حضور كثيف في احتفالية تأبين عبدالله خليفة بمركز كانو الثقافي

قالوا في الأديب الراحل: كان ركنا كبيرا في الأدب الخليجي

شهد مركز عبدالرحمن كانو الثقافي مساء أمس أمسية ثقافية وفنية استثنائية لشخص استثنائي، حيث أقيمت احتفالية تأبين الأديب والمفكر الراحل عبدالله خليفة برعاية وتنظيم صحيفة أخبار الخليج وأسرة الأدباء والكتاب، تأكيدا على أن عبدالله خليفة من مبدعي الوعي والتنوير والثقافة الأصيلة الرصينة، وصاحب الإنتاج الأدبي والثقافي الغزير الذي أثرى الأدب البحريني بمؤلفاته، بداية من لحن الشتاء وحتى آخر إصداراته «خليج الأرواح الضائعة».
وقد بدأ الحفل بالوقوف دقيقة حداد على روح الأديب الراحل، ثم ألقى بعدها الشاعر علي عبدالله خليفة رئيس مجلس إدارة مركز عبدالرحمن كانو الثقافي كلمة المركز رحب فيها بالحضور وبالضيوف الكرام القادمين من المملكة العربية السعودية وتونس والأردن والسودان ودولة قطر للاحتفاء بتكريم شخصية أدبية وفكرية بحرينية، قائلا «يعز علينا كثيرا ألا تكون هذه الشخصية بيننا الآن، فلقد سبقتنا يد المنون ونحن نغالب الزمن للحاق بالتكريم والمكرم حاضرا، لكن لا راد لقضاء الله سبحانه وتعالى، يعزينا أن المكرم الراحل كان على علم بما عقدنا العزم عليه».
وأضاف في كلمته «أن فكرة تكريم المبدعين البحرينيين بصفة عامة كانت هاجسا حاضرا لدى أسرة الأدباء ومركز كانو الثقافي، كل على حدة، ينطلق من الواجب الوطني لرد الاعتبار إلى ثقافة البحرين الوطنية المهمشة، وذلك من خلال تكريم شعبي للرموز الإبداعية تشارك به كل فئات المجتمع البحريني الذي كانت همومه وأحلامه مادة حية في إبداعاتهم على مدى عقود.
إننا نكرم في شخص هذا الأديب الراحل النخبة من حملة مشاعل التنوير الذين كرسوا ثقافة الإبداع والتعدد في مجتمع متآلف مسالم, من خصائصه تنوع الأطياف, النخبة المبدعة ذات المواقف الجلية والشجاعة في رفض كل أشكال الإرهاب والتخريب وتقسيم وتأزيم المجتمع فكان عبدالله خليفة الأبرز والأشد ضراوة في الدفاع عن النهج الإصلاحي للمسيرة الوطنية.
ولمرضه العضال ولإحساسنا بأهمية الزمن في اللحاق بالتكريم قبل فوات الأوان تنادى رفاق الراحل للتعجيل بتكريمه فالتقت جهود جميع الأطراف وتوحدت لتنظيم هذه الاحتفالية المشتركة بمعرفته وبالتعاون معه, وقد تشرفنا بمشاركة من رافقوا المكرم في مسيرته النضالية, وقدرنا لأخبار الخليج وللأستاذ أنور عبدالرحمن رئيس التحرير مواقف الدعم والرعاية, شاكرين لإدارة وسائل الإعلام وإدارة تلفزيون البحرين ما تقدما به من مساندة مهمة ولكل المثقفين المتعاونين تحية شكر وتقدير.
للمنجز الأدبي والفكري للأستاذ عبدالله خليفة قيمة رفيعة في ميزان النقد الأدبي إلى جانب جهوده المكثفة في شأن الصحافة الثقافية بالبلاد طيلة سنوات, فتكريم أمثال هؤلاء لا يأتي من باب العاطفة الشخصية أو المجاملة الصداقية, فلقد كنا نلتقي مع المكرم في بعض أفكاره ونختلف معه قطعيا في بعضها.
كانت معاناة الإنسان البحريني البسيط مادة تجربته الشعورية, ومرتكز أعماله الأدبية, اشتغل بالتدريس ثم بالصحافة وعاش تجربة السجن لسنوات وخرج منه أكثر إصرارا على ما كان يعتقد ويؤمن.
