كانت الكلمات عاجزة عن البوح

   في ليلة تكريم الروائي والأديب عبدالله خليفة كانت الكلمات عاجزة عن البوح صادقة في شوقها لأديب كان له أثر الغمام في هطول المطر

   جمع كبير شهده مركز عبدالرحمن كانو الثقافي مساء الثلاثاء الماضي احتفاء بتكريم رائد الرواية العربية والكاتب العصامي عبد الله خليفة، في امسية تجلت فيها كل المشاعر الجياشة التي حملها المنتدون لخليفة الأديب والإنسان، عبر ليلة كرم فيها الراحل خليفة برعاية كبيرة من قبل «دار اخبار الخليج للنشر والتوزيع» وبتنظيم عملت عليه اسرة الأدباء والكتاب ومركز عبد الرحمن كانو الثقافي قبل رحيله، ولكن القدر وإرادة الله كان اقوى حيث ذهب الراحل قبل أن يشهد تكريمه.
كانت ليلة انصبت فيها كل المشاعر المحبة لخليفة عبر كلمات قيلت في حقه مستذكرة إنجازه الكبير الذي تجاوز الأربعين عاماً من العطاء الأدبي والفكري.
وعبر وقفة حداد من قبل الحاضرين بدأت الأمسية التي كان يديرها الفنان القدير عبد الله يوسف، الذي استذكر علاقته بخليفة منذ اصدر الراحل مجموعته القصصية الأولى «لحن الشتاء» قائلاً: أعود بالذاكرة الى تلك السنوات البعيدة التي كلفتني فيها «مكتبة دار الغد» لصاحبها الشاعر عبدالله خليفة بتصميم غلاف لمجموعة لحن الشتاء، ويومها رسمت الغلاف ولم اكن مقتنعاً به، لكن السنوات رجعت بي سريعاً، عندما كنت اطل من نافدة شقة ابني في اسطنبول بتركيا.

