الأرشيف الشهري: نوفمبر 2014

عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏.. رحيل سادن الرواية الإيديولوجيّة البحرينيّة

8

عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏.. حملتك السواعد التي احبتك

Abdullah Khalifa author of stories and novels of Bahrain (3)

 ننتمي أنا والرفيق عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏ إلى جيل 48 وكان قدرنا المدرسي حوش مدرسة القضيبية، حيث هناك ضجيج العصافير الصغيرة التي دخلت فضاء التعليم في مدرسة لتوها فتحت في منتصف الخمسينيات من القرن المنصرم، ولم يكن ذلك الطفل الشاحب الضامر الأسمر يبدي أي اهتمام مثلنا بالرياضة أبدا، وكنا حينها نسمع عبارات غريبة وغامضة عن هؤلاء سكنة «بيوت اللينات» في القضيبية، حينها اكتشفت موقع تلك البيوت المتشابهة المصطفة كوحدة سكنية شيدت للشريحة الدنيا والفقيرة كمشروع اسكاني بلونها الاسمنتي وتصميمها البدائي الكئيب فيذكرك بتلك البيوت الروائية في قصص ماركيز وبيت الأشباح، عالم بحريني بسيط جاء من مناطق مختلفة في البحرين جمعتهم تلك البقعة الجديدة من طرف حزام حي القضيبية الواسع المتنوع بتركيبته الاجتماعية والطبقية، فقد كان يفصل تلك «اللينات» من جهة الشمال حي الحورة والتي ستمنحنا ولادة كاتب وقاص وروائي مثل محمد عبدالملك وحي العدامة تلك البقعة من بيوت اعشاش النخيل التي منحتنا موسيقيا كمجيد مرهون وستمنحنا القضيبية المعدمة كاتبا وقاصا وروائيا وباحثا وصحفيا مثل عبـــــــدالله خلــــــــيفة، غزير الانتاج ومثير للأسئلة والحوار.

في تلك البيوت الاسكانية الواقفة في وجه زمن عاصف وبيوت كادحين مجاورة لرطوبة بحر مفتوح سيشهد من نافذتها عبدالله حياته القادمة في ذلك الحي، الذي تشده أقدامه في وحدته نحو الشاطئ ليسكن في عزلته نحو مشهد البحر وبوارج الانجليز القريبة ومهبط الطيران البحري هناك لتبدو له الحياة اعجوبة سحرية، بين تلك المسافات المربكة للطفل واليافع بين بيوت الانجليز الانيقة ونحن في طريقنا للمدرسة وبيت سكينير الكبير وصراخ صبية صغار سمر وسود وببياض الثلج هم تلك السحنات الغريبة وبيوت الاثرياء الجدد وبيوت واسعة كبيرة بيضاء للعائلة الحاكمة، التي استوطنت المكان قبل الجميع، وكأنما القضيبية بؤرة تستجمع تركيبة بحرينية جديدة من الاثنيات والأعراق والنسيج الاجتماعي الجديد، حيث ستكون لاحقا في وعي ولا وعي عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏ الفضاء الروائي الدائم، فطبول العدامة ورقصها المسائي تصل إلى اذنيه لشارع يفصلهما، ورطوبة البحر تتسلل إلى جدران تلك البيوت النائمة في ملكوت الانتظار والايقاع الرتيب ثم الايقاع المتغير مع رخاء النفط والحداثة.

