات الاقتصادية العالمية قد تشكلت، واعتمدت على نمو الصناعة وتصدير البضائع ورأس المال.

ومن خلال الهيمنة على الهند انتقلت بريطانيا إلى الخليج العربي، عبر مداهنة القوى الرئيسية فيه، كالإمبراطورية العثمانية والدولة الصفوية الفارسية، في حين لم يكن ثمة ممثل للقومية العربية التي كانت لا تزال فاقدةً الملامح الاجتماعية والفكرية.

وقد اعتمدت بريطانيا في سيطرتها على الخليج على تفتيت علاقاته بالعالم، وعلى تفتيت علاقاته الداخلية، بل على تفتيته الوطني، بحيث تبقى اجزاؤه المختلفة متضادة. وكانت هذه خطة بعيدة المدى وذات نتائج أقوى وتكاليف أقل.

ولهذا وجدت جزر أوال نفسها في مرحلة تاريخية جديدة، تم شيئاً فشيئاً قطع علاقتها بالضفاف الشواطئية المختلفة لها، ضفتا الجزيرة العربية الغربية والجنوبية، وبالتالي قطعها عن جسمها الخليجي العربي.

فعبر هذا تكون عملية الابتلاع اكثر سهولة وأقل خطورة، وقد اعتمدت بريطانيا في نمو سيطرتها على وضع الاقتصاد المحلى عموماً على مدى فخامة وغلاء المواد الأولية، وكذلك على أحجام الأسواق. ولهذا كانت الهند درة التاج البريطاني، لدورها في تطوير التصنيع الإنجليزي بشكل مركب مواد وسوقاً.

ومن هنا كانت جزر أوال ذات أهمية محورية نظرا إلى وجود المادة الخام والسلعة الثمينة في ذات الوقت وهى اللؤلؤ، حيث كانت هي مركز إنتاجه في توسطها لمصائده الطبيعية الكبرى.

واذا نحن نظرنا في ذلك الوقت إلى أية مواد خام أخرى ذات اهمية كبيرة لم نجد في الخليج سوى اللؤلؤ، كذلك لم يكن الخليج سوقاً كبيرة، نظراً إلى ضعف عدد سكانه وتبعثرهم وسوء أحوالهم المعيشية. وكان بالإمكان خلال القرن التاسع عشر تسلم هذه المادة السلعية دون صعوبات، لنشوء الترابط الوثيق بين الهند والخليج، التي عملت بريطانيا على نسجه من خلال تشجيع التجارة مع الهند.

ونظراً إلى طبيعة المواد الخام وأحجامها في الخليج فلم تكن بريطانيا في القرن التاسع عشر بحاجة إلى وضع اليد على الخليج، كما فعلت في الهند، ولكنها كانت بحاجة إلى ترتيب البيت الخليجي للسيطرة الشاملة القادمة، عبر تفتيته وقطع صلته بالساحل الشرقي لإفريقيا، والقضاء على اشكال التهديدات المسلحة التي يمكن أن تنمو فيه، ولهذا كانت قوانين واتفاقيات منع تجارة الرقيق و«االقرصنة» والحروب، وكل ذلك يعنى تقسيم مناطق الخليج، والقضاء على أساطيله الحربية، وتوجيه الحياة الاقتصادية والسياسية لما يفيد التجارة البريطانية، حيث أخذت مصالح دول الخليج ترتبط تلقائيا بأسواق الهند وشرق افريقيا.

وفي ذلك المستوى من التطور الاقتصادي البريطاني لم يكن ابتلاع دول الخليج مفيداً، لكن التطور البريطاني الداخلي، واتساع الصلات مع دول الخليج، وتفاقم الصراع بين دول أوروبا الغربية حضّر الظروف للانتقال إلى السيطرة المباشرة.

قادت الظروف العامة لمنطقة الخليج وموقع البحرين في القرن التاسع عشر لتحولها إلى المركز الرئيسي لإنتاج اللؤلؤ. وهذا أدى إلى تبدل طبيعة السكان، فالمستوى الزراعي شبه الكلي، أخذ يعطي المكان لاقتصاد البحر. ومع تدفق عائدات هذا الاقتصاد بدأت القرى الساحلية في التحول إلى مدن. كما راحت القرى تنمو بصورة واسعة، بسبب هذا الترابط والنمو المشتركين. فإنتاج النخيل يقدم الكثير من المواد الأولية للسكان، كالمواد الغذائية والبنائية والاستهلاكية المختلف. وهذا يقود بدوره إلى تطور الزراعة.

إن عملية تشكل السوق الوطنية، تحدث من ترابط نسيج الحرف المختلفة، فحرفة صناعة السفن تعود بآثارها على حرفة الغوص، وسعف النخيل يصنع بيوت السعف الأكثر انتشاراً وقتذاك، والحدادة والقلافة والنسيج وغيرها تتعاضد لتقديم المواد الأولية للحرف واستهلاك البيوت ولنمو المدن وتضخم اسطول الغوص، الذي تعود عائداته بالتالي على هذه الحرف ومنتجيها بشكل نسبي.

كان هذا الإنتاج يحتاج إلى أمكنة للتبادل، فالمزارعون لا يبيعون سلعهم مباشرة، وكذلك الحدادون والنساجون الخ… ومن هنا أخذت الأسواق الصغيرة تكتسب نمواً مطرداً، وأخذت الأسواق الريفية تخلي مكانها للأسواق المدنية، بصورة ليست سريعة، وممتدة عبر عقود، وامتازت أسواق المدن القديمة كالمحرق وجدحفص بارتباطها الوثيق بالإنتاجين البحري والزراعي، فقد نشأت من خلال عمليات تبادله وفيضه النقدي . فكانت سوق المحرق تعتمد على جلب المواد المتعلقة بالسفن ومهن البحر المختلفة والاستهلاك، في حين كانت سوق جدحفص مرتبطة بفيض المواد الزراعية والحيوانية الناتجة عن القرى المختلفة.

كانت أهمية المدينتين انهما تعبران معاً عن إنتاج ما قبل الصناعي والرأسمالي الحديث، وتعبران عن عالم الحرف وتشابكاته المختلف.

وعمليات التبادل تقوم وتطور الرأسمال النقدي والفئات المرتبطة به، كالطواشين، وهم تجار اللؤلؤ، الذي يحتلون في هذا العصر مكانة محورية في عمليات التبادل، ولهذا أخذت هذه الفئة بالنمو مع ترسخ وتنامي اقتصاد اللؤلؤ، فغدت لها شرائح مختلفة، كالتجار الكبار الذين غدت لهم محلاتهم المحددة في قلب الأسواق، في حين ظهرت شرائح صغيرة تتاجر باللؤلؤ بأشكال كثيرة، سواء بانتظار الغواصين أم بالتوجه إليهم في عرض البحر أو السفر وبيع هذه المادة في الخارج الخ..

ونظرا إلى تحول البحرين إلى مركز الخليج لإنتاج وتصدير اللؤلؤ فقد أخذت عائلات تجارية من الخليج في القدوم إليها، لتنمو عمليات التبادل على أصعدة مختلفة، حيث أخذ الاستهلاك الترفي بالظهور، عبر إنشاء البيوت الكبيرة، كذلك فان الاستهلاك السلعي العادي أخذ بالنمو والتوسع. كذلك فان الإدارة السياسية المحلية أخذت تتحول إلى مصدر للنمو التجاري والسلعي.

وكل هذا أدى إلى توسع الفئات التجارية، حيث برزت الفئة المرتبطة بإنتاج الغوص، وفئة التجارة العامة، وهناك عمليات تداخل بينهما عبر زمن ازدهار الغوص، لكن في أزمنة تدهوره كان الرأسمال ينتقل بصورة دائبة إلى الفرع الثاني.

ولم تظهر في هذا الزمن مؤسسات تمويل كبرى، كالمصارف واعتمد الأمر على مؤسسات الصرافة الصغيرة، ونظراً إلى طابع العصر الوسيط المستمر في الحضور عبر الإنتاج التقليدي، فإنه كان يشارك المسلمين في عمليات التمويل والتسليف هذه المسيحيون واليهود بخبرتهم المميزة في هذا الجانب.

لكن إلي أي مدى كانت علاقات الإنتاج متداخلة في هذا الزمن؟ فمن المعروف ان علاقات إنتاج الغوص والزراعة، اعتمدت على العلاقات الإقطاعية وبقايا العبودية وكان حجم العلاقات الرأسمالية الحديثة محدوداً.

ويمكننا اعتبار السفينة قطعة أرض زراعية يقوم النوخذة (وهو اللفظ الفارسى البرتغالي المنتشر خليجياً ويعنى: قائد أو ربان البحر) بتقاسم محصولها مع المنتجين وهم على درجات حسب مشاركتهم في العملية الإنتاجية، وهذه المشاركة مزدوجة فمن جهة يأخذ الربان حصة مساوية للمنتج الرئيسي وهو الغواص، كذلك فإن السفينة التي ملكها أو يستأجرها تأخذ هي الأخرى ذات الحصة. في حين يأخذ المنتج المشارك مساعد الغواص [السيب] نصف سهم.

فلا ترتبط عملية الغوص بالأجور بل بالحصص، فالمحصول يقسم على أسهم، بعد خصم تكاليف الرحلة، فيأخذ الربان سهمين في حين يأخذ الغواص سهماً واحداً، والمساعد نصف سهم، ولكن العملية لا تتشكل من هذا الوضوح فإن الربان أو التاجر، يقوم بتسليف البحارة، ويكتب مبالغ السلف لديه أو لا يكتبها، مما يجعل البحارة مدينين بصورة دائمة. وهكذا لا يبقى عن الاسترقاق سوى خيوط واهية.

وفي الماضي الأكثر قسوة كان الغواص ينزل مقيداً كعبد، مما يشير على طبيعة الرق الكاملة حينذاك.

ان العلاقات البضاعية والنقدية تتوارى لصالح العلاقات الإقطاعية، وبقايا العبودية، مما يضعف من تطور الرأسمالية وتوسع السوق ومن تطور أدوات الإنتاج ودخولها في هذه العملية، وبالتالي تغيب أدوات النضال المعاصرة. كما يضع ذلك الأساس لتخلف الغواصين واميتهم وأمية أولادهم، وبقية عالميهم الاجتماعي والثقافي. ولا تختلف اوضاع الفلاحين عن اوضاع البحارة وربما كانت أسوأ، فهي تعتمد أسلوب الإقطاع المقام على [الضمان] الزراعى، وهو شكل متوارث من التاريخ العربي، مع استمرار علاقات السخرة.

وفي زمن بداية دخول العتوب إلى الغوص كان الشكل القبلى أساسياً في الإنتاج: [فترى العائلات تدخل هذه الصناعة بشكل جماعي فرب العائلة ملك السفينة أو عدة سفن يستخدمها للغوص على اللؤلؤ، والاخوة والأبناء وأبناء العمومة والأخوال يعملون جميعاً على ظهر السفينة أو السفن التي تتملكها]، [محمد الرميحي، البترول والتغير الاجتماعي]، نقلا عن فاروق أمين، «دراسة حول واقع الأسرة البحرينية»، ص 011

هذا الأسلوب العائلي ربما كان معتمداً في الزراعة ايضاً ولكن تطور القرية الأسري له مسار خاص، يعود إلى توطن القبائل العربية القديمة جزر أوال كعبدالقيس، ولا تزال قرية [كليب] تحمل ذكرى ذلك. وقد قسمت مدينة المحرق على أساس الأفخاذ القبلية، فلكل فخذ حي خاص، ثم تحول ذلك إلى أحياء مدنية وإلى الاختلاط مع تنامى التقسيمات والتباينات في الدخول وفي مواقع الإنتاج، بحيث أخذ الفقراء يتكدسون في أحياء متقاربة.

لكن العلاقات القرابية ظلت مهمة مع بقاء أسلوب الإنتاج التقليدي، وبقاء التجارة على ضعاف هذا العالم. وفيما بعد، وفي زمن القرن العشرين، فإن البحارة سيمثلون مصلحة مشتركة واسعة، ويغدون قوة اجتماعية مختلفة، مما يشير إلى طبيعة التطور الاجتماعي الذي تنامى في عقود الغوص الأخيرة.

لكن في الجهة المقابلة، فإن معظم ملكيات الغوص من سفن وديون و[أرباح] انتقلت إلى كبار تجار اللؤلؤ، فظهرت بيوتات مالية. عقارية. وغدت هذه فيما بعد أساس تطور الطبقة الوسطى البحرينية، خاصة في شرائحها الوسطى والصغيرة.

أما الشريحة الأخرى، والتي نمت من التجارة الخارجية، فإنها لم تكن كبيرة في زمن الغوص، وأخذت تتسع مع الاعتماد المستمر على الاستيراد، وأصبحت مهيمنة بعد أن دب الضعف في الغوص. ولكن هذه التقسيمات بين الفئتين الأساسيتين للطبقة الوسطى لم تكن راسخة، لأن التوظيفات كما قلنا متداخلة بشكل كبير بين الجانبين.