كان قارئا نهما وفي جوع دائم إلى المعرفة, تؤرقه هواجس التنوير وكيف يبدد الظلام من حوله, اعتكف خلال سنواته الأخيرة مركزا جهده على الإنتاج الكتابي فأنجز عددا من الروايات لم تزل مخطوطة, وحين داهمه المرض قاومه بتكتم شديد رافضا التصريح به, وتصارع معه بإرادة الإنسان غير المكترث بالنتائج, رافضا لكل محاولاتنا لعلاجه خارج البحرين.
كان الرجل, رحمه الله, ذا شخصية إنسانية فريدة, هادئا.. صموتا.. تمور بداخله الأفكار فينفثها نارا درامية ساخرة متهكمة, كان عصاميا حادا في طروحاته الفكرية ثابتا على مبدأ حدي لا يتنحى عنه قيد أنملة, ومن خلاله يقيس البشر ويحدد علاقاته بهم, فكان ذلك مدعاة إلى أن يساء فهمه وأن تفسر مواقفه على غير ما كان يريد, حتى من قبل أقرب الناس إليه.
إن مسيرتنا الأهلية المشتركة لتكريم المبدعين في البحرين ستستمر بإذن الله وستظل هذه الأرض ولودا تنجب المبدعين جيلا بعد جيل».
ثم ألقى الدكتور راشد نجم النجم الأمين العام لأسرة الأدباء والكتاب كلمة الأسرة قال فيها «يسعدني نيابة عن أسرة الأدباء والكتاب أن أرحب بكم أجمل ترحيب وأرحب كذلك بضيوفنا الكرام من دول الخليج العربي وأصدقاء الراحل العزيز.. في حفل تجمعنا فيه المحبة.. ويدفعنا فيه واجب التكريم لمن أشعلوا شموع حياتهم من أجل إسعادنا.. ولونوا فضاءات حياتنا الثقافية بإبداعاتهم حتى غدوا رموزا يفخر بهم الوطن ونفاخر بهم أمام الأمم.
يشكل الأديب والمفكر الراحل عبدالله خليفة علامة مضيئة في المشهد الثقافي والأدبي المعاصر في مملكة البحرين.. سواء في فضاء السرد حيث تمحورت إبداعاته في كتابة الرواية التي اتسمت بالواقعية وتمثلت شخوص رواياته من نماذج مجتمعية تتحرك بيننا وقد لا نلتفت إليها.. لكنه يلتقطها بعناية مثلما ينتقي تاجر اللؤلؤ نماذج لآلته.. حتى غدى رائدا من رواد الرواية في البحرين, حيث أصدر ما يزيد على عشرين رواية بداية من زاويته «لحن الشتاء» عام 1975 مرورا بروايته «الهيرات» عام 1984 ثم رواية «أغنية الماء والنار» عام 1988 وحتى روايته الأخيرة «خليج الأرواح الضائعة» عام 2015 التي أصدرتها أسرة الأدباء والكتاب بعد رحيله بالتعاون مع مركز عبدالرحمن كانو الثقافي وهيئة شئون الإعلام مرورا بكل الكم الكبير من الروايات والدراسات البحثية, حيث أصدر الراحل مجموعة من الدراسات الواسعة والمهمة التي اتسمت بالعمق والتحليل التاريخي والفلسفي.
ولم يقف قلمه عند حدود كتابة القصة القصيرة والرواية والدراسات بل اتسع فضاء اهتمامه ليشمل عالم الصحافة عندما عمل في صحيفة «أخبار الخليج» فاشتغل على التصدي لقضايا وملفات ساخنة سياسية واجتماعية وأدبية ودينية بهدف دعم الثقافة الوطنية التنويرية التي خلقت له شهرة واسعة, وفي نفس الوقت فتحت أمامه بوابة واسعة لصدامات كثيرة مع شرائح من المثقفين والسياسيين ورجال الدين, ولكن رغم ذلك ظل طوال حياته صامدا على مبدأه ومحترمة أطروحاته رغم الاختلاف المتباين للنقاد والمهتمين حولها.