فهل نستغرب من جيله تلك المزاوجة والتداخل والتحولات المجتمعية واللوحة الجديدة لحي القضيبية، الذي كانت مدرسته حاضنا لنا جميعا كمدرسة حكومية في زمن لم تكن فيه تمايزات طبقية حادة تفتت العلاقات الانسانية؟ في تلك التربة الشعبية من بيوت «اللينات»* وما حولها من مكونات سكنية جديدة، تشربت روح عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏المعاناة المبكرة سيجدها في خياره الايديولوجي الفكري الماركسي والانتماء العقائدي الحزبي لجبهة التحرير الوطني، لفكر كان يومها يدعو للدفاع عن الكادحين والفقراء، وكانت الصدفة التاريخية أن تتلقفه اسماء من الجبهة لتصهره هناك في معمل الزمن والعمل السري والالتصاق الاعمق بفكرة الكتاب والقراءة والتلخيص والولوج لحياة شائكة ومرهقة تستنزف منك طاقاتك الكامنة الابداعية إلا انها من الجانب الآخر تفتح عينيك على وعي مبكر للحياة بكل ما يدور من حولك من صراعات يومية طاحنة من اجل لقمة العيش وحياة كريمة للناس.

لهذا وجد الشاب عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏نفسه منخرطا في عمل سياسي لم يكن الا بوابته الاولى لعالم المعرفة الواسع، فوجد في الكتاب والقراءة تعويضا آخر لحرمانه من الفرصة الاكاديمية، ففي ذلك الزمن العصيب المضني كانت بيوت الفقراء بحاجة إلى مساهمتك في تحسين وضع عائلتك»، هذا إن لم تكن مسؤولا مباشرا عنها، فيقف الزمن مرة اخرى حائلا لطموحاتك، ولكن الحياة مدرسة متميزة تصنع من يشاكسها ويصارعها فكان «التعليم الذاتي» self taught اكاديميته الجامعية فذلك المعلم المتعارك لن يجد لا في كراريس المدارس ولا في مناهجها ما يشفي غليله، فكان عليه ان ينهل من الروايات العالمية والعربية والكتب الفكرية والفلسفية التي صارت هاجسه الدائم ومرضه الثقافي المزمن، وعلة جسده النحيف وتساؤلاته الروحية.

في ربيع شبابنا في الثانوية خلف بيت عبدالله الخاجة من عام 66- 67 كانت هناك مساحة مدفونة عند البحر وكنا نلتقي ثلاثتنا جابر صليبيخ وعبدالله وأنا، عند تلك الزرقة في أواخر مواسم الامتحان وما قبل العطلة الصيفية حيث منتجعنا البريء لجيوب ناضبة من دريهمات، فكان حديث ثقافة جنينية تتبلور عبره كتب نتبادلها وآراء لا نعرف بعمق فحواها ولا غزارتها، وكيف هي لون البروليتاريا وما شكل البرجوازية اللعينة التي نفكك خطوطها الاولى، لعلنا نجد في حوارنا الشاب مخرجا للتساؤلات ومدخلا للمعرفة المبكرة من تلك الكتب الممنوعة والمسموحة، التي ستدخلنا جحيم التعب.

في محطات الزمن المتبدلة لن نلتقي بسهولة وبانتظام تلك الايام المدرسية، كبرت احلامنا وقلقنا وكان على كل واحد منا ان يجد نفسه في مكان ما، فما عاد حوش مدرسة الابتدائية والثانوية يجمعنا، ولا تلك السجون التي اعادتني اليه من غربة المنفى أو تلك الحلقات الحزبية العابرة، التي همسنا بها بعيدا عن عين البوليس السري، وبالرغم من كل تلك الغربة والزمن القاسي كنا دوما نحتفظ بصمت بيننا وباحترام وبمودة خاصة عميقة بالرغم من اختلاف طبائعنا ومزاجنا وتركيبتنا الانسانية وهواياتنا واهتماماتنا المختلفة، فلكل واحد منا طبيعة صدامية ومكابرة ومعاندة، قد لا تلتقي بسهولة في مصب واحد ودائم حتى وإن كنا أبناء رحم مدرسة حزبية وايديولوجية واحدة.