اعتمد اقتصاد البحرين بشكل شعبه كلى على الغوص، ففي سنة 1824 كان حجم ما بيع من اللؤلؤ هو 320,000 جنيه إسترليني، أي ما نسبته 97,03,%، بينما بلغت مساهمة القطاعات الأخرى الزراعية والحرفية 1,02%.

وقد تزايد هذا الدخل في الثلث الأول من القرن العشرين، ليصل إلى ذروته سنة 1930، حيث بلغ: 2,125,000، لكنه وصل في سنة 1936 إلى 657,000، وقد أدى هذا إلى تقلص أعداد السفن والبحارة، وبدأت علاقات اجتماعية كاملة بالتبدل.

عبرت الفترة السابقة للتدهور عن المنظومة الاجتماعية البحرينية الوطنية التقليدية، حيث تشكلت أسس للوحدة الوطنية عبر الاقتصاد التقليدي المفكك، أي من خلال التعاون غير المباشر بين أشكال الاقتصاد التقليدي، كالغوص والزراعة، وعبر التجارة المحدودة، وتداخلات التعاون الاجتماعي المباشرة.

فرافقت هذه المنظومة الاجتماعية أشكال من الثقافة التقليدية، المعتمدة اساساً على الثقافة الشعبية الشفهية الموروثة والمتداولة، والتي لا يجري فيها تغير كبير، بل إعادة إنتاج بسيطة مثل الحفظ والاستفادة من الأمثال القديمة لتطبيقها على واقع جديد، وثمة قصص مستعادة وإنتاج بسيط للشعر العامي. والتكرار والنمطية هما سمتا الوعى والواقع.

وهناك إنتاج ثقافي ديني تقليدي عزير يتواصل مع هذه البنية التقليدية، فتغدو الاستعادة المذهبية لأواخر العصر الوسيط هي طريقة الوعى السائدة، نظرا إلى وجود شعب في حالة تبلور وانتقال من منظومة إلى بوادر منظومة لم تتضح بعد على الصعيد الإقليمي. وحتى الآن لم تجر دراسات موثقة حول هذا الإنتاج الفكري، بحيث تتكشف أبعاده الجاثمة وراء نصوصه التقليدية المثقلة بالماضي.

لكن كان تبدل هذه التركيبة الاجتماعية يعتمد على طبيعة الرأسمالية البريطانية المسيطرة حينذاك، والتي بدأت بالانتقال إلى منظومة جديدة مع انتهاء القرن التاسع عشر، حيث أخذت عملية إرسال الرساميل بالتحول إلى أسلوب هام من أساليبها، فبدأت الشركات والبنوك البريطانية بالتغلغل في الاقتصاد المحلى.

وقد كانت عمليات الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية تتنامى منذ القرن التاسع عشر، فكان للبريطانيين امتيازات سياسية واقتصادية مثل وضع ضريبة لا تتجاوز الخمسة في المائة على البضائع البريطانية وغير ذلك من الامتيازات السياسية والقضائية. ولكن في بداية القرن العشرين انتقلت البحرين إلى التبعية للاستعمار البريطاني. وفي هذه السنوات قدمت شركات البرق والبريد وكري مكنزي والبنك البريطاني.. الخ، فغدا الاقتصاد المالي يحكمه البنك البريطاني، والتجارة الخارجية بيد كري مكنزي وأخذت السلع الإنجليزية بالانتشار الواسع.

وقد أدى غياب أي حماية للاقتصاد المحلي إلى أن بدأت شبكة الحرف بالتدهور المستمر، ولهذا وجد صناع السفن و النسيج والمداد والفخار الخ .. انفسهم يفقدون أعمالهم، وبطبيعة الحال تحولت هذه الظاهرة إلى سيل جارف مع انهيار الغوص، ولهذا أخذت البحرين تتحول من مركز اقتصادي إلى هامش اقتصادي.

ان انهيار النظام التقليدي تم ببطء كما ان تشكل النظام الحديث تم ببطء مماثل، وهذا ما شكل أزمة عميقة للمجتمع، خاصة في عقود الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات، وفي السبعينيات فقط بدأ النظام الحديث في إنتاج ثماره.

وهذا التحول ترك بصماته على مختلف جوانب الحياة المادية والثقافية، بدءاً بنمط العمران، وهو الأقرب إلى البنية الاقتصادية، أو في اشكال الوعى الفكرية وهى أبعدها عن الالتصاق بها. ونجد بيوت الفقراء الأقل تعرضاً للتبدل، فقد ظلت مادة الخوص والجريد المادة الأساسية لها، وحتى الستينيات. في حين بدأت الفئات الوسطى منذ الثلاثينيات استخدام المواد البحرية في تجديد مساكنها.

كان الاختلاف بين المحرق والمنامة هو العلامة الفارقة للتحول بين العصرين الوسيط والحديث، فقد كانت المحرق عاصمة نظام الغوص وأزهى فترات العصر الوسيط البحرينية، حيث البنية المستقلة والمزدهرة نسبياً، لكنها عاصمة غير قادرة على أن تكون عاصمة توحيدية تحديثية للبلد، بسبب طبيعة العلاقات الاقتصادية التقليدية المفككة للشعب، والواقع الجغرافي المحصور والضيق للمدينة، وقد كانت هي الموقع الرئيسي للعمل السياسي المناهض للاحتلال، كذلك فقد قامت السياسة البريطانية على الابتعاد عن كتلة المنتجين البحرينيين المترابطين فيها، ولهذا قامت بتطوير موقع المنامة، التي كانت مصيفاً، وفيها فراغات كبيرة وقتذاك.

كانت المواقع البنائية محدودة في المنامة، وتحيطها مجموعة من القرى المتباعدة التي تشتغل بمجموعة من الحرف، وقد أدت التطورات الاقتصادية من انهيار نظام الغوص والزراعة والحرف إلى نزوح السكان وبحثهم عن أعمال خلال عقود الانهيار والتحول، فبدأت المنامة تنمو بشكل سريع.

تحول المنامة إلى عاصمة كان ثمرة للاندثار الريفي والحرفي وللتحول إلى سوق، فتصبح المركز السياسي والاقتصادي للمجتمع، وتقوم بالنمو على حساب الرقعتين الزراعية والبحرية، فغدت مكانتها المتوسطة الجغرافية وسيلة لتوحيد المجتمع، فأصبح الاقتصاد الحديث أساساً أقوى وأوسع للبناء الوطني، ولظهور مجموعات سكانية حديثة.

وقد تعرضت الطبقة الوسطى للتبدل بناءً على هذا النمو للاقتصاد الحديث على حساب تلاشي الاقتصاد التقليدي، فاندثرت فئة الطواشين والفئات المرتبطة بالنمط القديم، وأصبح المستوردون هم الفئة البارزة في الطبقة الوسطى، وأصبحت البيوتات المالية المعنية أساساً بالاستيراد في مجتمع الغوص هي الطالعة من خراب العام القديم، أو تلك التي حافظت على التنوع وعلى الاستثمارات العقارية، مما أعطى بناءً اقتصادياً خاصاً للطبقة الوسطى، كانت له تأثيراته على حقول الوعي والسياسة.

ولهذا كانت الشرائح المرتبطة بالاقتصاد القديم، وهي عائلات الاقتصاد البحري أو الريفي من جهة أخرى وبمستويات متباينة بين المدينة والريف، هي التي واجهت الغزو الاستعماري، لتضرر مصالحها بشكل مباشر، حيث كانت تزاوج بين السيادة الاجتماعية والغوص وتجارة الرقيق والسلاح، وتعتمد على علاقات وأفكار قديمة ولكنها تعبر عن مضمون وطني تقليدي.

فنجد أن معارضة الثلث الأول من القرن العشرين تتركز في المحرق وبين عائلات الامتيازات «البحرية»، فهي تعمل على إبقاء النظام القديم بأساليبه ونظامه السياسي، في حين كان هذا النظام قد تجاوزه العصر، وعملت القوة البريطانية على تغيير بعض جوانبه غير العميقة، دون أن تقوم بتغيير البنية الإقطاعية ــ المذهبية بل حافظت عليها. أي قامت بإلحاقها كنظام تابع بالهند اولاً مع إجراء التحسينات الضرورية لظهور جوانب من الاقتصاد الحديث.

لكن من خلال هذا الصدام بدأت تتبور خريطة الوعي الوطني المتصاعدة على مدى القرن العشرين، فالتقليديون وهم يواجهون الاستعمار، كانوا يبعثون مختلف أشكال الوعي: الشعر، والمقالة، والرسائل، وهذا هو المستوى المبكر من هذا الوعي، وفي مرحلة الثلاثينيات مع توسع الحياة الثقافية عبر المدارس، والأندية وصحيفة البحرين، ظهرت أشكال أخرى: المسرحية الشعرية، والقصة القصيرة، والترجمة، والنقد.

لكن راحت أشكال الوعي المختلفة تعبر عن الفئات الوسطى بشكل متزايد، حيث غدت هي المنتشرة والقادمة من النسيج الوطني عموماً، ولهذا فإنها لم تجد في الأفكار الدينية التقليدية مادة جاهزة للنضال الوطني، فراحت تستوعب الأفكار العربية والإسلامية المبثوثة في الفضاء العربي؛ حيث كان الانبعاث القومي الإسلامي هو الصوت الرائج في المشرق العربي.

كذلك فإن المؤسسات الدينية. المذهبية لم تكن قاعدة للوحدة الوطنية والعمل المشترك، فأصبح التنوير والنهوض الثقافي أداة للوحدة وللحرية.

كان نمو الطبقة الوسطى البحرينية يعتمد على نمو ذينك التوجهين الفكريين المتشكلين من جذور عالم الغوص والتجارة، فالاتجاه السلفي التحديثي، والاتجاه الليبرالي، أخذا يبرزان بصعوبة فيها. ويمكن ملاحظة ان الجسم البارز من المنحى الأول يبرز في المحرق بصفة خاصة، نظرا إلى حجم تركيبة النمط القديم فيها، وتوجهه الوطني القومي الديني. في حين ان الجسم الليبرالي الأكبر ظهر في المنامة، بسبب النمو المتسارع للتجارة والحداثة فيها.

ولهذا نجد المنتديات ذات الطابع القومي الديني تبرز في المحرق وتكون مقراً للنادي الأدبي وللمنتدى الإسلامي، فتكون أقرب للتركيبة التقليدية، في حين كان الجسم الفكري في المنامة يبحث عن توجهات جديدة لم تتبلور بوضوح. وفي البداية ظهرت نفس التوجهات [المحرقية]، فالتوجه القومي الديني هو الذي وجه النخبة، لكن النمو الليبرالي الأكبر لم يتبلور في حركة أو اتجاه متأصل، وقد ظهر في حركة الهيئة لكنه لم يصبح اتجاهاً، بسبب مستوى الطبقة ومحدوديتها التاريخية والاقتصادية، فليست هناك جذور عميقة موضوعية وثقافية راسخة للحداثة.

لقد استطاعت الاتجاهات الشمولية أن تهيمن على أبرز قطاعاتها، لسهولة وعاطفية شعاراتها، الأقرب إلى الأمية، ومن هنا كان الإنتاجان الفكري والسياسي محدودين قياساً بنظيراتها في الدول العربية، وتجربتها السياسية لا تعطيهما فرصة للتراكم وخلق أجيال من المتشبعين بثقافتها .ولهذا لم ينفرز الاتجاهان الليبرالي والديني، وحين انفرزا بعد عقود، تحول الأول إلى ليبرالية مقلدة للغرب بلا جذور، وصار الآخر متشدداً شكلياً بلا معرفة عميقة بالإسلام.

وكانت العلاقات مع الضفاف الإيرانية وجنوب العراق تجري كما كانت عبر التاريخ، ولكنها أخذت الآن تنمو عبر الحدود الوطنية المعاصرة، فالاتجاهات المزدكية والمانوية الإيرانية والعراقية الضاربة الجذور، تتحول إلى تيارات ماركسية ودينية، وقد برز الاتجاه الماركسي الإيراني عبر حزب توده وامتداده السياسي في تجربة البحرين، منذ حركة مصدق وانهيارها ولجوء مناضلين إيرانيين إلى البحرين. لقد قام هذا الاتجاه بنقل حرفي لتجربته إلى البلد، خاصة إلى القطاع العمالي، في حين كان الاتجاه الديني، المتصف بالتوجه اليميني يتغلغل في شريحة التجار الصغار والموظفين. ومن هنا برزت في المنامة عملية النمو الفكرية والسياسية الأكثر وضوحاً وتبسيطية0 ولهذا فإن الاتجاهات الوسطية الأخرى لم تشهد نمواً متواصلاً 0

لكن النقل الحرفي للتجربة الإيرانية سيكون متكرراً في تجربة البحرين السياسية، هو أمر يعود إلى تاريخ قديم كما رأينا في التجربة القرمطية، وقد تقاطع بالتجربة النضالية العربية القومية واليسارية، ثم ما لبثا أن تداخلا في فترة لاحقة.