إن أسرة الأدباء والكتاب تشعر بالكثير من الاعتزاز والامتنان لما اتسمت به روح الشراكة والتعاون مع مركز عبدالرحمن كانو الثقافي خلال مراحل التخطيط والإعداد والتنفيذ لهذا التكريم ليكون بداية مسيرة لن تتوقف في تكريم المبدعين البحرينيين في مجال الأدب والفكر والثقافة وهم أحياء بيننا لإعادة الاعتبار إلى رموزنا الثقافية ودعم ثقافة البحرين الوطنية التنويرية التي اتسمت بروح التسامح والتعددية وقبول الآخر.
إننا نتقدم بالشكر الجزيل إلى كل من ساند فكرة هذا المشروع بتكريم المبدع الراحل عبدالله خليفة من مؤسسات رسمية نخص منها بالذكر هيئة شئون الإعلام التي تحملت مشكورة تكاليف طباعة ملف الدراسات والرواية وكان الصديق العزيز الأستاذ يوسف محمد مدير وسائل الإعلام بالهيئة نموذجا طيبا للتعاون وتذليل الصعوبات, وكذلك الأخ العزيز الأستاذ نبيل بوهزاع مدير تلفزيون البحرين, ومن مؤسسات أهلية وعلى رأسهم صحيفة «أخبار الخليج» ممثلة في الأخ الأستاذ أنور عبدالرحمن رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير لدعمهم لفكرة التكريم ومساهمتهم ماديا في تحمل تكليف هذا الحفل, وإلى أسرة الراحل العزيز الذين وفروا لنا المعلومات المطلوبة, وإلى جميع من أسهم معا بجهدهم السخي من اللجنة المنظمة لحفل التكريم من أعضاء أسرة الأدباء والكتاب ومركز عبدالرحمن كانو الثقافي.. وإلى جميع وسائل الإعلام المختلفة ووسائط التواصل الاجتماعي فلهم منا جميعا الشكر والتقدير.
إن هذا ليس حفل تأبين للراحل العزيز ولكنه حفل تكريم لإبداعه ونتاجه الفكري.. فصاحب الكلمة لا يموت أبدا وإن غادر الدنيا جسدا»
عقب ذلك ألقى الأستاذ اسحاق الشيخ كلمة بالنيابة عن رفقاء وأصدقاء الراحل قال فيها «لقد أدرك راحلنا الكبير أن الثقافة في علاقة وطنيتها البحرينية والأممية الإنسانية، وان عليها أن تكون ثقافة تنويرية تدفع بالتحول الاجتماعي، وفي علاقتها الإنسانية بين الناس وفي النضال من اجل تحريك المجتمع البحريني، بهدف تطويره والأخذ به وعيا ثقافيا في الاستنارة، وعلى طريق الحداثة والتحديث، وهو ما أفنى حياته بكرامة نفس وشموخ إنساني لا احد يجاريه، ولا احد يشاطره فيها.
ان الثقافة التنويرية هي ثقافة تلازم حراك المجتمع وتدفع به ضمن قوانين جدل التحول المادي التاريخي وهو ما وعاه جيدا عبدالله خليفة في باكورة نشاطه الذهني, ارتباطا في البناء الفوقي من المجتمع البحريني وفي تكريس ثقافة الاستنارة استهدافا في تغيير أسس البناء التحتي وتشبيع مؤسساته بوعي الثقافة التنويرية.
إن الثقافة التنويرية تشكل حاجة ملحة وضرورة أساسية في تحريك الأسس الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في المجتمع البحريني على طريق التحول إلى غد مجتمع بحريني قادم ناهض, وهو ما كان يؤرق أحلام وآمال رائد ثقافة التنوير والتغيير في مملكة البحرين عبدالله خليفة, الذي كان في طليعة المبتهجين بالمشروع الإصلاحي الذي كان يراه عن حق فاتحة أمل حقيقي على طريق غد مشرق للبحرين, ولقد رن قطرات حياته حبا وجدانيا معنى بحب البحرين وكان بحرينيا خالص الشفافية في بحرينيته, وكان يسابق الحياة ثقافة مستنيرة من أجل حياة أفضل للبحرينيين وكان يرى أن ثقافة الاستنارة هي الطريق الأجدى من دون منازع في تحريك القيم الثقافية في نسيج المجتمع الفوقي الذي يتعاكس بالضرورة في تغيير ثقافة نسيج المجتمع التحتي نهوضا بالبحرين في ضياء تنويري يعانق فلق ضياء الشمس في الكون.
