عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏يترجل شامخا

9
    بكل المقاييس، فإن رحيل الزميل الأديب الكاتب عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏ خسارة كبيرة، ليس لقراء «أخبار الخليج» فحسب الذين اعتادوا على قراءة عموده اليومي «أفق» الذي يعتبر بحق منارة فكرية تنويرية، وليس خسارة لليسار البحريني والتيار العلماني الذي فقد برحيله علما من أعلام النضال الوطني الملتزم والمؤمن بالعدالة الاجتماعية التي تشبعها من مبادئ المدرسة الفكرية التي آمن والتزم بها، وإنما هي خسارة للبحرين كلها إذ لم يكن عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏كاتبا صحفيا ولا مفكرا ماركسيا أو أبا للقصة البحرينية فحسب، وإنما كان صوتا بحرينيا جسد طوال نضاله وعمله الإبداعي روح التسامح والألفة والتآخي التي جبل عليها أبناء البحرين وتربى في كنفها الراحل والتي ميزت أعماله الأدبية والفكرية طوال سنوات الإبداع التي عاشها.
برحيل عبـــــــدالله خلــــــــيفة‏‏‏‏‏‏، فقدت العقلانية البحرينية صوتا هي في أمس الحاجة إليه في هذه الظروف، حيث تتصاعد أصوات التطرف والانتهازية والوصولية التي كبدت المجتمع البحريني والنسيج الوطني خسائر كبيرة سيكون تعويضها مقابل أثمان باهظة جدا، ومن تابع كتابات عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏المتعلقة بهذه الخصوصية المجتمعية سوف يكتشف كم كان الراحل مناهضا عنيدا لأي شكل من أشكال التطرف وفي نفس الوقت وقف عنيدا في وجه القدسية الفكرية لتيار الإسلام السياسي الذي لعب دورا سلبيا في الساحة البحرينية من خلال ما أحدثه من استقطاب طائفي مقيت أحدث شرخا عميقا في الجسد الوطني.
لقد بقي عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏طوال سنوات الإبداع التي عاشها وخاصة في الظروف الصعبة التي مرت بها البحرين، واحدا من أصوات الاعتدال التي تنظر إلى القضايا والأمور بمنظار وطني ثاقب وحاد بعيدا عن التعصب العرقي أو الديني أو الحزبي، لكنه في كل هذه المواقف كان منحازا دائما إلى الوطن كشعب وأرض، فلم يغادر الموقع التي اختاره، فكريا وسياسيا، رغم كل الملاحظات والمواقف التي سجلها وتمسك بها ودافع عنها في مواجهة من اختلف معه في رؤيته وفي تشخيصه لأي من القضايا الوطنية، وتحديدا في الظروف الصعبة التي تحركت خلالها الرمال من تحت الأقدام، فانتقل البعض من موقع إلى آخر فيما تاه آخرون.
فالظروف التي تمر بها بلادنا في الوقت الحاضر مع اشتداد الاستقطاب الطائفي والسياسي غير المتزن وغير المتحضر، بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى أصوات الاعتدال ذات النزعة الوطنية المخلصة لقضايا الجماهير، حيث كان عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏واحدا من هذه الأصوات، فالاعتدال بالنسبة له ليس تخليا عن القضايا الوطنية ولا عن مصالح الأغلبية الساحقة من أبناء شعبه، فهذه المواقف بالنسبة إلى الراحل ليست محل مساومة ولم تغب يوما عن إبداعاته الفكرية والأدبية وكتاباته السياسية.
من الصفات التي ميزت الأديب والمفكر عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏عن غيره، صراحته شبه المطلقة في التعبير عما يؤمن به من مبادئ وأفكار، الأمر الذي مكنه من أن يجعل من الأداة الفكرية التي آمن بها وتربى في كنفها مشرطا لتشريح الواقع السياسي والاجتماعي والفكري الذي تعيشه الساحة البحرينية والتطورات التي طرأت على هذه الساحة خلال العقود الأربعة الماضية التي شهدت بروزا وصعودا كبيرين لتيار الإسلام السياسي الذي اعتبره عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏معيقا للتطور الطبيعي للمجتمع نظرا إلى تمسكه بالماضي وعدم قدرته على قراءة الحاضر ناهيك عن عدم إيمانه بالمستقبل.
من الصعب جدا إيفاء هذا العلم البحريني المميز أدبيا وفكريا، التقييم الذي يستحقه عبر هذه المساحة الصغيرة، فما خلفه عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏من إنتاج أدبي وفكري بحاجة إلى مساحات واسعة وأوقات طويلة للتوقف بعناية وأمانة أمام ما خلفه من إنتاج غزير، وهذه أكبر من أن تكون مسئولية رفاقه السياسيين والفكريين، وإنما هي مسئولية الجهات الرسمية المسئولة عن حفظ وصون الكنوز الوطنية البحرينية بكل أشكالها، وما تركه عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏من إنتاج إنما هو قيمة وطنية لا تخص عائلة الفقيد بقدر ما هي تخص الوطن الذي سكن قلبه على مدى السنوات التي مارس فيها إبداعه الفكري والسياسي.
مثل هذه الأعلام الوطنية وبغض النظر عن مواقفها السياسية والفكرية والعقدية يجب أن تأخذ موقعها في السجل الوطني للبحرين، فهذا حق لا يجب نكرانه أو التملص من القبول به، فهذه الأعلام بقيت أمينة لانتمائها الوطني واعتبرت قضايا الإنسان البحريني جزءا من حياتها اليومية، فهي لم تبدع ولم ترهق عقولها تفكيرا وتشخيصا لهذه القضية أو تلك، لمجرد أنها تريد ذلك أو لتسلية الذات، وإنما كون قضايا الإنسان هي جزء جوهري من حياتها، ما كانت لتحيد عنها تحت أي ظرف من الظروف، لهذا لم تنزل هذه الأعلام، ومنها عبـــــــدالله خلــــــــيفة، إلى وحل المغريات المادية والحياتية لأن ذلك باختصار يتناقض كليا مع ما يسكن جوف تفكيرها وعقلها من مبادئ وإيمان راسخ بها.

عبدالله الأيوبي
٢٥ أكتوبر ٢٠١٤

 

أضف تعليق