أن تجربة المنامة الفكرية والسياسية سوف تتسرب بطبيعة الحال إلى المناطق المختلفة، حيث ستجد في المناطق الريفية حاضنتها الأكبر نتيجة للتأزم الاجتماعي الاوسع، وإذا كانت مدينة المحرق لم تشهد مثل ذلك النمو، فالأمر لا يعود إلى الجذور فحسب، بل أيضاً إلى محدودية التداخل والنمو المشترك الغني للمدينتين.

فالوعي الحديث غير قادر على دراسة جذوره، والقديم متقوقع في تجربته المحدودة، وفيما بعد سيكون للحركة الثقافية قدرة على بدء تجاوز هذه الثنائية.

أما الوعيان الفكري والسياسي فهما غير قادرين على تجاوز هذه الثنائية بسبب تلك التجربة المحدودة في العمل السياسي العلني والجماهيري، وضعف أدوات البحث والاتصال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

البحرين في العصر الوسيط

كتب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة

أنظر كتاب عبدالله خليفه: إضافة لذاكرة البحرين

لا بد لكي نعرف حياة البحرين في العصر الوسيط وتطورها، لا بد من إلقاء نظرة موجزة ومكثفة على الظروف العامة لتشكلها، ففي ذلك الحين كانت جزر أوال جزءاً حيوياً من إقليم البحرين الممتد من جنوب البصرة حتى مشارف عُمان، وفي قلب هذا الإقليم يقع ساحل هجر وجزر أوال، وما يحيطهما من صحراء وبحر. وهذا الإقليم وحده بين شرق الجزيرة والعالم الذي يجمع النقيضين وهما بحران من ماء عذب وملح أجاج، وقد جاء ذلك في القرآن الكريم.

ولكون جزر أوال جزءاً من إقليم البحرين فقد عاشت ما عاشه من صعود وهبوط، ومن نهوض ونكوص، وقد نشأت أسس المعارضة الطويلة في الإقليم بسبب الظروف التي لابست تطور الدولة الإسلامية، فقد جاء في معاهدة العلاء الحضرمي:

«هذا ما صالح عليه العلاء الحضرمي أهل البحرين على أن يكفونا العمل ويقاسمونا الثمر»، ولم تعجب أهل البحرين هذه القسمة فارتدوا مع من ارتدوا عن سيطرة المركز في المدينة، ولكن جعل الفتوحات الأولى لفارس عن طريق البحرين جعل هذا الإقليم جزءاً من عمليات الفتوح الكبرى وآثارها المختلفة، و في عصر الدولة الأموية تم تجاهل هذا الإقليم تماماً، حيث غدا جنوب العراق وخاصة البصرة هو مركز التجارة والاستيراد والتصدير، مما جعل الإقليم مهمشاً على الصعيدين الاقتصادي والسياسي.

«أما الزراعة فكانت مزدهرة هي الأخرى خصوصاً فى ساحل هجر وفي جزيرتي أوال وتاروت، وتحيط بهذه المنطقة بادية كان يسكنها عبدالقيس وبكر بن وائل وتميم قبل الاسلام، وكان جل اقتصادهم يرتكز على الرعي والغزو أو أعمال القرصنة.»، (القرامطة بين الدين والثورة، حسن بزون، دار الانتشار العربي، ص64).

إن موارد الإقليم مهمة في الزراعة والرعي ولكنها تكاد تكفي للحياة الداخلية، فقد عرف هذا الإقليم بالفقر الشديد، ولكنه كان يرسل الخراج بصورة منتظمة إلى العاصمة دمشق ثم بغداد، مما جعله يتحول إلى مركز دائم للمعارضة والثورات، فأنتج الخوارج ثم القرامطة وهما أكبر حركتي معارضة في التاريخ الإسلامي والعالمي القديم.

إن هذا يعود إلى تأثرات القبائل الفكرية والسياسية البحرينية موجات المعارضة الكبرى التي كانت تنتجها إيران، والتي كانت تمر أو تختمر في جنوب العراق، ثم تنموي في إقليم البحرين البعيد عن السيطرة المركزية.

فقد عرفت قبائل عبدالقيس وتميم خاصة بالصلة المستمرة بالسواحل الفارسية، نظراً إلى تداخل المصالح والهجرة والانتقال السكاني المتبادل على مر التاريخ، ولم تكن هذه المنطقة ذات كثافة بشرية كبيرة، فأثر فيها الفرس وحكموها ردحا طويلاً من الزمن.

وقد تأثرت قبيلة تميم خاصة بالأفكار الثورية القادمة من فارس، خاصة أفكار المزدكية والمانوية، وعبر هذه القبيلة تغلغلت أفكار الزهد عند بعض الشخصيات التاريخية العربية، لكن هذه القبائل عندما رأت الحكم يتركز في قريش أعلنت التمرد، وطرحت شكلاً شعبياً للحكم رفضت فيه الاحتكار القرشي، ثم تحولت هذه العملية إلى حركة سياسية كبرى، انتقلت من العراق إلى موطنها الطبيعي، ومركز قبائلها وهو إقليم البحرين، الذي قام بحماية الحركة على مدى قرون في حين كانت الحركة تذوب وتتلاشى في الأقاليم العربية الشمالية. ولعل حركة التمرد الطويلة هذه من الأسباب التي زادت هذا الإقليم فقرأ على فقره. وأخذ ينعزل عن حركة التطور الاقتصادي الواسعة في الامبراطورية الاسلامية حينذاك.

لا نستطيع أن نفعل كما يفعل المؤرخون والباحثون بالتركيز على العوامل الفكرية باعتبارها الحرك الأكبر لبعض سكان إقليم البحرين بالتوجه إلى حركات المعارضة العسكرية الكبرى، بل نرجعها إلى ظروف الفقر الشديد والشظف والبداوة والحرمان وعزل المنطقة عن التجارة المزدهرة وعن الإصلاح التي جعلت هؤلاء السكان يتعاطفون بسرعة شديدة ومخيفة مع أية أفكار ثورية وفوضوية ومعادية احياناً للعرب والإسلام بصورة غريبة.

فمن الصعب تصديق الرواية القائلة إن أبا سعيد بن بهرام الجنابي مؤسس الدولة القرمطية في البحرين شخص يمثل أفكاراً كبيرة وناضجة، فنحن نجد الرجل يلتقي حمدان الأشعث ثم يعتنق الأفكار التحولية هذه ويندفع إلي البحرين في ظرف زمني قصير ثم يشكل دولته العتيدة.

ولكن إذا حاولنا تفحص هذه المسالة بدقة، فسنجد ان أبا سعيد كان شخصاً مغامراً يبحث عن فرصة سياسية للصعود، وهو بدلاً من أن يتجه إلى دعوة فكرية طويلة نراه يبحث عن قبائل الغزو والجريمة لكي يضمها اليه:

«وحين توجه أبوسعيد الجنابي بالدعوة إلى العرب أجابه بنو الأضبط من كلاب.. وهؤلاء ليسوا من قبائل البحرين القديمة.. فجمعهم أبوسعيد فضم إليهم رجالاً وساروا فأكثروا من القتل»، (المقريزي، اتعاظ الحنفا، نقلاً عن المصدر السابق، ص67).

هكذا نجد أبا سعيد وهو يشكل حركته من القبائل المجهولة ومن قطاع الطرق، وكانت أول حركة سياسية عسكرية له هي تدمير مدينة هجر، «ولم يوفق بالسيطرة عليها إلا بعد أن قطع الماء عنها وفر بعض أهلها في البحر ودخل بعضهم دعوته وخرجوا إليه وبقيت طائفة لم يفروا لعجزهم ولم يدخلوا في دعوته فقتلهم. وأخذ ما في المدينة وخربها فبقيت خراباً وصارت مدينة البحرين هي الاحساء»، (المقريزي، عن السابق، ص 68).

وفي حين نجد الحركات الثورية والإصلاحية تقوم ببناء المدن وتشكل نهضة مدنية، نرى أبا سعيد يبدأ تاريخه بهدم مدينة عريقة، عبر تحالفاته مع القبائل الفقيرة والأعراب وتحويلهم إلى قوة عسكرية ضاربة، وجعله الغزو المدمر علامة لسياسته التخويفية.

بطبيعة الحال هناك تشنيعات كبيرة بحق القرامطة، لكن ثمة خيطاً من الحقيقة في هده العمليات العسكرية الإرهابية. فالرجل بعد إنشائه مدينة الإحساء طور الحياة الاقتصادية عبر إصلاح المزارع ومساعدة الفقراء المحتاجين وجعل الإحساء عاصمة كهجر السابقة، وفي رأيي فإن أبا سعيد لم يفعل ذلك إلا ليؤمن الجبهة الداخلية لنظامه العسكري استعداداً لجعل سياسة الغزو المورد الاقتصادي الحقيقي والواسع للدولة.

ويا ليته كان غزواً يؤدي إلى توسع الدولة ونمو علاقاتها وتطور مدنها وثقافتها ويشكل انقلاباً حضارياً في جسم الدولة العباسية الشائخة والمتعفنة وقتذاك، بل كان الغزو هجمات على المدن بغرض السلب والنهب، فحين غزا القرامطة البصرة سنة 307 هجرية «نهبوها وقتلوا وسلبوا أهلها»، «وضعوا السيف في أهلها وأحرقوا البلد الجامع ومسجد طلحة وهرب الناس وألقوا بأنفسهم في الماء فغرق معظمهم». (النجوم الزاهرة،ج3، ص 197).

لا نستطيع أن نفهم هذه العمليات العسكرية بغرض البناء السياسي وإنتاج بديل لنظام قديم أو نعتبرها محاولات لتشكيل نظام في حالة من البحث والمخاض، فهؤلاء الغزاة لا يحملون فكراً أو علاقات اقتصادية وسياسية جديدة، إنهم مجموعات من قطاع الطرق وقبائل الغزو والإغارة، فقد كان بالإمكان حكم البصرة وإعطاء سياسة اقتصادية جديدة ومفيدة للمدنية، ولكنهم لا يملكون هذا الوعي لقراءة واقع وحياة المدينة، وبالتالي استبصار مسار الدولة العباسية وتقديم بديل لدولة إقطاعية شائخة. أي لو كان هؤلاء متطورين فكرياً واقتصادياً لوضعوا التاريخ العربي على مسار آخر.

كان البديل سوف ينتج لو أنهم حرروا فلاحيهم البحرينيين من الاستغلال والإقطاع، ولكن نظام السخرة والعبودية واستغلال الفلاحين ظل مستمرأ، فكان هناك «السادة» وهي الفئة الحاكمة التي تملك العبيد والخزائن والأراضي والمطاحن، وبقربها طبقة من الملاكين الخاصين، وفى القاعدة جمهور الفلاحين والعبيد والبدو.

كان توسع القرامطة في استخدام العبيد تعبيراً عن فقر المنطقة في إنتاج علاقات اقتصادية متطورة وثقافة متطورة، وكان الاعتماد على القبائل الرعوية المتخلفة يجسد كل ذلك.

تبدو ضخامة أخطاء القرامطة في كثرة الحروب والموقف من الدين، والوجهان معبران عن رؤية داخلية متأزمة.

ومنذ أن تكونت بنية اقتصادية في الإقليم والدولة توجه طاقتها نحو الحرب التي اتسعت رقعتها ; من شن الهجمات على العراق وسوريا حتى مصر، ثم السيطرة على طرق الحجيج، وكل هذه العملية الاستنزافية هي من أجل المال، نظراً إلى أن دولة القرامطة كانت ذات موارد محدودة ومشروعاتها العسكرية لا تتوقف.

وفي الحروب لم تكن لها مواقف ثابتة، فكانت هجماتها الأولى لسلب المدن العراقية الجنوبية، ولم تطرح على السكان تبديل نظام الحكم، والعمل من أجل مشروع سياسي جديد، لأن حكام الدولة لا يمتلكون أي تصورات مهمة.

واضطراب المؤرخين والباحثين بكون حركة القرامطة منبثقة من الاتجاه الإسماعيلي أو الاتجاه الحنفي، أو انها جاءت تحت تأثير الثورة البابكية التي انفجرت ضد المأمون ومن بعده من الحلفاء، فكل هذه المحاولات للبحث عن شخصية فكرية هي غير مجدية لأن الحركة بلا هوية عميقة، فهي نتاج مجموعة سياسية عامية، ازدادت عاميتها وأميتها الفكرية مع اندماجها المتواصل مع أعراب الجزيرة، واعتمادها على اسلوب عيشهم المتكرس بالغزو.

ويبدو غياب المشروع والأمية والعدمية الثقافية من اعتماد العنف وسيلة للبقاء، وكذلك الهجوم على الدين، ويبدو الهجوم هنا ليس نقداً أو تحليلاً واكتشافاً لجذور الأديان في المنطقة، ومعرفة سببياتها وأهدافها، بل هي عملية إنكار أمية لها، تتجاهل شعائرها وقراءة أفكارها، ثم تصبح استهزاءً بها وعنفاً ضد مظاهرها.