يقول نيرودا «عندما كنت اعيش في العزلة بعيدا عن الناس، وسعيا إلى إبراز وحدة شاملة عظيمة للعالم الذي أريد التعبير عنه، كتبت كتابي الاكثر جموحا واتساعا (النشيد الشامل). وقد كان هذا الكتاب تتويجا لمحاولاتي الطموحة. إنه فسيح باتساع قطعة كبيرة من الزمن، وفيه كثير من الظلال والأضواء في الوقت نفسه، لأنني رميت إلى الإحاطة بالفضاء الرحب الذي تتحرك فيه، وتنمو، وتعمل، وتضمحل الحيوات والشعوب، فالشاعر يجب أن يكون، إلى حد ما، مؤرخا لعصره والتاريخ، يجب ألا يكون جوهرا، ولا نقاء، ولا تثقيفا وتهذيبا، وإنما يجب أن يكون وعرا، معفرا، ماطرا، ويوميا.. يجب أن يتضمن البصمات اليائسة للايام التي تكر، وأن يعمل ضيق الإنسان وزفراته»

ودون شك ليس الشاعر وحده فتلك زفرات كل المبدعين وانشودتهم في الحياة نحو السعادة الانسانية الخالية من عذابات الارض واستغلال الانسان للانسان.

 كان عبدالله مثل لوركا مسكونا بطريق قرطبة «قرطبته» في انشودة الفارس «آه كم بعيد هو الطريق ! آه كم جريء هذا المهر ! آه، الموت ينتظرني قبل الوصول إلى قرطبة. قرطبة. نائية ومنعزلة».

ومن يحبون طرقات غرناطة واشبيلية وقرطبة عليهم تذكر هواجس لوركا بأن الموت كان يتعقبه كل لحظة، فلم تكن هواجسه عابثة أبدا فقد كانت الفاشية تتربص به لتقتله، في زمن بات القتل متنوع الاشكال والألوان عند الكاتب السياسي.

ليس هنا مكان لاستعراض منجزات عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏الكاتب فتلك مهمة متروكة للباحثين والنقاد، فأنا معني بجانب وجداني وشخصي وإنساني في هذه المقالة، غير أنني لا بد أن اعرج بكلمة عن مسألة محورية في حياته النضالية فقد كرس جزءا كبيرا من حياته لاجل مبادئه ومنح كل وقته لتلك المبادئ سواء في الانخراط النضالي الذي دفع جزءا باهظا من حياته سجنا وملاحقة أو بتكريس قلمه وذهنه وروحه في الدفاع عن الشعب والطبقة العاملة كواحد من أبناء الشعب الكادح المطحون. المؤلم في تراجيدية موته انه لم يمنح أحدا فرصة مساعدته لانتشاله من كارثته.

 لا املك في لحظة وداعك «يا العبد» إلا تلك المرثية الفيتورية لعبدالخالق محجوب لأنكما من بيت واحد بعيد قريب، كنتما مسكونين معا بطريق قرطبة البعيد.

حين يأخذك الصمت منا..

فتبدو بعيدا كأنك راية قافلة غرقت في الرمال..

تعشب الكلمات القديمة فينا

وتشهق نار القرابين فوق رؤوس الجبال..

وتدور بنا أنت يا وجهنا المختفي خلف ألف سحابة في زوايا الكهوف التي زخرفتها الكآبة.

ويجر السؤال، السؤال. وتبدو الإجابة نفس الإجابة..

 يرقد الآن عبدالله مكابرا وعنيدا كعادته ولكن تظل روحه ساكنة فينا في البحر والنخيل والامكنة، التي أحبها وكتب لها من كنز روحه، يرحل عبدالله الانسان من الوجود، ويبقى في الحياة من خلال نتاجاته الباقية أبدا، ذلك الكاتب الملتزم بقضايا الانسان والتنوير وطريق التقدم.

يموت صاحب عمود «الأفق» ولكن الأفق يظل دوما هو الأمل المنتظر.