وكانت مشاعري ملتفة حول ذلك الظلام الذي يلف المدينة مع زخات خفيفة من المطر، حيث شغلني خبر رحيل عبدالله خليفة عن دنيانا، عندها رجعت بالذاكرة الى تلك السنوات البعيدة يوم صممت اول غلاف في مجموعات الراحل خليفة، وهو لحن الشتاء.
ومع لحن الشتاء وآخر نتاجاته الروائية «خليج الأرواح الضائعة»، كان لعبدالله ذلك الحنين الذي لم ينقطع عن ذاكرتي ولم تقصني السنين عن ملاحقة نتاجه الأدبي والفكري.
بعدها تقدم الشاعر علي عبدالله خليفة رئيس مجلس إدارة مركز عبدالرحمن كانو الثقافي، بكلمة رحب فيها بالحضور وبالضيوف الذين تعشموا تعب السفر قادمين من الأردن وتونس والسودان ودول الجوار من المملكة العربية السعودية وقطر مشاركين محبي عبدلله الاحتفاء بليلته، مترحماً علي خليفة على الراحل عبدالله قائلاً: «يعز علينا كثيرا ألا تكون هذه الشخصية بيننا الآن، فلقد سبقتنا يد المنون ونحن نغالب الزمن للحاق بالتكريم والمكرم حاضرا، لكن لا راد لقضاء الله سبحانه وتعالى، يعزينا أن المكرم الراحل كان على علم بما عقدنا العزم عليه».
معرجاً في كلمته حول الفكرة من التكريم والتي اشار اليها: أن فكرة تكريم المبدعين البحرينيين بصفة عامة كانت هاجسا حاضرا لدى أسرة الأدباء ومركز كانو الثقافي، كل على حدة، ينطلق من الواجب الوطني لرد الاعتبار إلى ثقافة البحرين الوطنية المهمشة، وذلك من خلال تكريم شعبي للرموز الإبداعية تشارك به كل فئات المجتمع البحريني الذي كانت همومه وأحلامه مادة حية في إبداعاتهم على مدى عقود.
وإننا نكرم في شخص هذا الأديب الراحل النخبة من حملة مشاعل التنوير الذين كرسوا ثقافة الإبداع والتعدد في مجتمع متآلف مسالم، من خصائصه تنوع الأطياف.
وبعد الشاعر علي خليفة كانت الكلمة للأمين العام لأسرة الأدباء والكتاب الدكتور راشد نجم التي قال فيها: يسعدني نيابة عن أسرة الأدباء والكتاب أن أرحب بكم أجمل ترحيب وأرحب كذلك بضيوفنا الكرام من دول الخليج العربي وأصدقاء الراحل العزيز.. في حفل تجمعنا فيه المحبة.. ويدفعنا فيه واجب التكريم لمن أشعلوا شموع حياتهم من أجل إسعادنا.. ولونوا فضاءات حياتنا الثقافية بإبداعاتهم حتى غدوا رموزا يفخر بهم الوطن ونفاخر بهم أمام الأمم.
موضحاً في كلمته ان الأديب والمفكر الراحل عبدالله خليفة علامة مضيئة في المشهد الثقافي والأدبي المعاصر في مملكة البحرين.. سواء في فضاء السرد حيث تمحورت إبداعاته في كتابة الرواية التي اتسمت بالواقعية وتمثلت شخوص رواياته من نماذج مجتمعية تتحرك بيننا وقد لا نلتفت إليها.. لكنه يلتقطها بعناية، وإن عبدالله لم يمت لأن الادباء لا يموتون!
مستطرداً حول المنجز الذي غدا بعبد الله رائداً من رواد الرواية في البحرين، واديباً له مكانته الفكرية والأدبية المرموقة.
مؤكداً نجم: ان هذا ليس حفل تأبين للراحل العزيز ولكنه حفل تكريم لإبداعه ونتاجه الفكري.. فصاحب الكلمة لا يموت أبدا وإن غادر الدنيا جسدا.
بعدها كانت الكلمة للأستاذ أنور عبدالرحمن رئيس تحرير صحيفة «أخبار الخليج» والتي من خلالها قال: الحديث عن الأستاذ عبدالله خليفة ليس أمرا سهلا رغم أنه كان زميلا لنا منذ البدايات المبكرة لنشأة «أخبار الخليج»، ورغم أننا كنا نتابع باهتمام كتاباته، لكنه في واقع الأمر كان إنسانا قليل الكلام مع جميع من حوله. كان عبدالله خليفة يطرح أفكاره من خلال قلمه، ولعل معظمكم يعرفه اكثر مني أو ربما على ذات القدر أو المستوى وذلك من خلال كتاباته وإبداعاته. كان – رحمه الله – ينتمي إلى المدرسة الفكرية العميقة للفكر الماركسي، أو بمعنى آخر لم يكن يؤمن ولا يتقبل الشيوعية الغوغائية، وفي تقديري أنه كان من خلال فكره وأطروحاته أقرب ما يكون إلى المدرسة الماركسية الإنجليزية التي كانت سائدة في جامعتي أكسفورد وكامبريدج فيما بين حقبتي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي وهي المدرسة التي كان من ابرز رموزها وأعلامها مفكرون من أمثال كيم فيليبي وجورج برنارد شو، وغيرهم من أقطاب النخبة المثقفة التي شغلت أفكار واتجاهات الرأي العام البريطاني في تلك الحقبة.