انها أرستقراطية من نوع جديد، فهي قطع مع التراث بصورة دكتاتورية، وهي تعال على المؤمنين ومقدساتهم، وسيطرة عنفية على حياتهم وتوجيهها نحو الحرب.

ومن هنا نجد الفاطميين أصحاب مشروع فكري وتنظيم توحيدي بينما هؤلاء مجرد قطاع طرق تاريخية، ولهذا كان لا بد أن يصطدم الفاطميون والقرامطة، فالقرامطة كانوا يخربون المشروع السياسي التوحيدي الفاطمي، ولهذا كان الإسماعيليون مؤمنين إسلاميين، لهم رؤية خاصة في هذا الإيمان، أما القرامطة فأناس عدميون لم يستطيعوا أن يشكلوا لهم رؤية خاصة في الإسلام، لأن تشكيلهم لرؤية إسلامية خاصة يعني تجذرهم في المنطقة واستيعاب تراثها وطرح برنامج ما لتحويلها، وإقامة علاقة بالمؤمنين، وحماية أرواحهم وليس هدر دمائهم.

ويبدو لي ان القرامطة هم أناسٌ من بقايا ومتشردي الحركة البابكية، الفرس الذين انتقلوا إلى الضفة العربية بعد فشل مشروعهم في ايران، ولهذا نجد معظمهم بأسماء فارسية، كأبي سعيد بن بهرام أو دادويه أو حسين الأهوازي الخ ثم واصلت القيادة القرمطية حياة العزلة العميقة عن المحيط العربي مع هيمنتها على الأموال والأرواح.

وقد وقعت جزر أوال مثل بقيه إقليم البحرين في قبضة القرامطة، لكنها لم تكن عاصمة الحكم، وفي مركز القرار، فهي ثالثة الأثافي بعد الأحساء والقطيف، وقليلة هي الإشارات التي نجدها في الكتب القديمة عن جزر أوال، واسم أوال هو في الواقع يعبر عن مرحلة من التداخل بين انتهاء العصر القديم والعصر الوسيط. وهناك اشارات محدودة لاسم أوال في هذه الدراما الرهيبة :

في سنة 361 هـ – 972 م وقعت في إقليم البحرين الذي يسيطر عليه القرامطة ثورة سابور الذي كان أكبر أولاد أبي طاهر الجنابي، قائد الدولة البارز والراحل، وسابور واخوته كانوا قد أبعدوا عن الحكم، فلم يرض سابور بذلك، وقام بانقلابه الذي لم ينجح فيه، فأودع هو واخوته جزيرة أوال.

وقد وجه المعز حاكم مصر رسالة شديدة اللهجة إلى الحسن الأعصم الحاكم يحتج على وضع أولاد أبي طاهر في السجن بجزيرة أوال، [الإسماعيليون في العصر الوسيط، فرهاد دفتري، ص55، دار المدى].

لا يعني ذلك ان أوال كانت سجناً فقط، بل كانت كالقطيف وجزيرة تاروت تجمع بين الزراعة والغوص من أجل اللؤلؤ، وتقوم بإرسال دخلها إلى الاحساء. ومن هنا كانت كبقية أجزاء الدولة القرمطية توظف أموالها لحروبهم التي تستنزف الموارد القليلة.

ان انعدام الآثار للدولة القرمطية يتضح في جزر البحرين التي كانت بعيدة عن منطقة حروبهم، فلو كانت لديهم مؤسسات عمرانية وآثار لظهرت فيها وبقيت. ولهذا نجد الدول التي جاءت بعدهم تترك آثاراً رغم الفترة القصيرة التي مرت بها في هذه الجزر كالعيونيين والبرتغاليين.

ونلاحظ كيف بدأت القبائل المحلية الراسخة كعبدالقيس بحكم المنطقة بعد زوال حكم القرامطة، التي حافظت على الإرث العربي الإسلامي بشكله التقليدي، وحين أيدت النزعات الانفصالية كانت تتجه في الواقع إلي أن تحكم بنفسها في خاتمة المطاف. وهو الأمر الذي جعل القوى التقليدية القبلية تعود إلي حكم مناطق الجزيرة العربية المختلفة.

لقد ترك حكم القرامطة والخوارج قبلهم اثراً سلبياً بسبب جرهم المنطقة إلي أتون الحروب الإقليمية، ولهذا غدا المناخ الفكري معارضاً لأية نزعات مغامرة جديدة، وأخذت الاشكال الفكرية التقليدية تنتصر عبر صراعات داخلية عنيفة، كما أن القوى الأجنبية لم تدع هذه المنطقة تنمو وتستقل بمواردها. وهذه من عوامل ضعف المنطقة الفكري بعد كل ذلك الإرث المعارض الطويل.

لقد ثارت القوى القبلية والمناطقية المختلفة على حكم القرامطة، واستطاع احد القادة البحرينيين، واسمه العوام بن محمد بن يوسف والملقب بــ «أبوالبهلول» أن يقود ثورة أطاحت بحكم القرمطي، فبدأت القوى الأخرى في قلب الدولة بالعمل لتجاوز هذه الحقبة، وكان بروز العيونيين من عبدالقيس تعبيراً عن التتويج الأخير لعملية انفصال إقليم البحرين عن الخلافة العباسية، وقيام القبائل في الجزيرة بحكم المنطقة، لكن هذا لم يدم طويلاً مع تدخلات الفرس ثم مجيء الاستعمار الاوروبي.

الاستغلالان الفارسي والبرتغالي لم يضعا أي أسس لنهضة محلية، فقد ظلت فوائض الموارد الزراعية والغوص تتوجه إلى الخارج. كما أن الحروب الجديدة والتدخلات المستمرة جعلت جزر أوال تفقد مدنها، يقول النبهاني: إنه كانت بالبحرين ثلاثون مدينة عامرة أغلبها دمر بالحروب. وكان الريف بالبحرين يصل إلي جبل الدخان كما يذكرون.

ويعود بناء مسجد الخميس إلي هذه الفترة، أي فترة ما بعد الدولة القرمطية، وليس كما هو شائع بانه مسجد بناه عمر بن عبدالعزيز. وفي بناء هذه المسجد إشارة إلى انقضاء عهد، وحلول عهد آخر.

لكن العيونيين لم يستطيعوا أن يستقلوا بالمنطقة التي وقعت في هيمنة الحكم الفارسي، بعد التنامي المستمر في الاستقلال الإيراني والتغلب على المغول، فواصلوا إرسال الخراج ولكن هذه المرة إلي فارس. ثم أضيف الحكم البرتغالي بطريقة استغلاله الشرهة والخارجية للبلدان التي يستعمرها إلي قائمة المحتلين.

ويروي مؤلف بحريني عن كتاب عربي ان الامير مقرن بن زامل الجبري حاول في عام 1521 صد هجوم البرتغاليين على جزيرة البحرين إلا أنهم قبضوا عليه وأخذوه أسيراً بعد معركة ضارية، (عبدالرحمن سعود مسامح، مقدمة في تاريخ البحرين، ص 342).

كان عجز الجزيرة العربية عن إنتاج حركة عربية مستقلة يعود إلى ذلك التدفق البشري الطويل خارجها، وإلى عجز حركات المعارضة عن التخلص من ميراث الغزو وحروب الكر والفر، ووقوع المناطق الساحلية الغنية نسبيا أي إقليم البحرين والحجاز في التبعية لخارج الجزيرة العربية.

ولم يشكل الاستعمار البرتغالي تحدياً كبيراً للسكان، حيث نأى عنهم في قلاعه وسيطرته الخارجية. ولهذا لم يؤد إلى احتكاك عميق، وخرج وهو لم يترك من بصمات سوى حصونه المخربة.

وفي القرن الثامن عشر حيث نشبت أزمة اقتصادية خانقة في الجزيرة العربية أمكن لمجموعة من القبائل أن تهاجر إلى الساحل الشرقي وهي قبائل العتوب، التي غيرت التركيبة السكانية والسياسية في إقليم البحرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

🌴 الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الاسلامية, المجلد 2 ص 149.

🌴 يتبع،،، البحرين في بدء التحديث

أسئلة الصمت والقهر في الاستفاقة على أوجاع التاريخ ! 

صراعاتُ الوعي العربي تاريخياً

ظهرَ الإسلامُ في ظروفٍ شديدةِ التخلف عند العرب والأمم المجاورة لهم ، وبهذا فإن شكلَ الوعي المكرس فيه يقومُ على شكل مثالي ديني ، تلعب فيه الكائنات الغيبية دوراً محورياً مهيمناً على الوجود ، وذلك بسببِ غيابِ العلوم بمختلفِ أقسامها عند أهالي المنطقة البدوية خاصةً.

  ومع تطور المسلمين واحتكاكهم بالحضارات التي سبقتهم والمنتجة للفلسفة فإنهم اتجهوا للاستفادة من هذه المنتجاتِ الفكرية المتطورة القديمة، بصفتهم أكثر شعوب الأرض وقتذاك تقدماً.

  وهكذا راح المسلمون يستثمرون هذه المنتجات في تطورهم الحضاري المستقل، ومن هنا كيفوها مع الموروثِ الإسلامي الأولي، ومع الموروث الإسلامي الجديد الحضاري الذي تكون حين شكلوا تلك الحضارة ، منقطعين عن المستوى السابق.

  والذي قام بهذه العملية ليس المسلمين ككل، ولكن تلك الفئات المثقفةَ التي يعود تكوينها للفئات الوسطى عموماً، وقد أبقت على المنظور المثالي للفترة السابقة، مطورةً إياه في منظور مثالي موضوعي.

  بين المنظورين المثاليين الديني الأولي، والديني الفلسفي ، ثمة نقاط تشابه ونقاط افتراق ، في كون الأول يمثل الفئات الوسطى المكية المثقفة ، وهي تقودُ عمليةَ التحولِ في ظروف شديدة التخلف، وبأدوات النضال الجماهيرية.

  واعتمدت تصوراتها على الرؤية المثالية الدينية في أبسط أشكالها، حيث الجمع بين الواقع والميراث الأسطوري الفكري القديم، المستفيد من الدينين السماويين السابقين، اللذين هما كذلك مستفيدين من الإرث الفكري للعصر القديم.

  وفي الجزيرة العربية أتيحَ للفئةِ الوسطى التحرك بحرية تاريخية نسبية ، لعدم وجود الحكم المركزي القوي، فغدت المثالية الفلسفية واقعية تحليلية – أسطورية – تصويرية – مغيرة للواقع المتخلف. فهذا الجمع المركب الهائل بين أشد فاعليات التغيير ورصد الحياة والاعتماد على الغيب لم يتجل مرةً أخرى.

  في حين واجهت المثالية في عصر الحضارة الإسلامية التالية إمكانيات فكرية وعلمية كبيرة، فتخلص أغلبُها من الشكل الأسطوري التصويري، ودخل في الشكل الأسطوري المفاهيمي، متوجهاً إلى المقولاتِ والتركيبِ النظري الواسع واعتماد المنطق الأرسطي وطرح استقلال الطبيعة والمجتمع من التدخلات الغيبية المباشرة الحادة.

  لكنه اعتمد المثالية كذلك عبر جعل هذه المقولات تخلقُ العالمَ، وتشكلَ الوجودَ، مع اعترافها بموضوعيةِ هذا العالمِ ووجود قوانين لتطوره. لكن هذه القوانين تتمثل في الجانب الطبيعي بدرجة أساسية ، وإن كان هناك بحث مستفيض في البنى الاجتماعية.

  وهكذا فإن الوعي الديني والوعي الفلسفي تماثلا في إعطاء القوى الماروائية إمكانيات تحويل الحياة ، مرة ً عبر الرسول، ومرة عبر الفيلسوف، ومرة باعتماد الجمهور الشعبي للتحويل وعبر الدخول الجريء في الحياة ، ومرة عبر العلوم والانسحاب إلى الزهد كفاعليةٍ سلبية هادمة للبذخ، فهنا حدث تغير في طبيعة الفئة الوسطى القائدة ، فالأولى كانت غير تابعة للقصور، والثانية كانت تابعة.

  والأولى إذ غيرت العالم فإنها أسست مدنيةً مسيطراً عليها ثقافياً من قبل مستوى بسيط سابق، في حين أن الثانيةَ كانت أكثر تقدماً ثقافياً لكنها عاجزة سياسياً وتاريخياً!

  وهذه التحولات المتضادة أُزيلت بإيجابياتها في المرحلتين، المرحلة الإسلامية التأسيسية، وفي المرحلة الحضارية المدنية، في عصر الانحطاط فلم يبقْ من الثورة التأسيسية والارتباط بين التقدم والجمهور الشعبي، ووجود برنامج نهضوي مطبق على الأرض، ولا كذلك ضخامة الإنتاج الفكري والفلسفي والتداخل مع إنجازات العصور السابقة واستيعابه ثروة الأمم!

