منى حبيب تشيد بقصص عبـــــــدالله خلــــــــيفة وتعده صانعاً ماهراً

0-0-0.png

منى حبيب تشيد بقصص عبـــــــدالله خلــــــــيفة وتعده صانعاً ماهراً
للمرة الأولى.. أطروحة ماجستير عن أديب بحريني
احتاج الطلبة الدارسون بجامعة البحرين قرابة عقد من الزمن حتى يظهر فيهم ومنهم من يوجه أطروحته في الدراسات العليا شطر الأدب البحريني. هذا ما حصل حديثاً، وهو ما سيتجدد حصوله بعد أيام من الآن. وبطلا هذه الواقعة طالبة اختارت قصص عبـــــــدالله خلــــــــيفة القصيرة، فيما من المنتظر أن يكون محمد عبدالملك هو الأديب الثاني الذي تكتب أطروحة في حق أدبه/ قصصه.
وأخيراً أطروحة ماجستير عن أديب بحريني. بلى، هذا ما أنجزته منى حبيب ، حيث ناقش قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية أطروحتها الموسومة «القصة القصيرة وإبداع الواقع عند عبـــــــدالله خلــــــــيفة».
حيث أثنى من خلال لجنة المناقشة التي عينها على هذه الرسالة العلمية، وأردف الثناء بملاحظات وتساؤلات وانتقادات بدأت بالعنوان ولم تنته بالمنهج.
الطالبة التي جلست وجهاً لوجه قبال مشرفها عبدالكريم حسن، وممتحنين الآخرين، هما: حسين حمودة من جامعة القاهرة، وعبدالقادر فيدوح من جامعة البحرين يوم الأربعاء الموافق 7 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، صرحت بأنها اختارت القصة القصيرة لأنها «نوع أدبي مُغوٍ، وشكل سردي متمرد، متداخل مع الأجناس الأدبية الأخرى. هي في ذاتها نص إبداعي، يعب حمولاتٍ متعددة، هو تشابك من التضمينات والاقتباسات والانعكاسات التي تخترقه، ما يعني أننا لا نستطيع أن نغربلها من حقولٍ مرجعية كثيرة كالميثولوجيا والأنثربولوجيا وعلم الاجتماع وموسيقى الشعر والرسم، لذلك هي أكثر أنواع النصوص الأدبية استجابة للواقع المعاصر في تصادمه وتغيره».
وكان تبريرها لاختيار الروائي والقاص عبـــــــدالله خلــــــــيفة «الشعور بالحاجة الملحة إلى مقاربة إبداع هذا الكاتب الذي خبر الحياة، وأشبع حواسه النهمة من خباياها والعيش في أقبية سجونها، وهي الرغبة في الخروج برؤية عن فنه المتميز في كتابة القصة القصيرة».
ومنى التي اختارت أكثر الأنواع الأدبية صعوبة، وأقلها حظوة نقدية، وجدت فيما وجدت ندرة في مقاربات سابقة تمحورت حول قصص الرجل خلا واحدة باتت اليوم كلاسيكية تحدثت عن فاتحة إنتاجه وهي في جميع الأحوال لا توفي الرجل حقه، وقد أضحى اليوم مبرزاً كثير الإنتاج، تصحبه في رحلته الكتابية حماسة تدفعه دفعاً نحو المواصلة والمثابرة.
لذا فهي رامت من أطروحتها الجمع بين غواية هذا الجنس الإبداعي وبين تجسده في قصص خليفة، نهوضاً على عدّة منهجية وصفتها هي نفسها بالمغايرة. وهذه المغايرة تأتي – من دون شك – قياساً بالمتفرقات التي قاربت منجز خليفة الإبداعي وأكثرها قديم، وأغلبها منحاز للرواية. وحتى يكتمل مثلث السبب، كان الضلع الثالث، وهو المطمح والهدف في إنجاز دراسة وافيه عن الفن القصصي للكاتب. وكي تحقق الهدف، وتبلغ المراد جعلت أطروحتها في ثلاثة فصول، عنونتها بمستويات التناص، والحدث: صيرورة من خلال صراع، ولغة القص: من التقريرية إلى الرمزية.