إن مفهوم الثقافة التنويرية عند عبدالله خليفة مفهوم يرتبط بظواهر المنعطفات التاريخية في حياة الأمم والشعوب وهو ما نراه مكرسا في كتبه وروايته المشغولة بالثقافة التنويرية وأهميتها في حركة التغيير, وكان يرى عن حق أن الثقافة التنويرية هي ثقافة يمكن أن تلعب دور مهما ضد الثقافة الطائفية وتجلياتها الإرهابية بشكليها المضاد والمضاد له, من واقع أن الثقافة التنويرية في مفهوم يساريتها عند عبدالله خليفة هي إنسانية بطبيعتها ضد العنصرية والقبلية والمذهبية الطائفية.
إن الثقافة التنويرية هي ثقافة سلمية مناهضة للإرهاب وتدعو إلى السلم والحوار المدني بين الأطراف, حوار في علمانية الفكر والمنهجية الاجتماعية والسياسية بعيدا عن المذهبية الطائفية وتجلياتها المتطرفة بالعنف والإرهاب, وفي إثارة الفتن الطائفية بين أبناء الوطن الواحد.
ولقد كان الراحل الكبير عبدالله خليفة داعية ثقافة تنويرية وطنية علمانية يتجدد العدل فيها بين أبناء المجتمع الواحد, بعيدا عن المذهبية والطائفية, وكان رحمه الله من الداعين بتحرير المرأة البحرينية ومساواتها في الحقوق والواجبات ودفع الأذى عنها وتكريس إنسانيتها في المجتمع, وأنه من الأهمية بمكان وضع مؤلفات عبدالله خليفة ضمن المناهج التعليمية لأهميتها في تكريس الثقافة الوطنية التنويرية في المدارس التعليمية وتشبيع خصوصيات الناشئة بالثقافة الوطنية التنويرية, كما أنه من الأهمية أيضا وضع اسمه على أحد الشوارع في مملكة البحرين ليكون ذاكرة ثقافية تنويرية وطنية بحرينية لها مكانتها التنويرية في ذاكرة تقادم الأجيال.
شكرا لجريدة «أخبار الخليج» في شخص رئيس تحريرها الأستاذ أنور عبدالرحمن في رعايتها لهذا الحفل الجميل.. شكرا للجنة تكريم الأدباء في البحرين التي دشنت نشاطها في شخص الراحل الثقافي التنويري عبدالله خليفة».
بعد ذلك تم عرض فيلم تسجيلي لشهادات أصدقاء الأديب الراحل أكد فيه الشاعر علي السترواي أن رحيل الأديب عبدالله خليفة هو رحيل للرواية العربية، باعتباره كان ركنا كبيرا في الأدب الخليجي، مضيفا أن الأديب الراحل ارتبط بالعمال والبسطاء وكان يكتب عن المعدومين.
ويقول الأستاذ فهد حسين ان الراحل عبدالله خليفة كان إنسانا لأقصى درجات الإنسانية مع الجميع، أما الأستاذ يوسف حمدان فيقول إن عبدالله خليفة هو الرجل الذي قهر الموت بالكتابة، مضيفا أننا لو قمنا بجمع كل كتاباته ورواياته ومقالاته لوجدناها تضاعف من عمره.
عقب ذلك ألقى الشاعر علي الستراوي قصيدة شعرية بعنوان «عبيد».
ثم قدمت كل من د.ضياء الكعبي، ود.انيسة السعدون، ود.انتصار البناء رؤى بأبحاث حول النتاج الروائي للأديب الراحل.
وعقب ذلك تم عرض فيلم بعنوان «المتشرد» عن رواية «الاقلف» للأديب الراحل.
وفي ختام الحفل تم تقديم «وسام الإبداع البحريني» إلى الأديب والمفكر الراحل عبدالله خليفة، حيث تسلمها نيابة عنه شقيقه السيد عيسى خليفة البوفلاسة ، وعقب ذلك تم توزيع آخر رواية صدرت للأديب الراحل عبدالله خليفة بعنوان «خليج الأرواح الضائعة» على الحضور، وأيضا كتاب بعنوان «فضاءات السرد في أدب عبدالله خليفة» الذي يتضمن بحوثا ودراسات وشهادات جديدة حول نتاج الأديب الراحل.

حضور كثيف في احتفالية تكريم عبدالله خليفة بمركز كانو الثقافي
اخبار الخليج ٣١ ديسمبر ٢٠١٤

أضف تعليق