  وجاء العصرُ الحديثُ متردداً متناقضاً، غير قادر على فهم العصرين السابقين وعصره هو.

  أطروحةٌ، فنفيٌ، فنفي النفي، أي عصور ثلاثة متضادة، راحت تتشكلُ على مدى الألفين سنة من عمر العرب والمسلمين، كلُ عصرٍ يقومُ بنفي العصر السابق، ليس بشكل كلي، ولكن بشكل أساسي، والعصرُ الحديث لم يفهم إنه تركيبٌ، وإنه جمعٌ بين العصرين السابقين ونفي لهما معاً.

  إذا أخذنا سلسلةَ التطورات التي حدثت خلال القرنين الأخيرين، فسنجدُ ثلاثةَ فتراتٍ كبرى: الأولى تمثلتْ في استيعابِ المنجزات الغربية، الثانية: في تشكيل تجارب لرأسمالية دولة شمولية، توهمت إمكانية تجاوز العصر الرأسمالي، الثالثة عودة متدهورة للفترة الليبرالية الأولى مع عودة كذلك للإقطاع السياسي والديني الشموليين، وبالتالي فإن هذه الفترات في العصر الحديث العربي شكلت هي الأخرى أطروحة فنفي فنفي للنفي، أي أننا نعيش في الزمن الراهن أكثف فترات التجاوز .

  كان النهضويون الأوائل في القرنين 19 و 20 يتصورون إن التماثل مع الغرب هو كفيلٌ بخلقِ النهضة، وحين تزعزعَ هذا الوهمُ راح الدينيون يتصورون وهماً آخر هو استرجاع الفترة الأولى من العصر الإسلامي.

  أي أن دراسةَ العصرين العربيين السابقين ورؤية تضادهما والخروج بتركيب منهما، وفي ظل ثقافة الحداثة المسيطرة، كان يمكن أن يكشف للعقول قوانين التطور الاجتماعي، وبالتالي أن يؤدي إلى التحكم فيها.

  إن عصرنا العربي الإسلامي التحديثي الراهن هو عصر التركيب، للعصرين العربيين السابقين، تداخل معهما ونفي لهما معاً. إنه عصر نفي النفي. وهو لهذا عصر التمثل العميق للحداثة العربية على مر الزمن والصعود بها إلى لحظة نوعية جديدة مقاربة للمستويات العالمية.

  فأخذ إنجازات الثورة المحمدية، والجوانب الإيجابية من نضال الفئات الوسطى التحديثية في العصر النهضوي الأموي – العباسي السابق، وتشكيل نضال نهضوي للفئات الوسطى المتحالفة مع العاملين بشروط الحداثة المعاصرة.

  وهكذا فإن إنجازاتِ التحالف الشعبي الديمقراطي الإسلامي النهضوي الجريء في اقتحامهِ العالم، يُضاف إلى تراكميةِ الثقافة الفكرية الموسوعية والانفتاح وعقلنة الفقه وعصرنته، وقد تم كل ذلك بوعي ديني مثالي مسيطر على أجهزة الحكم، تعبيراً عن القوى العليا مرة في تحالفها مع العاملين ومرة في انقطاعها عن التحالف مع العالمين.

 وبهذا فإن طيفاً اجتماعياً واسعاً لا بد أن يتشكلَ ليعيدَ إنتاج الحضارة العربية المستقلة الحديثة ، وهذا التحالف الذي في جوهره تحالف الفئات الوسطى والعاملين ، له مضمون اجتماعي هو إعادة تغيير طابع الدولة ، في ملكيتها الاقتصادية الشاملة، وفي مذهبيتها السائدة المتحكمة، وفي تحرير كافة هذه الجموع من الدولة الإقطاعية – المذهبية، وفي خلق طبقات وسطى وطبقات عاملة حرة، تتداول السلطة حسب برامجها المقبولة للجمهور .

  وعمليةُ إجراءِ الإصلاحات في جسم الدولة – المجتمع الاقتصادي والديني والاجتماعي والسياسي، يعتمدُ على سلسلة من الإصلاحات في ظاهرات الوعي المختلفة .

  إن جسمَ الدولةِ – المجتمع الذي يعيش النظام الإقطاعي المذهبي ، يعيش المفردات الدينية الشمولية، كخلفيةٍ متحكمة فيه عبر القرون.

  وإذا كانت صورُ الإلهِ الواحد هي التي تهيمنُ على الكون فإن الحاكم الواحد هو الذي يهيمن على السلطة – المجتمع. إي أن هذه (الصور) تعبيرٌ عن مذهبيات شمولية تفكيكية للجسد الإسلامي، وتقارب هذه الصور، أو ظهور صورة مختلفة مميزة عن العصور القديمة، سيكون تعبيراً عن الإصلاحات العميقة الجارية في البــُنى ، وللتقارب العربي والإسلامي والعالمي .

  وقد قامت الفلسفاتُ في العصر الوسيط الإسلامي بخلقِ وسائطَ غيبيةٍ متعددةٍ في المشرق الإسلامي، ثم في المغربِ الذي أخذ يتخلصُ من هذه الوسائط بحكمِ توجههِ السني العقلي، بحيث غدت فلسفةُ ابن باجة – ابن رشد تشقُ الطريقَ نحو مثاليةٍ موضوعية صافية من الغيبيات المشرقية الواسعة.

  لقد استغرقت العمليةُ بين التكوين الديني الصوري القصصي الميثولوجي الحكمي، وبين تكون الفلسفة المثالية بمعمارها التعددي المفاهيمي عدة قرون، ثم إلى أن تكونَ مثاليةً موضوعية جنينية في الأندلس على بضعة قرون أخرى. وهذه المثالية الموضوعية الجنينية ترحلت إلى أوربا لتبدأ رحلةً جديدة في بُنى اجتماعية مختلفة وتكونُ فتيلَ النهضة الفكري فيها.

  وحين وصلت الفلسفةُ من أوربا للعرب والمسلمين محملةً بكل هذا الزخم التحولي المتضافر الداخلي، فإنها لم تـُفهم من قبل الجيل الأدبي، جيل التنوير الأول، فقد كان تاريخُ أوربا الوسيط والنهضوي والمعاصر معروضاً أمامه، بشكلٍ غامض، بحيثيات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية ، فكانت الوقائع الاجتماعية المباشرة كمظاهر التقدم في مختلف جوانب الحياة هي الطافحة على سطح الوعي النخبوي، وهذا ما كان يمثل له صدمةً على صعيد أنه كان عبر موروثه يعتبرُ نفسَه محور العالم والبقعة الأكثر حضارة فيها، ودينه يمثل أرقى تكون ٍ فكري.

  ومن هنا كان هذا الوعي ينقلُ وقائعَ الحياة والثقافة بعناصرها المشتتةِ متقبلاً المظاهرَ الحديثة الأكثر  وظيفية ونفعيةً والتي تغدو عبر التجارة مستخدمةً في حياته، محتفظاً ببنائه التقليدي المحافظ، حيث يعبرُ هذا الاحتفاظ عن جانبي الاستخدام الوظيفي وبقاء أسس النظام التقليدي التي تسيطرُ عليه القوى الاجتماعية العليا، ومهما كانت التغيرات السياسية التبدلية في هذه القمة فإنها لم تغير هذا البناء، إن لم تحافظ عليه بقوةٍ أشد.

  من هنا كان الوعيُ التنويريُ أدبياً ثقافياً تقنياً عاماً، لا يستطيع أن يطرحَ المنظورَ الفلسفي الواسع الشامل النقدي، وأن يشكلَ نظراتٍ عامةً إلى الوجود ، حيث أن وجودَهُ الاجتماعي هو ذاتهُ مقلق وغير مفهوم له.

  فكان عليهِ أن يعي أساسياتِ وجودهِ (الوطني) أولاً، أي أن يقومَ بخلقِ لحمةٍ في بنائه السياسي التابع والمتخلف، وهو أمرٌ يجعل البنى العربية والإسلامية المفتتة تقومُ ولهذا فإن الاحتكاكَ بأوربا كان يتيحُ استخدامَ بعضِ الأسسِ السياسية الاجتماعية الأوربية في العمل لتشكيل هذه البُنى، وكلُ بنيةٍ عربية وإسلامية لها ظروفها وسيرورتها الخاصة، والمتداخلة مع السيرورات الأخرى كذلك.

  إذن كان الوعي وهو يشكلُ البنيةَ العربية التقليديةَ – الحديثة، يمرُ بمرحلةِ التأثر الأوربي – والعودة إلى الماضي، عبرَ استخدامِ مفهومِ النهضة، وهو الذي كان يتيحُ استعارةَ الأشكال الأوربية وتركيبها فوق الجسد القديم، مع الزعم بأنه يتحدث ، فهو يغرفُ من الماضي (المجيد)، وكذلك يستفيد من الخبرة الأوربية، التي كانت (وليدة التأثير العربي) .

  ولكن لم يكن يدرسُ هذا التداخلَ العربي – الغربي في سيرورته التاريخية المعقدة والمتوارية، أي أن يدرسَ رحلةَ المثالية الموضوعية وتبدلاتها العميقة في أوربا، من الرشدية الُملاحقة إلى الديكارتية المنفصلة كثيراً عن تقاليد الفلسفة الدينية للعصر الوسيط.

  إن ثمة عدةَ قرونٍ أخرى بين الرشديةِ الُملاحقة وبين الديكارتية الأوربية، وهذه السيرورة لن تــُدرس عبر هذا الوعي الأدبي – الفني العربي وهو يقابلُ أمثالَهُ في الإنتاجين الأوربي والعربي القديم، لكن هذا الدرسَ المتعددَ الأشكالِ سوف يضعُ مادةً ثقافية كبيرة للمرحلة التالية وهي مرحلة الوعي الفلسفي.

  وهناك عناصرٌ فلسفيةٌ مشتتة في داخلِ هذه المرحلة، فكان التأكيدُ على الخلق الإلهي للعالم ، يتداخلُ مع الإيمانِ بالضروراتِ الموضوعية للوجود ، وهو أمرٌ يشيرُ إلى هذه الثنائيةِ بين الجذورِ المتواصلة الحضور، أي بين النظامِ المحافظ بصورةِ الألوهيةِ المطلقةِ التي صنعها خلال سيطرته الطويلة، وبحكامه المطلقين، وببنائه الاجتماعي الذكوري – الأرستقراطي – وثقافته السحرية – الدينية، وبين ضروراتِ التحديث التقنية.

  فكان التقنيون فوق الجسدِ المحافظِ يستوردون المنجزاتِ البنائيةَ والتقنية والأدبية والديكورية الخ.

  إن فكرةَ الخلقِ الإلهي والسببية المحدودة، تتماثل وعملية التداخل العربي – الغربي في مرحلةِ الاستعمار والتجارة وإنتاجِ المواد الخام، فهما تتيحان الحفاظَ على النظام التقليدي بأسسهِ الدينية، التي يتم تصورها بأنها(جوهر الأمة)، وأيضاً بتطويرِ بعضِ الجوانب في الحياة الأكثر إلحاحاً كتغيير الحرف و نمط المدن والإدارة ونظم التعليم الخ.

  إن الحوارَ بين فرح انطون ومحمد عبده يمثلُ هنا ذروة الصراع الفكري، والمثقفان المعبران خلال هذا الصراع يكشفان لنا حول ابن رشد، كيفية عدم حسم الوعي العربي استيعابِ لحظةِ ابن رشد وتجاوزها تاريخياً، بمعنى ضرورة قراءتها في تطورها التاريخي العربي – الأوربي، فقد غدت لحظةُ ابن رشد وفلسفته متجّاوزةً تاريخياً في الإنتاج الغربي عموماً، وحتى في الفلسفات المثالية الموضوعية، ودع عنك الفلسفة الهيجلية والماركسية.

  أي أن فلسفةَ ابن رشد وصلت إلى فكرة تحييد صورة الإله المهيمنة على الوجود والمتدخلة، والتي تعكسُ المجتمع العربي الرعوي – الزراعي البسيط، عبر هذا التداخل الذي أقامه ابنُ رشد بين الأرسطية ومنجزات الحداثة الإسلامية.

  لكن هذه الفلسفة الرشدية لم تدخل في القوانين الموضوعية المتجسدة في تكون الطبيعة والمجتمع، أي بفهم الحركة، وأن تلعب دوراً في تطوير الحرف والصناعة والمدن.

  وهذا ما جرى أوربياً، فكان أمامَ الفلسفةِ المثالية الموضوعية الإسلامية مادةً ثقافية غنية.

  ولكن في لحظة الصراع حول فلسفة ابن رشد عادت القضايا القديمة للفلسفة العربية، دون استيعاب لمفرداتها ومراحلها ومضامينها، إذ تمظهرَ الحوارُ حول الخلق الإلهي ومداه، وتردد فرحُ أنطون بين مثالية موضوعية وعودة لهيمنة النجوم والكواكب.