مستطرداً رئيس تحرير جريدة أخبار الخليج في كلمته عن عبدالله: ومما لا شك فيه أن الأستاذ عبدالله خليفة كان انتقائيا في قراءاته إلى أبعد الحدود، وقد انعكس ذلك بجلاء على كتاباته.
فهو لم ينجرف مطلقا إلى تقلبات ما يجري في الشارع السياسي من مواقف مرتبكة وأحداث طارئة وكان يفضل الانتظار والتأمل والتفكير بعمق في كل ما يجري قبل أن يدلي بآراء كانت أحيانا تتسم بكثير من الجرأة إلى درجة أنها سببت نوعا من الصدمة لبعض رفقائه ومعاصريه، طارحا أفكارا تدعوهم الى مراجعة فكرهم ومناقشة مسلماتهم.
ويمكن القول بأنه عبر ذلك النهج كان يمثل منبرا مختلفا بالمقارنة ببقية الكتّاب المسيسين، فقد كان مدرسة مستقلة بذاتها.
ومن هذا المنطلق، يمكننا أن نشهد له أنه كان مثقفا عميقا مشغولا بالفكر وتغيير المفاهيم البالية في الوعي الاجتماعي والسياسي، ولم تكن له أي مطامع في منصب أو جاه كما يهفو الى ذلك كثير من المثقفين، بل كان – رحمه الله – سيد نفسه.
موضحاً أنور عبدالرحمن في ورقته إنهم: في «أخبار الخليج» كانوا يقدرون قلم وفكر الأستاذ عبدالله خليفة، وكانوا يسمحون له بأكبر مساحة من حرية التعبير لطرح آرائه وأفكاره لأنهم كانوا على ثقة من انتمائه إلى المدرسة العقلانية وانحيازه الى النهج التدرجي في التطور والتقدم ، مترحماً عليه ، معتبراً رحيله فقداً لواحد من ألمع المبدعين في تاريخنا المعاصر.
وفي كلمة للكاتب إسحاق الشيخ ألقاها بالنيابة عن رفقاء وأصدقاء الراحل قال فيها: «لقد أدرك راحلنا الكبير أن الثقافة في علاقة وطنيتها البحرينية والأممية الإنسانية، وان عليها أن تكون ثقافة تنويرية تدفع بالتحول الاجتماعي، وفي علاقتها الإنسانية بين الناس وفي النضال من اجل تحريك المجتمع البحريني، بهدف تطويره والأخذ به وعيا ثقافيا في الاستنارة، وعلى طريق الحداثة والتحديث، وهو ما أفنى حياته بكرامة نفس وشموخ إنساني لا احد يجاريه، ولا احد يشاطره فيها».
وبعرض فيلم تسجيلي لشهادات أصدقاء الأديب الراحل من اعداد احمد الصائغ تحدث فيه كل من الشاعر علي السترواي الذي اعتبر رحيل الأديب عبدالله خليفة هو رحيل للرواية العربية، باعتباره كان ركنا كبيرا في الأدب الخليجي، مضيفا أن الأديب الراحل ارتبط بالعمال والبسطاء وكان يكتب عن المعدومين.
وبشهادة أخرى قال فيها الناقد فهد حسين: ان الراحل عبدالله خليفة كان حنوناً ومعيناً له في تجربته الأدبية، وكثيراً ما وقف بجانبه مشجعاً له في مسيرته النقدية، وإنه انسان كبير القلب.
أما الكاتب المسرحي يوسف الحمدان فيقول: إن الحديث عن عبدالله خليفة حديث مؤلم ذو شجون، كثيراً ما كان لي فيها مع عبدالله مواقف جميلة وإنسانية، معتبراً انه قهر الموت ولم يمت.
وفي قصيدة عامية للشاعر علي الستراوي بعنوان: «يا عبيد قلبك سفين المحبين»
قال فيها الشاعر الستراوي:
يا عبيد اسمك وطن
وقلبك سفين المحبين
وشراعك يناحين الحمام
«ياعبيد» سر الوطن..
قصة هوى جروحك
وكانت القصيدة طويلة اسرد فيها الشاعر الستراوي صورة من الذكريات التي جمعته مع الراحل عبدالله خليفة.
بعدها كانت للإضاءات السردية وقفات قصيرة قدمتها كل من الدكتورة ضياء الكعبي: بعنوان «الرواية وادلجة التاريخ» وورقة أخرى للدكتورة انتصار قائد البناء تحت عنوان: «مفهوم الحرية في رواية الينابيع» وأخرى الأوراق النقدية كانت من نصيب الدكتورة أنيسة ابراهيم السعدون تحت عنوان: «جدل الأنا والآخر وقلق الهوية في رواية (الأقلف) لعبد الله خليفة»، وجميع هذه الدراسات جمعت في كتاب وزع في نفس يوم التكريم. بالإضافة إلى آخر روايات عبد الله خليفة وهي «خليج الأرواح الضائعة».
وكان الختام عرض فيلم قصير من إخراج حمد الشهابي وتمثيل مجموعة من ممثلي البحرين جاء تحت عنوان «المتشرد» مأخوذ عن رواية «الاقلف» للراحل عبدالله خليفة.
وأخيراً كعادة سنتها اسرة الأدباء والكتاب في تكريم المبدعين قدم في ختام الحفل «وسام الإبداع البحريني» إلى الأديب والمفكر الراحل عبدالله خليفة، حيث تسلمها نيابة عنه شقيقه السيد عيسى خليفة.
وكانت ليلة كنا نتمنى فيها أن يكون عبدالله بيننا ليشهد تكريمه الذي رحل عالماً به.

اخبار الخليج تاريخ النشر :٣ يناير ٢٠١٥

أضف تعليق