وقسمت منى حبيب في الفصل الأول من بحثها مستويات التناص إلى: الأسطوري والقصص العجيب والتراثي والقرآني. وذهبت تنقب في مجموعات خليفة من «لحن الشتاء» 1975 حتى آخرها «سيدالضريح» (2003) عن القصص التي تتقاطع جزئياً أو كلياً مع متون ونصوص سابقة لأجل «تفكيك الرموز في القصص والنصوص الأصلية إلى وحداتها التكوينية الكبرى، ثم مقابلتها في الرمز مع مثيلاتها في قصص الكاتب المأخوذة من النص الأصلي أخذ إيجاب أو سلب، وبيان علاقة التقابل بينهما، مع عدم إغفال الوحدات التي ينفرد بها الرمز في قصص الكاتب». واتخذت الفصل الثاني مُقاماً ومستراحاً عند قصص الأديب التي كانت درجة تذبذبها لجهة انضوائها تحت بند تناص القصص العجيب عالية. وهنا أعملت الأداة النقدية لاستخراج وظائف الشخصيات داخل القصة العجيبة، وتوظيفاتها في القصة الفنية، وقراءة المسافات والعلاقات التي تربط بين وظائف الشخصيات في القصة العجيبة وما تم توظيفه في القصة الفنية على مستويي الحضور والغياب، والنفي والإيجاب.
ودرست في ثالث فصول الأطروحة لغة القص عند الكاتب التي شهدت نضوجاً فنياً من لغة تقريرية مهيمنة على الكتابة الفنية في البواكير إلى جنوح نحو لغة ذات مستويات ترميزية وشّعرية، ترى أنها «كسرت نمطية اللغة النثرية، وقطعت العلاقة باللغة العادية، فانحرفت اللغة عن الشعر، واخترقت القصة هسهسة الشعر وموسيقاه وجماله، وتحاور نثر اللغة وشعرها»، مضيفة «وأصبح كاتبنا يكتب كتابه في العالم بلغةٍ خلقت أبجديتها بذاتها، لغة لا تتنكر للإبداع، إنما تتنكر للمعاجم ومحدودية الدوال، وتعاشر الرموز».
وقررت منى حبيب أن هذه المستويات من المعالجة النقدية، تعمل جنباً إلى جنب في تعاضد لا انفصال. وقد قالت في هذا الشأن «فالتناص مُثقل بينابيع الكاتب الثقافية، الفكرية، والاجتماعية التي عبرت إلى البنية القصصية، وساعدت في بناء الحدث. ولولا الحدث لما كانت القصة ولا بنيتها، ومحال أن تكون القصة بلا حدث، وإن حدث ذلك فهي قصة بلا قصة. والحدث تصوغه اللغة، ومحال أيضاً أن تكون القصة بلا لغة وإلا كانت مجرد متواليات جملية. ومن التناص والحدث واللغة تتكون رؤية تميز إبداع الكاتب، تعمل كمحطة ضخ للتناص والحدث واللغة، وتظل هذه المحطة تضخ باستمرار من دون توقف». وتركب هذه النتيجة في انعكاسها القصصي في التجربة قيد الدراسة بتقرير أن القاص «كاتب خلاق، لا يُعبر عن الواقع مجرد تعبير، إنه يكتب شيئاً على الواقع من الواقع، إنه يكتب من أجل الحقيقة، وإن كان ذلك هو هدفه فقد أعطى عمله الخلود؛ لأن الحقيقة خالدة مدى الحياة، وإن استترت في جزيئيات الفن والعقل، فإنها لابد أن تظهر». وحذت الطالبة في أطروحتها حذو القذة بالقذة اتجاهات مشرفها، وكانت من الخُلّص إلى أبعد الحدود، خصوصاً أن مرجعياتها وطرائق تحليلها انبنت على موروفولوجيا فلاديمير بروب، وفرضية رولان بارت التي طور بها اجتراح غريماس الخاصة بالفاعل والموضوع، وتحليل كلود ليفي ستروس لبنى الأساطير.
وانتهت منى حبيب بعد تطواف ضاف إلى القول «لقد افتتنت النصوص القصصية عند كاتبنا بالحداثة، ولم تعد كتابته تحتفي بالحركة الخطيّة والنمطيّة، إنما انعطفت عن مسار الكلاسيكيات والانقطاعات والفجوات، وأعلنت نفسها حركة واقعية محمّلة بالصراعات والمآزق التي هي من دون شك سبب في إبداعية نصوصه وسر من أسرار تميزها، ذلك أن فتنة الكتابة عنده قد وُضِعت في حضرة الإبداع من خلال التناص، والحدث، واللغة».
وزادت هنا «الكتابة الواقعية عند الكاتب لا تكتفي بعكس الواقع أو تصويره تصويراً فوتوغرافياً ساذجاً، وإنما هي تدير اللعبة الفنية انطلاقاً من هذا الواقع من أجل الوصول إلى واقعٍ فنيّ يعلو على الواقع المادي ويدفع بالإبداع القصصي خطوةً إلى الأمام وفي كل هذا وذاك كان التغيير الواقعي على مستويي الفعل والفن هو الهاجس الذي يحمل قصص عبـــــــدالله خلــــــــيفة إلى ذروة تليق به من ذروات الفن». وقبل نقطة الختام أفادت بأن «عبـــــــدالله خلــــــــيفة صانعٌ ماهرٌ، صنع إبداعه من طين الواقع، فجاء الواقع كائنًا حيَّا في فنّه القصصي».
كتب – حسام أبوأصبع:

أضف تعليق