  يعبرُ هذا الحوارُ عن البحثِ في السببياتِ وبمدى قدرةِ العقل على تحدي اللاعقل، وتثبت كذلك تردد العقل بشكله الديني والليبرالي عن معركة العقل الحاسمة وعدم استيعابه للعلوم المختلفة فهو نتاجٌ لتراكمٍ نهضوي بسيط .

  إن المثاليةَ الموضوعية هنا عبر تجسيدها عند الإمام محمد عبده لم تتجرد كلياً، أي لم تصبح ذات مفاهيم مجردة واسعة وكلية، بحيث تدخلُ في تحليل الوجود تحليلاً مفاهيمياً مجرداً فتجعل القانون الكلي الشامل بلا استثناء، وتدخل بالتالي في كشف قوانين الطبيعة والمجتمع العربي الإسلامي الإنساني.

  لكن هذه العمليةَ كانت أكبر من قدرات الإمام الذي أخذ يوقف ثوريته الدينية ويلتحق بالنظام الإقطاعي المذهبي ، وعبر رؤيةٍ إصلاحية جزئية.

  إن ما حدسهُ السيدُ جمال الدين الأفغاني بضرورة إيجاد ثورة بروتستانتية في الإسلام هو أمر ظل في مجال الحدس، وهو يعبرُ هنا عن ضرورة تشكيل ثورة ديمقراطية في الإسلام ، عبرت عن قصورها تلك الاجتهاداتُ الفقهيةُ الجزئية، وعدم تشكيل مثالية موضوعية تامة التكوين ، وهو أمرٌ يتطلب الغوص في التاريخ والقرآن والبنى الاجتماعية.

  أي أن (البروتستانتية)الإسلامية هنا هي استكمال للوعي الاجتهادي السني التحديثي باتجاه المفارقة عن الإقطاع المذهبي في الجسم الديني الأساسي للمسلمين .

  إذن فإن ذاك القصور نجده في العلمانيين والليبراليين الذين وسعوا عمليات التحليل الاجتماعي والسياسي للبنى العربية التقليدية واعتمدوا على الاستيراد التقني .

   لقد توصل فرح أنطون إلى مثالية موضوعية تامة عن قانونية الوجود بدون القبول بخرق لهذه القوانين ، وكان هذا يتطلب الغوص في تجسيد هذه المثالية الموضوعية على النصوص الدينية والمجتمع ، ولكن هذه العملية لم تبدأ ، لأنه انشغل بقضايا الحياة الاجتماعية والسياسية بدون ربطها بمقولات الفلسفة .

  إن عمليات التغيير العربية تتجه إلى جوانب أكثر عمقاً بطبيعة تطور الحياة ، وسواء بسببِ من اهتراءِ القديم ، أم من هجوم الجديد، وهذا يمكن ملاحظته في تعمق الأشكال الأدبية كالقصة والرواية والمسرح، وتوجهها نحو عمليات تحليل الواقع بصورٍ متزايدة، وكذلك عمليات اتساع العلوم ونمو تخصصاتها ، والتبدل المستمر بين حجم الزراعة وحجم الصناعة، واستعادة المدن العربيةِ دورها النهضوي ، وبدء إلحاق الريف والبادية بتحولاتها.

  ومن هنا فالسببيةُ سوف تتزايدُ عملياتها في الوعي ، وتصبح الظواهرُ المشتتة في الوعي التنويري الأولي أكثرَ ترابطاً ، فلم تعدْ العمليةُ هي استلالُ عنصرٍ وحيد من التراث ، أو من الغرب ، بل أخذت عمليات النظرة التركيبية بين الثقافة والوجود الاجتماعي والتاريخي ، تتشكلُ في العقل النهضوي الجديد ، وأصبح العالمُ العربي الإسلامي بتطوراته الكبرى مرئياً في هذا العقل ، ولكن في ظاهراته الفكرية الروحية المستقلة عن البنى الاجتماعية التي يتشكلُ فيها .

  يمكن هنا أن تتشكل لمحاتٌ من العرض الاجتماعي ، لكن الوعي يظل مستقلاً ، وبه سببياته الداخلية المترابطة الأعمق ، والمنفصلة عن البنى الاجتماعية .

  ومن هنا تبدأ المثالية الموضوعية في الظهور والتشكل ، واقفةً فوق قاعدتها الدينية للمنطقة ، القاعدة الإسلامية – المسيحية ، فيستمر العالمُ مخلوقاً من قبل الصور الإلهية التي يصنعها الوعي الديني – الفلسفي الحديث ، بتنوعات مغايرة عن الصور القديمة ، أي أن المثاليةَ الموضوعيةَ الرشديةَ هنا تعودُ ولكن بغنى ثقافي أتاحته القراءاتُ المعاصرةُ الواسعة ، فلم تعد النجومُ والكواكبُ روحيةً مهيمنة على الوجود الأرضي إلا في بعض أنماط الوعي الشعبي السحرية ، وغدا الاحتكاك بالأعمال الفلسفية الأوربية مغذياً للاختزال في زمنية البحث والتشكيل الفكري .

  لكن الاستيرادَ من جهةٍ أخرى يؤدي أحياناً إلى القفز إلى مستويات جديدة واختزالية ، للمدارس ، وخاصة في النزعات الحديثة كالوضعية المنطقية ، والمادية الجدلية ، نظراً لبطء المثالية الموضوعية في التشكل وتوقفها أحياناً لأسباب خاصة ، مما يؤدي إلى عودة المثالية الذاتية بشكل فلسفي وصوفي .

 إن تشكلَ المثاليةِ الموضوعية سيظهرُ لدى بعض الدارسين والمتخصصين في الجامعات أو الحوزات الدينية كما رأينا في النموذجين المدروسين وهما يوسف كرم ومحمد باقر الصدر ، وقد لاحظنا أن نصوصهما الفلسفيةَ تتشكلُ في حالةِ مواجهةٍ مع الفلسفاتِ التجريبية الذاتية أو مع المادية الجدلية .

  فهما يرفضان التصورية أو المثالية الذاتية حين ترفضُ هذه المثاليةُ الاعترافَ بأساسياتِ الوجودِ العامةِ فتقومُ بحصرِ مركز الوعي في الذاتِ المفصولة عن الوجود الموضوعي ، ويقوم المفكران المسيحي والمسلم كلٌ من جهته ، بربطِ الوعي بالوجود والاعتراف بموضوعية المعرفة ، وهذا يفتحُ البابَ لقراءة المجتمع ونقده  والمطالبة بإصلاحه بهذا الشكل أو ذاك .

  وإذا كان يوسف كرم لا يدخل في عملية التحليل والنقد الاجتماعية ، أي لا يربط بين هذه المثالية الموضوعية وقوانين الوجود الطبيعية والاجتماعية ، فإن محمد باقر الصدر يتوسع في هذه العملية ويبحث عن سببياتِ الوجودِ الطبيعية والاجتماعية ، دون تحديد مدى قانونية المثالية الموضوعية هذه .

  فهو هنا يواجهُ فلسفةَ المادية الجدلية في مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين حيث تتقابلُ على أرض العراق هذه المعسكرات المتضادة بشكلٍ حاد ، وتقودهُ عمليةُ ( تفنيدِ ) المادية الجدلية إلى الاعتراف بموضوعية الوجود وسببياته ، لكن قانونية الوجود الاجتماعي تصيرُ مرفوضةً لديه ، فالبُنى الاجتماعية بقوانينها الموضوعية تتحولُ إلى سببيات جزئية مثالية ، أي أن تغيرات المجتمع تعود لديه إلى أسبابٍ تربوية وفكرية ذات أساسٍ غيبي في نهاية المطاف . وبهذا فإن قانونية الوجود راحت تتكسر ، وأخذتْ المثاليةُ الموضوعيةُ عموماً تتوقف أو تتراجع إلى أشكال فلسفية مثالية ذاتية أو تعود للتصوف ، وهو شكلٌ مثالي ذاتي كذلك . فظهور واتساع البرجماتية والتجريبية المنطقية والوجودية ، خلافاً للبواكير المشجعة لنهوض المثالية الموضوعية ، تعود لعدم قدرة المثاليات الموضوعية في التطور ، فالشكل الديني المحافظ حبسها عن النمو ، فيوسف كرم عبر مسيحيته ومحمد باقر عبر أثنا عشريته ، كانا يجعلان المثالية الموضوعية تابعةً للوعي الديني المهيمن ، وإذا كان الاعترافُ بقانونيةِ الوجود الموضوعة تحت عدة أقواس ، مهماً في الوجود الطبيعي فإنه في الوجود الاجتماعي أكثر أهمية ولكن أكثر صعوبة وخطورة .

  ولكن هنا لا تظهر عملية نقدية جذرية للمجتمع عبر المثالية الموضوعية ، فهي سوف تعيدُ سببيات الحياة الاجتماعية إلى التربية والوعي ، وليس إلى بنية المجتمع الطبقية الحاسمة . رغم اتفاق مثالية محمد باقر الصدر مع المادية الجدلية على وجود قطاع عام هام في إسناد الطبقات الفقيرة وعلى دوره في عملية التنمية والقبول بالإصلاح الزراعي في حدود .

  وهكذا فإن المثالية الموضوعية بأساسها الديني سوف تقدم أساساً فكرياً للعلوم الطبيعية ، في المادة الصماء عادة ، ولكن في المادة الحية أي في الأجسام البشرية وفي تطور البيولوجيا فإنها سوف تعود إلى  أفكارها الدينية النصوصية دون القدرة على التأويل الهام في هذا الجانب .

  فنظرية التطور في البيولوجيا تغدو مرفوضةً باعتقاد أنها تناقض التصور الإلهي بنزول الإنسان كاملاً من السماء ، وهكذا فإن أساسيات التاريخ تبقى مشكوكاً فيها ، رغم أن محمد باقر الصدر لا ينفي تعاقب التشكيلات المشاعية والعبودية والإقطاع والرأسمالية لكنه يرى أن أسبابها تعود لوعي الأفراد والخصائص الروحية .

  إن عمليات التغيير العربية تتجه إلى جوانب أكثر عمقاً بطبيعة تطور الحياة، وسواء بسببِ من اهتراءِ القديم، أم من هجوم الجديد، وهذا يمكن ملاحظته في تعمق الأشكال الأدبية كالقصة والرواية والمسرح، وتوجهها نحو عمليات تحليل الواقع بصورٍ متزايدة، وكذلك عمليات اتساع العلوم ونمو تخصصاتها، والتبدل المستمر بين حجم الزراعة وحجم الصناعة، واستعادة المدن العربيةِ دورها النهضوي، وبدء إلحاق الريف والبادية بتحولاتها.

  ومن هنا فالسببيةُ سوف تتزايدُ عملياتها في الوعي، وتصبح الظواهرُ المشتتةُ في الوعي التنويري الأولي أكثرَ ترابطاً، فلم تعدْ العمليةُ هي استلالُ عنصرٍ وحيدٍ من التراث، أو من الغربِ، بل أخذت عمليات النظرة التركيبية بين الثقافة والوجود الاجتماعي والتاريخي، تتشكلُ في العقل النهضوي الجديد، وأصبح العالمُ العربي الإسلامي بتطوراتهِ الكبرى مرئياً في هذا العقل، ولكن في ظاهراته الفكرية الروحية المستقلة عن البنى الاجتماعية التي يتشكلُ فيها.

  يمكن هنا أن تتشكل لمحاتٌ من العرضِ الاجتماعي, لكن الوعي يظل مستقلاً, وبه سببياته الداخلية المترابطة الأعمق, والمنفصلة عن البُنى الاجتماعية.

  ومن هنا تبدأ أشكال الفلسفة المثاليةُ الموضوعيةُ في الظهورِ والتشكل, واقفةً فوق قاعدتها الدينية للمنطقة, القاعدة الإسلامية – المسيحية, فيستمر العالمُ مخلوقاً من قبل الصورِ الإلهية التي يصنعها الوعي الديني – الفلسفي الحديث, بتنويعاتٍ مغايرةٍ عن الصورِ القديمة, أي أن المثاليةَ الموضوعيةَ الرشديةَ هنا تعودُ ولكن بغنى ثقافي أتاحته القراءاتُ المعاصرةُ الواسعة, فلم تعد النجومُ والكواكبُ روحيةً مهيمنة على الوجود الأرضي إلا في بعضِ أنماطِ الوعي الشعبي السحرية, وغدا الاحتكاكُ بالأعمالِ الفلسفية الأوروبية مغذياً للاختزال في زمنيةِ البحثِ والتشكيل الفكري.

  لكن الاستيرادَ من جهةٍ أخرى يؤدي أحياناً إلى القفز إلى مستوياتٍ جديدة واختزالية, للمدارس, وخاصةً في النزعات الحديثة كالوضعية المنطقية, والمادية الجدلية, نظراً لبطءِ المثالية الموضوعية في التشكلِ وتوقفها أحياناً لأسبابٍ خاصة, مما يؤدي إلى عودة المثالية الذاتية بشكلٍ فلسفي وصوفي.