بقلم: بدر عبدالملك
اخبار الخليج
تاريخ النشر :٢٥ أكتوبر ٢٠١٤

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* (اللينات من كلمة لاين line الانجليزية لأنها كانت تختلف عن البيوت العشوائية الاخرى بأزقتها، فبيوت اللينات وحدة سكنية متناسقة ومتشابهة وعلى تقابل وتجاور بين تلك الوحدات)

عبـــــــدالله خلــــــــيفة.. وداعاً

22

فقدت الحركة الثقافية والأدبية في البحرين ومنطقة الخليج العربي واحداً من أبرز وجوهها، برحيل الأديب البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة، فهو أحد أبرز رواد الرواية في بلاده وفي المنطقة، كما كان قبل ذلك أحد أبرز كتاب القصة القصيرة وأغزرهم إنتاجاً.
وإضافة إلى عطائه الابداعي فإن لــعبـــــــدالله خلــــــــيفة انشغالات نقدية على النصوص السردية سواء في المنطقة أو حتى على الصعيد العربي، وشارك في الملتقيات الأدبية التي تقام في البحرين ودولة الامارات والكويت والقاهرة وغيرها بدراسات مهمة حول المشهد الروائي في منطقة الخليج.
في مرحلة لاحقة من نضجه الفكري انهمك عبـــــــدالله خلــــــــيفة في دراسات معمقة في التراث العربي الاسلامي، كان من حصيلتها بحثه الموسوعي عن الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الاسلامية، كما استوحى أعمالاً روائية من سيرة شخصيات بارزة في التاريخ الاسلامي.
يشكل عبـــــــدالله خلــــــــيفة نموذجاً نادراً بين أقرانه من حيث انصرافه الكلي للبحث والقراءة، وقد تجلى ذلك في غزارة إنتاجه في حقول الابداع والبحث، وعلى الرغم من العدد الكبير لرواياته ومجموعاته القصصية وأبحاثه المنشورة في كتب، فإن هناك الكثير من المخطوطات التي أنجزها مازالت تنتظر أن تنشر. ومع دأبه وجهده ومثابرته في الانتاج فإنه حبذَّ أن يكون بعيداً عن الأضواء، وجنح إلى العزلة*.
كانت الكتابة في الصحافة مصدر رزقه الوحيد، ولكنه جعل من عموده اليومي في جريدة ‹‹أخبار الخليج›› منبراً للفكر التنويري ومقارعة أوجه الزيف في حياتنا العامة، وفي تبني قضايا الناس، معملاً ما يمتلكه من أدوات معرفية في نقد البنى المحافظة المعيقة للتقدم، والمشوهة لأوجه الحراك السياسي والمجتمعي. وعُرف بروحه السجالية في تناوله للقضايا الأدبية والفكرية، لكن حتى المختلفين معه يقدرون ما هو عليه من تأسيس معرفي مكين.
خلال مسيرته في العطاء منذ أكثر من نصف قرن، اقترنت الكتابة عند عبـــــــدالله خلــــــــيفة بشجاعة الموقف، وبالممارسة الحياتية، وفي العمل على بناء مؤسسات المجتمع المدني وتفعيلها من موقعه كأديب، ومن خلال دوره في أسرة الأدباء والكتاب التي يعد الراحل أبرز وجوهها، الذين ساهموا في التأصيل لمفاهيم الحداثة الأدبية والفكرية، وفي تفاعل الأدب والثقافة مع التحولات المجتمعية.
في سيرة عبـــــــدالله خلــــــــيفة نجد ما يمكن ان نعده شجاعة الرواد في اقتحام الدروب غير المطروقة، وفي الثبات على الموقف، والقبض على جمرة الحقيقة مهما كانت حارقة.
بقلم: د. حسن مدن
اخبار الخليج
تاريخ النشر :٢٥ أكتوبر ٢٠١٤

* أي مبتعد عن السلطة ومثقفيها الرسميين وشبه الرسميين (مشرف الصفحة)