  إن تشكلَ المثاليةِ الموضوعية سيظهرُ لدى بعض الدارسين والمتخصصين في الجامعات أو الحوزات الدينية كما في النموذجين وهما يوسف كرم ومحمد باقر الصدر, وقد اتسمت نصوصهما الفلسفية بحالةِ مواجهةٍ مع الفلسفاتِ التجريبية الذاتية أو مع المادية الجدلية.

  فهما يرفضان التصورية أو المثالية الذاتية حين ترفضُ هذه المثاليةُ الاعترافَ بأساسياتِ الوجودِ العامةِ فتقومُ بحصرِ مركز الوعي في الذاتِ المفصولة عن الوجود الموضوعي, ويقوم المفكران المسيحي والمسلم, كلٌ من جهته, بربطِ الوعي بالوجود والاعتراف بموضوعية المعرفة, وهذا يفتحُ البابَ لقراءة المجتمع ونقده والمطالبة بإصلاحهِ بهذا الشكل أو ذاك.

  وإذا كان يوسف كرم لا يدخل في عملية التحليل والنقد الاجتماعية, أي لا يربط بين هذه المثالية الموضوعية وقوانين الوجود الطبيعية والاجتماعية, فإن محمد باقر الصدر يتوسع في هذه العملية ويبحث عن سببياتِ الوجودِ الطبيعية والاجتماعية, دون تحديد مدى قانونية المثالية الموضوعية هذه.

  علينا أن نرى في ظهور المثالية الموضوعية لدى يوسف كرم المسيحي, ومحمد باقر الصدر (الأثناء عشري), ليس فقط تجلياً شخصياً للفلسفة الدينية, المشرقية القديمة وهي تستعيدُ نشاطها في المشرق العربي – الإسلامي – المسيحي مرة أخرى, بل هي تجلٍ عام كذلك, لكنها الآن فقدت الوسائط النجومية الكوكبية التي كانت ترافق فكرة الإله أو صورته في عملية صنع الوجود.

  ولهذا فإن عملية الفقه النقدي لدى محمد باقر الصدر مهمة في تدشين حفر تحليلي للواقع يترابط والمنظومة المثالية, لكن من موقعِ الخصام العنيف مع المادية الجدلية والاشتراكية والرأسمالية, وهو أمر قاد إلى عدم تطوير لحظته الفلسفية المهمة فيما بعد اغتياله.

  فهو هنا يواجهُ فلسفةَ المادية الجدلية في مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين حيث تتقابلُ على أرض العراق هذه المعسكرات المتضادة بشكلٍ حاد, وتقودهُ عمليةُ (تفنيدِ) المادية الجدلية إلى الاعتراف بموضوعية الوجود وسببياته, لكن قانونية الوجود الاجتماعي تصيرُ مرفوضةً لديه, فالبُنى الاجتماعية بقوانينها الموضوعية تتحولُ إلى سببيات جزئية مثالية, أي أن تغيرات المجتمع تعود لديه إلى أسبابٍ تربوية وفكرية ذات أساسٍ غيبي في نهاية المطاف.

  وبهذا فإن قانونية الوجود راحت تتكسر، وأخذتْ المثاليةُ الموضوعيةُ عموماً تتوقف أو تتراجع إلى أشكال فلسفية مثالية ذاتية أو تعود للتصوف, وهو شكلٌ مثالي ذاتي كذلك. لكن نمو المثالية الموضوعية من منطلق ديني, لن يتوقف فسنجد اتساعاً فيها عبر المذاهب السنية هذه المرة, وبشكلٍ موسوعي, خاصة في أعمال محمد الجابري وحسن حنفي.

  لكن بعد أعمال يوسف كرم نجد ظهور واتساع البرجماتية والتجريبية المنطقية والوجودية, خلافاً للبواكير المشجعة لنهوض المثالية الموضوعية, ويعود ذلك لعدم قدرة المثاليات الموضوعية على التطور, فالشكل الديني المحافظ سياسياً حبسها عن النمو, فيوسف كرم عبر مسيحيته ومحمد باقر عبر (أثنا عشريته), كانا يجعلان المثالية الموضوعية تابعةً للوعي الديني المهيمن والشمولي, وإذا كان الاعترافُ بقانونيةِ الوجود الموضوعة تحت عدة أقواس, مهماً في الوجود الطبيعي فإنه في الوجود الاجتماعي أكثر أهمية ولكن أكثر صعوبة وخطورة.

  ولكن هنا لا تظهر عمليةٌ نقديةٌ جذرية للمجتمع عبر المثالية الموضوعية, فهي سوف تعيدُ سببيات الحياة الاجتماعية إلى التربية والوعي, وليس إلى بنية المجتمع الطبقية الحاسمة. رغم اتفاق مثالية محمد باقر الصدر مع المادية الجدلية على أهمية وجود قطاع عام في إسناد الطبقات الفقيرة وعلى دوره في عملية التنمية والقبول بالإصلاح الزراعي في حدود.

  وهكذا فإن المثاليةَ الموضوعيةَ بأساسها الديني سوف تقدمُ أساساً فكرياً للعلوم الطبيعية, في المادة الصماء عادةً, ولكن في المادة الحية أي في الأجسام البشرية وفي تطور البيولوجيا فإنها سوف تعود إلى أفكارها الدينية النصوصية دون القدرة على التأويل الهام في هذا الجانب.

  فنظريةُ التطور في البيولوجيا تغدو مرفوضةً باعتقاد أنها تناقض التصور الإلهي بنزول الإنسان كاملاً من السماء, وهكذا فإن أساسيات التاريخ تبقى مشكوكاً فيها, رغم أن محمد باقر الصدر لا ينفي تعاقب التشكيلات المشاعية والعبودية والإقطاع والرأسمالية لكنه يرى أن أسبابها تعود لوعي الأفراد والخصائص الروحية.

  لكن المثالية الموضوعية كما قلنا ستأخذ دفعةً قويةً عبر أعمال الجابري وحسن حنفي, وعبر الجذور المذهبية السنية, التي كانت ذروة التطور الفلسفي المحافظ للمسلمين في العصر السابق, وهي هنا تربط نفسها بالمناهج الظاهراتية والبنيوية, مؤكدةً على الصنع الإلهي للعالم, وهو بدايةُ الاعتراف بإسلامية المجتمع, لكن هذا الصنع يتوقف عند أبواب الطبيعة والمجتمع والوعي, حيث تظهرُ بعدَ الأبواب القوانينُ الموضوعية لهذه الظاهرات.

  لكن لدى الجابري وحنفي يحدثُ تعثرٌ في العثور على هذه القوانين وخاصة في مجالي المجتمع والوعي, فالمناهج الظاهراتية والبنيوية تفكك الظاهرات الفكرية عن قواعدها الاقتصادية – الاجتماعية, ثم تقطعها وتفتتها, وتستلُ خيوطاً مجردة منها, فتصل إلى استنتاجات فكرية وسياسية كبيرة خاطئة.

  لدى حسن حنفي كانت المدارس الفكرية والفلسفات بلا جذور طبقية, لكي يصل في خاتمة المطاف إلى ضرورة بقاء النظام السياسي – الديني القديم مع ملئه بمادة معاصرة. لكن الأمر يعود الآن إلى تغيير هذا النظام نفسه. أي أنه يرى بقاء النظام الإقطاعي المذهبي المستمر خلال ألف عام, وليس في تشكيل نظام ديمقراطي علماني لا ديني.

  لقد وجدنا كيف تعثرت المثاليةُ الموضوعيةُ وتوقفت عند يوسف كرم ومحمد باقر الصدر، ثم كيف توسعت لكن بقيت الأسئلة الكبرى لم تـُحل، ففهمُ السببيةِ يتمُ من الخارج هنا، وعلى الرغم من أن الصدر يتفوقُ على يوسف كرم بالوصول إلى السببيات الداخلية فإنه يؤكد أن التناقض الداخلي في الظاهرة ليس هو الخالق لحركتها، بل السبب يعودُ إلى حركة خارجية وهو ما يقربه في خاتمة المطاف من كرم ولكنه يقرُ بوجود حركة جوهرية داخلية كما قال صدرُ الدين الشيرازي.

  ولهذا فهو يرفضُ قوانينَ الجدل، قوانين التناقض والتحول من كم إلى كيف ونفي النفي، معتمداً كذلك على السببيةِ، وهكذا فإن مرحلةَ القانون لا تتشكل هنا، وهي مرحلةٌ تقودُ إلى عمليات أبعد تحليلاً للبُنى الاجتماعية وسيرورتها وارتباطها بالعملية التاريخية العالمية.

  وهي عمليةٌ تجوهرُ التاريخَ والوجود الاجتماعيين كالقول بوجود أمة إسلامية (خالدة)، أي خارج القانون، وهو أمرٌ يتشابه مع طفولية المادية الجدلية في مناخها العربي حيث تطابقُ الأمةَ العربية مع أممٍ أخرى فتستوردُ قوالبها.

  إن هذا الصعودَ المتعثر للمثالية الموضوعية من الأفغاني ومحمد عبده، حتى يوسف كرم ومحمد باقر الصدر وحسن حنفي، راوح بين الاعترافِ بالقانونية الموضوعية للوجود وبين خرق هذه الموضوعية في استثناءات معينة، ولم يستطع أن يقترب من سببيةٍ كبرى تجاه البنى الاجتماعية، وهذا يشيرُ إلى أن القوى العقلية في الفئات الوسطى راحت تميلُ خلال هذه العقود التي تجلى في هذا الميل، في مختلف الدول الإسلامية التي عبر نتاج هؤلاء المفكرين والفلاسفة عن حركتها غير المبلورة فكرياً، لم تقدر أن تخوض معارك اجتماعية وسياسية لعقلنةِ الوجودِ الاجتماعي. إن عقلنة الطبيعة الصماء هو أمرٌ ذو جذور قديمة، وكذلك فإن تدفقَ المعارف العلمية الغربية وضروراتها للحياة العربية لا يترك مجالاً هنا للتردد تجاه علوم الطبيعة.

  وإذا افترضنا أن الفئات الوسطى خاضت معارك على الصعيد السياسي للتحرر الوطني، فإن معاركها على صعيد تغيير المجتمع التقليدي لم تكن واسعة، ولهذا فإن وجودَ فلسفاتٍ نظرية طبيعية وتحويلية اجتماعية مترابطة ووثيقة لم تكن ملحة.

  إن النظرات هنا جزئية، فقد يكون ثمة تغلغل تراثي كبير، لكن لم يُفهم هذا التراث على أساس التغيرات الراهنة وبضرورةِ إعادة تشكيل الوطن – الأمة بشكلٍ حديث وجذري.

   إن الربطَ بين القسم المثالي الموضوعي الطبيعي والقسم المثالي الموضوعي الاجتماعي يحتاج إلى أدواتٍ تحليليةٍ للتاريخ والمجتمع، وقد كانت كلُ أدوات الماضي قاصرةً عن الوصول إلى هذا المستوى، كما أن عمليات الاستيراد من ثقافة الغرب التاريخية والاجتماعية كانت تتجمدُ عند استعارة الأدوات كما لدى إسماعيل مظهر أو سلامة موسى، وحتى التحديثيين الليبراليين والدينيين الأواخر، فهم ينقلون بعض عمليات التحليل وبعض الأدوات لكن لا يقومون بتحليل شامل يصل إلى أساسيات البنى وهياكلها.

  في حين أن المناهج الظاهراتية والبنيوية تدرس المباني الخارجية للوعي والمدارس رافضةً وجود ارتباط موضوعي وقانوني بين الوعي وأساليب الإنتاج. فحسن حنفي مثلاً رغم ضخامة ثقافته لكنه لم يدرس أساليب الإنتاج ولم يعقد إلا صلات وامضة بين مستويات البنية الاجتماعية، ولم يتوصل إلى كون الثقافة الدينية التقليدية هي جزءٌ من بناء إنتاجي فاته أوانه.

  وهذا ليس له أسبابٌ ذاتيةٌ فحسب بل أسبابٌ موضوعية كذلك، في انقسام الفئات الوسطى بين التبعية للغرب والتبعية للحكام، أي للإقطاع السياسي الحاكم وللإقطاع الديني المهيمن على المستويات الاجتماعية للبنى.

  إن الهيكل التقليدي للدولة راح يستعيد سيطرته على المجتمع منذ زمن الاستعمار ولم تتمكن الفئات الوسطى من هدم هذا الهيكل التقليدي، بل زاد تطوراً وراح يوسع الفئات الوسطى المستفيدة منه، ومن هنا فليس نمو الجماعات الدينية شيئاً عابراً بل جزءً من تقوية يقوم بها النظامُ السياسي التقليدي لهذه الفئات من أجل تجذير مواقعه تجميد الديمقراطية والتطور، أي تغييب قانونية العلوم، وقانونية الدساتير التي تحدُ من سلطتها المطلقة. ولكن وهو يقويها تنفتحُ عملياتُ التطرف الأقصى، حيث يختفي القانون العلمي والاجتماعي والدستوري بشكل عاصف.

  وهذه العمليةُ تزدادُ قوةً مع صعود الدول الأقل تطوراً وهي الدول النفطية في الجزيرة العربية وإيران، فتضخُ مادةً دينية لا عقلية وأسطورية في الوعي العربي الذي يزداد تدهوراً. فترتبطُ هذه الفئات الوسطى بالأنظمة المستبدة وتراثها الديني الشمولي، فهنا معنى تبعية الفئات الوسطى للإقطاع، وطموح تياراتها الأشد تطرفاً في الوصول إلى سلطة مطلقة عنيفة *.

  في حين أن الفئات التجارية والاقتصادية المرتبطة بجهاز الدولة الذي يغذيها، والتي تقيمُ علاقات اقتصادية مع الغرب وتستفيد منه، ولها رؤى تحديثية، تشكل تبعية مغايرة، تبعية استيراد الأشكال والمنتجات الغربية، وطرح تحديث شكلاني في أغلبه، ينمو في هيمنة غربية لا قانونية سواء عبر تحليل البنى الاجتماعية أو في عدم وجود قانون دستوري محلي وعالمي، يقننُ توزيعَ الثروات، فتظهرُ فوضى وانتقائياتٌ ووعيُّ تقني مفصول عن علاقات الإنتاج، وتوجهٌ للرساميل العربية الفكرية والمالية إلى الخارج، وليس إلى الإنتاج الداخلي والصناعة لحفر البنى المتخلفة وإعادة تشكيلها تحديثياً وديمقراطياً قومياً تحررياً.

  وهكذا فإن المصالحَ المنغرسةَ في هذه الفئات لخارجها، للطبقة السائدة بأجنحتها الغربية – المحلية، تمنعها من رؤية الأفق البعيد ومصالحها كطبقةٍ لذاتها، ومن هنا فممثلوها الفكريون والسياسيون، يقومون باقتطاعِ جوانبَ من التراثِ أو من الغرب أو من كليهما معاً، من دون الوصول إلى تعميماتٍ نظرية تربطُ الطبيعة والمجتمع في كلٍ تحول.

  إن تقنينَ الطبيعةِ أمرٌ ليس ابتكاراً هنا فهو محسومٌ حتى في الفلسفة الدينية القديمة كما أنه عملٌ مطلوبٌ للعلوم الطبيعية ولبناء المنشآت المادية والحياة الاقتصادية بمختلف جوانبها، أي لتطوير قوى الإنتاج الشديدة التخلف، ولكن تقنين الحياة الاجتماعية يتطلبُ تغييرَ طبيعةِ الحكم التسلطية وإزالة الملكيات الكبيرة في الزراعة وتغيير طبيعة التحكم الذكوري الشديد لبناء أسر مختلفة، وتعليل مصادر الوعي والثقافة وتكوين نظرات للجمهور وإزالة الأمية الخ..

  وكل هذا التغيير الجذري للمجتمع لا تستطيع أن تقوم به فئاتٌ وسطى متذبذبة، تميلُ قممها للتعاون الوثيق مع الطبقة الحاكمة، أي أنها لا تتوجه لإجراء تغييرات عميقة في الخريطة الاجتماعية – السياسية.

  وهذا على المستوى الفكري النظري يلجمُ تطورَ المثالية الموضعية باتجاه بحث الحياة الاجتماعية، فتلوذ بالصمت أو تطرح بعض المطالب في التغيير الإصلاحي المتدرج.

  من هنا لم تتشكل الحاجاتُ الضرورية المحركة لتفعيل نظراتها في مجال ربط التقنين الطبيعي بالتقنين الاجتماعي، أي أنها لم تقم بتشكيل نظرة واسعة لكلا الحقلين بمعيار فكري نقدي تحليلي واحد.

  إن هذا التوقف نلاحظه في قلة المفكرين والفلاسفة في هذا الاتجاه، فيمكننا أن نضيفَ بعضَ الأسماءِ القليلة للأسماء السابقة التي درسناها في هذا الكتاب، لكن هذا لن يغيرَ اللوحةَ العامة.

  إن الاعترافَ بوجود قوانين موضوعية كاملة للطبيعة، يتطلب الاعتراف بوجود قوانين موضوعية للمادة، وهكذا فإن الفلاسفة الدينيين في هذه المرحلة لم يعترفوا بوجود قوانين الصراع الموضوعية داخل المادة وأنها تتطور من ذاتها.

  فإن الإيمان بوجود خالق مهيمن لا يتناقض مع الاعتراف بقانونية المادة الداخلية وكون الطبيعة تعملُ من تلقاء ذاتها، أي بقوانينها المستقلة، ولكن هنا لم تستطع الفلسفة الدينية أن تقومَ بالتركيب الفلسفي الضروري بين هذين الجانبين.

  وبهذا فإن ميدانَ التاريخ والمجتمع كان أكثر صعوبةً في التقنين، فهنا تتدخلُ العملياتُ المباشرة للإرادات البشرية، ويواجه الوعيُ مسائلَ التراثِ الديني المكتوب وتفاسيره المختلفة لطبيعة المجتمع والتاريخ والثقافة.

   ترافق مع نشوء المثالية البطيء المتعثر نمو المثالية الذاتية ببطءٍ وتعثر كذلك، فقد كانت أعمال التجريبية المنطقية وترجمة الفلسفة الوجودية والبرجماتية تتصاعد، كما رأينا في أعمال زكي نجيب محمود وعبدالرحمن بدوي وغيرهما، وكان لهذا النمو عدة أهداف وخاصة هدفه الرئيسي بعزلِ الدين عن ظاهرات الوعي الحديث وحفر مجرى تحديثي بدون الدخول في معركة معه بل تحييده، ولهذا ركزت التجريبية المنطقية على العلوم الطبيعية وتشكيل مجرى تبريري لها، وهي قد أخذت هذا المجرى منذ الفلسفة الإسلامية الوسيطة، فلم تدخل المعركة الحقيقية وهي معركة العلوم الاجتماعية.

  كان جعلُ الحقيقةِ تجريبيةً ذاتية، وعدمُ قراءة القانون العام في الظاهرات، عمليةً تحصرُ الفلسفةَ بنتائجِ المعامل غير الموجودة باتساع في المنطقة، وهذا ما جعل التجريبيةُ المنطقية لا تتغذى على هذا الفتات العلمي، فلم يكن هناك تلامس بين التجريبية العربية ونتائج هذه العلوم، ولا تحليلات غنية أو فقيرة لها، مما جعل زكي نجيب محمود يترك هذه اليافطات الغربية البراقة ويدخل في تحليل للتراث والوعي السائد بتلك التجريبية الانتقائية التي رفضت قراءة القوانين في البُنى الاجتماعية.

  اعتمد زكي نجيب محمود على تطبيق معيار الفائدة، فالظواهر والنتاجات المفيدة لـ(الأنا) الاجتماعية التي يعبرُ عنها هي التي تــُنقلُ من التراث، وهو كذاتٍ تحديثيةٍ يتوجهُ للظواهر المفيدة والمضيئة القديمة ويحاول بعثها، لكن هذا هو معيارٌ ذاتي، قد يعودُ لجماعةٍ تماثل المفكر هنا، ولكن ثمة جماعات كبرى سوف تستعيد ما هو مفيد لها، وقد تتعارض العمليتان، أو قد يقوم وعي زكي نجيب بتبرير الاستعادات غير المضيئة الأخرى.

فيشكل هذا معياراً ذاتياً لا يقوم بدرس التراث درساً علمياً، ويكشف مختلف تجلياته وتناقضاته بغض النظر عن الفائدة الذاتية.

  وهذا ما تفعلهُ الوجودية حين تتراءى لها ظاهرات التاريخ بوصفها أعمالاً فرديةً عبقرية، فكأن إضاءات التاريخ هي إنجازات (الأنا الفردية).

  وكل هذه الاقتطاعات من التاريخ والتراث تقودنا إلى إسقاطات ذاتية على الوجود الموضوعي، وليس إلى عملية تشريح علمية لتلك السيرورة التاريخية والفكرية المركبة والمعقدة.

وهنا سنجد أن الفئات الوسطى التي انبثق منها هؤلاء المفكرون تركز على أناها الذاتية، فمصالحها الشخصية – العامة هي في بؤرة نظرتها، وهي تقطعُ وشائجها بهذه الفئات نفسها التي تنبثق منها، فهي لا تقيمُ دائرة واسعة بشرية، ويتركز عملها على النشر، وهذا النشر الواسع والمهم لا يقود إلى انتشار مثل هذا الوعي.

إنه يقود إلى الاهتمام بالواقع والتراث وبعثِ نصوصٍ مهمة ونشر معلومات قيمة ولكن لا يحيل هذه النظرات الفردية إلى تيار مؤثر، لكنه ينشر فكرة النفعية ويبررها، وهو وعي يقوي الوعي التقليدي الذي ينظر للواقع والتراث من جانب تكريس هياكله المحافظة وتوظيف العناصر السلبية من التراث ولكن بذات النظرة النفعية وإن كانت الأهداف مختلفة كلياً.

  فكما رأينا عبدالرحمن بدوي وكيف راح يعثر عبر بحوث طويلة وشاقة على البذور المضيئة الفردية، وهي في معزل عن التشكيلتين الإقطاعية التي انبثقت داخلها، فلم تستطع فرديتها أن تفجر ثورة نهضوية كبرى داخلها، وفي معزل عن التشكيلة الرأسمالية التي استقى منها تلك الفرديةَ غير المرئية كنتاجٍ فاعل للجماعات، فأدى العزل للذات في هذين التاريخين إلى أن تنحصر الذاتية في زمنية انسحاق هذه الفردية المثقفة وتفكك روابطها في الغرب، في حين يعيشُ هو مرحلة مختلفة في تاريخ العرب المعاصر.

  إن غياب الرؤية العامة للتشكيلات والطبقات ومسارات التطور تجعل من هذه النظرات التجريبية الذاتية ومن النزعات الفردية الخلاقة تائهة وسط مخاضات التغيير والسيطرة، فنجد التجريبية المنطقية ذات مناخ غربي وأمريكي تحديداً، ثم تؤيد أي إصلاحات تحديثية من دون رؤية البنى الاجتماعية التي تتشكلُ فيها تلك الإصلاحات، أي قد تكون الإصلاحات المحدودة أداةً في قيام الإقطاع المذهبي بتجديد نفسه، وليس أن تقوم بمراكمة وعي نهضوي قطعي مع هذا البناء، بعد أن فقدت روابطها مع فئاتها الوسطى التي تنتمي إليها، ويفترض أن تتوجه لتراصها وتطوير فاعليتها الاجتماعية والسياسية النضالية كي ترى نفسها طبقة لذاتها، وليس فقط فئات تابعة للإقطاع السياسي والديني.

  وقد تترابط هاتان المدرستان مع نزعات أخرى كالقومية والوعي الديني، فتصبحان لهما مسحة عربية – إسلامية، فتغدو التجريبية المنطقية تقنية تكنوقراطية يوظفها مثقفون وعلماء في مجال تطوير العلوم وقوى الإنتاج، بغض النظر عن الدلالات التوظيفية والأبعاد الاجتماعية.

  وهو أمرٌ يحيل العلوم الطبيعة والاجتماعية إلى قوة تقنية خاضعة لاستخدام الطبقة المسيطرة على المصانع والمؤسسات العامة والجامعات خصوصاً، ويفتحُ الطريق كذلك لنشر المدارس التقنية الحديثة التابعة للقوة المسيطرة، سواء كانت في الغرب أم في البلدان العربية والإسلامية، كتدفق مستمر منذ البنيوية ومدارس الحداثة وما بعد الحداثة.

  وهذه الفئة المثقفة التقنية سوف تأخذ العلوم بدون جذور أو دلالات عامة، أو كظاهرات في بــُنى اجتماعية ذات قوانين، وهو أمر يشكل الفئة المثقفة التكنوقراطية الخاضعة لأي سياسة رسمية.

لقد وضعت التجريبية المنطقية الأساسَ الفلسفي لمثل هذه التيارات، وروجت للذاتية والنفعية، وقطعت المسار الغربي الفكري الديمقراطي التحويلي، أي تلك المدارس الباحثة عن قوانين الظاهرات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*( تظهرُ إحصاءات أنه في عام 1970، مثلت الزراعة 17 بالمائة من الناتج القومي العربي بالمقابل مع 39 بالمائة للصناعة (التحويلية والاستخراجية والكهرباء والغاز والمياه) و44 بالمائة للخدمات. وفي عام 1975 انخفض نصيب الزراعة إلى 9 بالمائة من الناتج القومي العربي، كما انخفض نصيب الخدمات إلى 30 بالمائة، وارتفع نصيب الصناعة بفروعها الثلاثة إلى 56 بالمائة، وارتفع ناتج النفط من 25 بالمائة عام 1970 إلى 52 بالمائة عام 1975)، (المجتمع العربي في القرن العشرين، مصدر سابق، ص 302).

عبدالله خليفة: صراعاتُ الوعي العربي تاريخياً